| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
| الموجز |
|
|
|
قرار سحب ترشيح سامي أبو شحادة من القائمة المشتركة خاطئ، وله تبعات سياسية وقضائية سلبية.
عكست عملية اتخاذ القرارات قبل تقديم الالتماسات وخلال إدارة مناقشة القضية في المحكمة وانتهاءً بسحب الترشيح، غياب الرؤية الاستراتيجية لدى قيادات القائمة المشتركة، ولدى طاقم الدفاع المتمثل بشكل أساسي بمركز "عدالة". كما عكست خللًا في شكل الخطاب السياسي والقانوني الذي يصلح تبنيه في مواجهاتنا مع سياسات القمع والملاحقة العنصرية، وفي معركتنا ضد نزع شرعية مطالبتنا بحقوقنا الأساسية وإقصائنا عن فضاءات المواطنة الطبيعية. وتبقى، في النهاية، مؤسسات حزب التجمع وقياداته هي المسؤولة عن تلك القرارات وعن أثرها.
قرأت بيان حزب "التجمع" وحاولت أن أفهم ماذا كانت المبررات التي أوجبت اتخاذ ذلك القرار، ولم أفلح بذلك؛ فما هي تلك "المسؤولية السياسية تجاه شعبنا والقائمة المشتركة"، وكيف يؤدي قرارهم إلى "الحد من التداعيات التي قد تترتّب على القضية بالنسبة إلى العمل السياسي والبرلماني"، وهي كما جاءت في البيان الطويل مجرّد شعارات فضفاضة وزخرفًا خطابيًا لا يلائم المشهد ولا جسامة الحدث.
كتبت في مقالي الأخير مشبّها ما جرى في قاعة المحكمة والأجواء القمعية التي فرضها القضاة خلال مرافعات الأطراف "بمحاكم التفتيش"، وأكّدتُ كم كان المشهد مقزّزا ومستفزًا ومحزنًا في نفس الوقت.
ولئن يبقى القضاة هم المسؤولون عن خلق تداعيات المشهد وإخراج تفاصيله بحرفية مَرَضية، لا يمكننا أن نعفي طاقم الدفاع، وعلى رأسهم الأخ المحامي حسن جبارين، قائد الطاقم، من المسؤولية عمّا جرى ومن عدم تصدّيهم لتلك الأجواء وعدم اعتراضه على إمعان القضاة بمعاملة المرشّحين سامي أبو شحادة وعوفر كسيف كمتهمين بارتكاب "الجرائم الخطيرة"، وليس كضحيتين لسياسة فاشية لا تستهدفهما وحدهما فحسب، بل تستهدف جميع المواطنين العرب في الدولة.
لا أعرف من شارك في وضع استراتيجية الدفاع في قضية أبو شحادة. لكنّها استراتيجية أقل ما يقال فيها أنها خاطئة ومنقوصة ومضرّة، لأنها اعتمدت في الدرجة الأولى، على فكرة الاعتذار واستدرار عطف القضاة، وكأن المحكمة تجري في كوكب آخر وليس في "مملكة إسرائيل الجديدة"، وأمام قضاة لا نعرف سيرهم المهنية وما أنتجوه من ظلم وتبييض لسياسات الاضطهاد والعنصرية وكل ما يجري للفلسطينيين.
لقد تخطت فكرة تبرير ما كتبه أبو شحادة والاعتراف بذنبه والتعبير عن ندمه وطلبه للغفران ووعده بعدم تكرار "فعلته" وتأكيده على أنه سيحترم قوانين الدولة، التي هي دولة يهودية وديمقراطية .. تخطت ما يبرّرها موضوعيًا وحاجتها الدفاعية وحجتها القانونية، وتحولت إلى مجرد استعراض مذلّ أدى الى فتح شهية بعض القضاة ومطالبتهم بالمزيد من ذلك التعرّي السياسي المبتذل.
كان المشهد قاهرًا ومحزنًا ومستفزًا. وبدا أن سامي ومحاميه قد نسوا أن ما كانوا يقولونه، أو ربما ما لا يقولونه، يعرض على الهواء مباشرة أمام أبناء مجتمعهم ومصوّتيهم وليس فقط أمام المجتمع الاسرائيلي، وأن ما كان يقال لم يكن باسم سامي شحادة ولا حتى باسم حزبه فقط، بل كان ينطق باسم "القائمة المشتركة" التي يعلن أقطابها على أنها تمثل مصالح شعبهم؛ وأنا، ومن شعروا مثلي، من هذا الشعب طبعًا.
قال البعض أن سحب الترشيح تم كي لا يؤدي قرار يحظى بأكثرية بين القضاة الى إرساء سابقة قضائية من شأنها، إذا شذّت عما كانت المحكمة العليا تعتمده كقاعدة لشطب مرشّح فرد، أن تضرّ بالعمل السياسي مستقبلًا. هذه حجة واهية وغير صحيحة فأولاً، إذا كان هذا هو موقف طاقم الدفاع وتخوّفه منذ البداية، فلماذا قرّروا التوجه للمحكمة وتوريط سامي في حالة من الغرق السياسي المتهور ثم الانسحاب من دوامته بتخبط وبدون "طواشات"؟ أوَلم يكن واضحا "لعدالة"، وهي العنوان صاحب التجربة في معرفة الـ"DNA" لكل قاضٍ وقاضية، ما هي موازين القوى داخل هيئة القضاة التي كانت أسماؤهم معلنة سلفًا؟
وثانيا، ألم يرسِ انسحاب سامي أبو شحادة سابقة ستمنع في المستقبل قياديين آخرين من خوض الانتخابات، أو المنافسة على مواقع قيادية في مرافق الحياة العامة لنفس السبب والخشية؟ إنها سابقة من "صنع الضحية" وقد بقيت المحكمة الإسرائيلية منها براء، فعجبي!
قد يكون السبب الحقيقي وراء الانسحاب متعلقًا بنصيحتين أسديتا لسامي على خلفية شخصيّة.
الأولى، تفيد بأن منع المحكمة من إصدار قرار ينص على أن المقال الذي كتبه سامي، الذي كان موضوع الشطب، يتضمن موقفًا داعمًا للكفاح المسلح، سيسلب محمومي اليمين فرصة استغلال القرار والشروع بملاحقة سامي جنائيًا أو استدعاؤه للتحقيق!
والثانية، أنه بغياب قرار يقضي بشطب سامي، يستطيع هو، بعد مرور زمن، بأن يعيد ترشّحه في انتخابات أخرى.
لا أعترض على حق سامي بأن يختار ما يراه مناسبا لمصلحته ولتأمين مستقبله السياسي؛ ولا حق لأحد بأن يزايد على خياراته الشخصية أو الحزبية. فما يعنينا في هذه المداخلة هو سامي القيادي السياسي المرشح في القائمة المشتركة.
لن تصمد حجة منع الملاحقة البوليسية أمام ثلاث وقائع: لقد كتب سامي المقال قبل ثلاثة أعوام ومنذئذ لم يسائله أحد ولم يستدعه أحد للتحقيق بسببه.
قد يعزز إصدار القرار السلبي بالعليا الرغبة في ملاحقته بيد أن "معزِّزات" هذه الرغبة موجودة في قرار لجنة الانتخابات المركزية الممهور بموافقة رئيسها سولبرغ، نائب رئيس المحكمة العليا. وفي موقف المستشارة القانونية للحكومة الذي قدّمته أمام اللجنة أولًا وبعدها أمام المحكمة العليا وفيه ادّعت أن المقال يقيم الحجة الكافية لشطبه. ومن المعروف أن المستشارة القانونية تقف على رأس هرم النيابة العامة وسلطة التحقيقات الجنائية في الدولة.
وأخيرًا، في إشارة القاضي عميت بأنه يوجد بين القضاة أكثرية تدعم شطب سامي بذريعة أنه خرق القانون عندما كتب مقالاً يفهم منه أنه يدعم الكفاح المسلح ضد إسرائيل.
بالمقابل لو لم يسحب سامي ترشيحه، كما كنا نتوقّع، لكان صدر قرار المحكمة برأيين قضائيين، أحدهما يفيد بأن ما كتبه في مقاله لا يعتبر دعماً للكفاح المسلح، أو قد يعتبر كذلك لكنه غير كاف لشطبه، وهذا الرأي، حتى وهو رأي أقلية، كان سيشكّل عاملًا لصالح قضية سامي عند الحاجة والضرورة.
أما بخصوص إبقاء الفرصة أمام سامي للترشح في المستقبل فهذه مسألة يتحكم فيها "صاحب النرد" والعالم "بظهر الغيب"، بينما ما يقلقنا اليوم، ونحن نقف على شفا الهاوية، هو "مستقبل حاضرنا".
للقضية وجهان: قانوني وسياسي، كما قلنا؛ فإذا انتقلنا من القانوني سنجد أن الانسحاب أعفى القضاة من مواجهة إحدى أعقد القضايا الدستورية ذات الأبعاد السياسية التي كانت تواجه بعضهم، وبينهم رئيس المحكمة عميت، الذي كانت لحظة سماعه لخبر انسحاب سامي من أسعد لحظات حياته، من دون أدنى شك.
لا يمكننا أن نتناول هذه المسألة من دون أن نضعها في سياقها العام وضمن المتغيّرات التي تعصف في المجتمع الإسرائيلي وداخل جميع منظومات الحكم، لا سيّما بعد كارثة السابع من اكتوبر ٢٠٢٣. ولا يمكننا أن نتناول القضية إذا لم نتّفق على معنى الخسارة والربح أمام محكمة ضلعت عبر العقود بهندسة معالم خسائرنا، كمواطنين مضطهدين، وعرفنا كيف نتعامل مع تلك الخسائر التي كانت في كل مرة تكشف لنا عمق الهاوية التي يدفعوننا نحوها.
فأنا لا أكتب هذه المداخلة الطويلة لأنني لا أعرف من الظالم في هذه الماساة ومن المظلوم، أو من هي الضحية ومن هو الجلاد.
ما شاهدناه كان تذكارًا مؤلمًا لمحكمة تفتيش عصريّة حاول بعض قضاتها أن ينجوا بأنفسهم من عواقبها، ولم يكن دور الضحية أن ترمي لهم طوق نجاتهم وتعود الى تخوم القلق وتنتظر وهما حسبته منجاة و"تقيّة".
كما قلت في مداخلة سابقة: بين الخسارة والهزيمة تقف وجهات النظر، ويبقى الخطر جاثمًا كالوحش عند عتبات بيوتنا.
لا تجلدوا سامي أبو شحادة، فوراءه حزب وقيادات كان لها القول الفصل وفصل المقال وقرّروا ما قرّروه وانتهى؛ ويبقى يوم الحسم أمامنا في السابع والعشرين المقبل. فلنلقِ بما حصل خلفنا، وننطلق بكل قوانا وعقولنا نحو تلك المعركة التي ستكون الخسارة فيها واضحة وكارثية، والربح مقذافًا قد يبقينا قرب شواطئ الأمان.
|
|
|
| ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة، عن رأي الموقع |
|
|