الكرمل للإعلام

بلومبرغ: مؤشرات على تقدم المفاوضات بين واشنطن وطهران لإنهاء الحرب مقتل شاب من طوبا الزنغرية بإطلاق نار قرب المغار ليبرمان يرفض حكومة تعتمد على الأحزاب العربية ويبدي مرونة بشأن تجنيد الحريديم ليبرمان يرفع الفيتو عن الأحزاب الحريدية.. ومباحثات لتشكيل حكومة بالتناوب مع آيزنكوت مقتل شاب وإصابة ثلاثة آخرين بجريمتين في طمرة والناصرة الموجز
-

من الأخ الأكبر إلى عبادة الزعيم – هل نعيش في عصر جورج أورويل؟

من الأخ الأكبر إلى عبادة الزعيم – هل نعيش في عصر جورج أورويل؟

بقلم : أمين زاهر

 


أعترف بأنني مفتون بحكمة الكاتب جورج أورويل، ومعجب أشد الإعجاب بمؤلفاته. وكلما تعمقت في قراءة أعماله، ازددت إدراكًا لمدى فهمه العميق للنفس البشرية، ولنقاط ضعف المجتمع، وللمخاطر الكامنة في أنظمة الحكم القائمة على الخوف والأكاذيب وتقديس الشخصيات. وما يثير دهشتي حقًا هو مدى ارتباط تحذيراته، التي أطلقها قبل عشرات السنين، بواقعنا السياسي اليوم.
قبل أكثر من سبعين عامًا، رحل الكاتب البريطاني جورج أورويل، تاركًا وراءه تحذيرًا سياسيًا وفكريًا بالغ الأهمية في روايتيه الشهيرتين " 1984 " و " مزرعة الحيوان". فقد كشف أورويل كيف يستطيع الحاكم تحويل الخوف إلى طاعة، والكذب إلى حقيقة، والولاء السياسي إلى عبادة للزعيم، وكيف يمكن للجماهير أن تتنازل عن استقلالية تفكيرها.
وكلما قرأت أورويل، وجدت نفسي أمام سؤال لا أستطيع تجاهله: إلى أي مدى تنعكس أفكاره على الواقع السياسي في إسرائيل، وخاصة خلال فترة حكم بنيامين نتنياهو؟
في رواية ״1984״, ابتكر أورويل شخصية ״الاخ الاكبر", رمز السلطة التي لا تكتفي بطاعة المواطنين، بل تطالبهم بالإيمان بأن الحاكم لا يخطئ أبدًا، وأن معارضته تعني معارضة الدولة نفسها.
ألا نلاحظ ملامح هذه الظاهرة لدى بعض مؤيدي نتنياهو، الذين يرون فيه المنقذ الوحيد لإسرائيل، ويبررون أخطاءه وتناقضاته، ويرفضون تقبّل أي انتقاد يوجَّه إليه؟
من حق كل مواطن أن يؤيد زعيمه، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول التأييد إلى إعجاب أعمى، ويحل الولاء لشخص واحد محل الولاء للدولة، ويصبح الدفاع عن الزعيم أهم من الدفاع عن الحقيقة.
ومن أخطر الظواهر التي وصفها أورويل صناعة الخوف واستخدام الحروب وسيلةً للسيطرة على الجماهير. ففي عالم "1984״ يعيش المواطنون تحت تهديد دائم، بينما تقدم السلطة نفسها باعتبارها الحامي الوحيد من الأخطار الخارجية.
وهنا يبرز سؤال: هل يجري التعامل مع التهديدات الأمنية التي تواجه إسرائيل، وخاصة التهديد الإيراني والنووي، بمسؤولية وشفافية، أم يجري أحيانًا استغلال مخاوف المواطنين لتعزيز مكانة الحاكم وإضعاف خصومه السياسيين؟
لا أحد ينكر وجود تهديدات أمنية حقيقية، لكن حماية الدولة لا تمنح رئيس حكومتها حصانة من النقد والمساءلة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بقرارات الحرب والسلام ومصير المواطنين.
وقد جسّد أورويل الكذب السياسي من خلال «وزارة الحقيقة»، التي كانت مهمتها تغيير الوقائع وإعادة كتابة التاريخ بما يتناسب مع مصالح السلطة. وهنا تكمن خطورة الدعاية السياسية التي تدفع المواطنين إلى تصديق رواية الزعيم، حتى عندما تتناقض مع تصريحاته السابقة أو مع الواقع نفسه.
ومن التحذيرات الخطيرة الأخرى التي قدمها أورويل صناعة الكراهية وتحويل مجموعات من المجتمع إلى أعداء. ففي روايته تُستخدم الكراهية الجماعية وسيلةً لتوحيد الجمهور خلف السلطة.
وفي إسرائيل أيضًا، نشهد تصريحات سياسية تحريضية ضد المواطنين العرب، وأحيانًا ضد المعارضين السياسيين اليهود أنفسهم، وكأن مجرد الاختلاف القومي أو السياسي يشكل تهديدًا للدولة. إن تحويل المواطنين إلى أعداء لا يحمي الديمقراطية، بل يقوّض أسسها ويعمّق الانقسام والكراهية في المجتمع.
وفي رواية "مزرعة الحيوان". يصف أورويل كيف تتحول قيادة وصلت إلى السلطة باسم العدالة والمساواة، تدريجيًا، إلى سلطة تمنح نفسها امتيازات خاصة، حتى يصبح هناك من هم ״اكثر مساواة من غيرهم".
وهذا لا يعني أن إسرائيل تحولت إلى دولة شمولية على غرار العالم الذي وصفه أورويل في " 1984 ". فما زالت فيها انتخابات ومعارضة ومحاكم وصحافة ومؤسسات ديمقراطية. لكن وجود هذه المؤسسات لا يضمن عدم تآكل الديمقراطية، وخاصة عندما يصبح الولاء للأشخاص أقوى من احترام القانون والحقيقة.
وأحيانًا أتساءل: هل قرأ بنيامين نتنياهو مؤلفات جورج أورويل؟ وإذا كان قد قرأها فعلًا، فهل رأى فيها تحذيرًا من مخاطر الاستبداد، أم أنه تعلم منها كيف يمكن السيطرة على عقول الجماهير بواسطة الخوف والدعاية السياسية والانقسام وعبادة الزعيم؟
فأورويل كتب ليحذر من " الاخ الأكبر ". لا ليعلّم الزعماء كيف يصبحون "الاخ الأكبر " .
وما يقلقني ليس نتنياهو وحده، بل ظاهرة أوسع بكثير، تتجاوز حدود السياسة وتمتد إلى المجتمع والدين: ظاهرة تقديس الزعيم، سواء كان سياسيًا أم دينيًا، وتحويل الإنسان إلى تابع مطيع يخشى طرح الأسئلة، ويعتبر النقد خيانة والطاعة فضيلة أخلاقية.
لقد أدرك أورويل أن الاستبداد لا ينتصر بالقوة وحدها، بل ينتصر أيضًا عندما يتنازل الإنسان عن حقه في التفكير المستقل.
والدرس الأهم الذي نستخلصه من كتاباته هو أن الديمقراطية لا تحتاج إلى زعيم لا يخطئ، بل إلى مواطن لا يخشى محاسبته عندما يخطئ.
ويبقى السؤال الذي ينبغي لكل واحد منا أن يطرحه على نفسه:
من يتحكم في أفكاري وقراراتي: أنا نفسي، أم الزعيم والجماعة التي أفكر وأتصرف باسمها؟
فالأوطان لا تحميها عبادة الزعماء، بل يحميها المواطنون الأحرار الذين يملكون الشجاعة لقول الحقيقة، حتى عندما تتعارض مع رأي الأغلبية.
وأختتم بالمقولة التي أؤمن بها وأرددها دائمًا:
" انا والحق أكثرية "

ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة،  عن رأي الموقع
للمزيد : أرشيف القسم
 
 
....