| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
|
|
| الموجز |
|
|
«أصخرة أنا مالي لا تحركني هذي المدام ولا هذي الأغاريد» هكذا تساءل الشاعر المتنبي. وهذا البيت يرافقني منذ زمن طويل. أشاهد مقاطع الفيديو، فأصادف أصواتًا عبثية، مثقلة بالتحريض والكراهية: هذا يقول إن سائقي الحافلات العرب يتعمدون إبطاء سرعتهم عند التقاطعات بهدف التسبب في الاختناقات المرورية؛ وذاك يقرر أن سائقًا عربيًا ينقل 50 راكبًا يهوديًا يُعدّ بمثابة «قنبلة موقوتة»؛ وآخرون يزعمون أن طبيبًا عربيًا يسيء معاملة جنود الجيش الإسرائيلي؛ أو يتداولون مقطعًا لاقتحام حفل زفاف في أم الفحم، حيث يجد جميع الرجال أنفسهم ممددين على الأرض. من يدري، لعلّ كلماتي هنا في الصحيفة ليست سوى تعويذات سحرية أهدف من خلالها إلى تنويم اليهود، تمهيدًا للانقضاض عليهم والقضاء عليهم. كل شيء ممكن في هذا الواقع المختلّ الذي نعيش فيه. وحين أرى هذا الشرّ يفيض عن حدوده، أجد بعض العزاء في المثل العربي القائل: «كل إناء يرشح بما فيه». فالرأس المريض لا يرشح منه إلا الفظائع. كل هذا، ومع ذلك، لم نتحدث بعد عن غزة — غزة النازفة، الغارقة في الدموع والدمار — ولا عن الأراضي المحتلة، التي تحولت إلى ساحة تعذيب تُنقل وقائعها على الهواء مباشرة. إن ساحة التعذيب في الضفة الغربية هي من أكثر صور الشر وضوحًا وانكشافًا التي عرفها التاريخ الإنساني. صحيح أن الشرّ القاسي موجود في العالم، لكنه غالبًا ما يحدث في الخفاء، بدافع الخجل من انكشافه. أما هنا، فإن الشرّ يُمارَس على طريقة «شوفوني»؛ أي بمنطق الاستعراض والتباهي: انظروا إلينا، وانظروا ماذا نفعل. ويُطلب من الإنسان العربي أن يمشي على أطراف أصابعه، من دون أن يُطلق حتى أنّة ألم واحدة. ششش... الأخ الأكبر يتنصّت. ماذا، هل تظنون أننا صخورٌ بلا مشاعر، وأن أمثال هذه الأمور لا تُمرّر حياتنا بمرارة؟ تحدّث المتنبي عن الخمر والشعر اللذين يعجزان عن إيقاظ مشاعره، أما نحن فنعيش شرًّا حوّل حياتنا إلى طعمٍ مُرّ. المفارقة هنا، من بين أمور أخرى، أنني مطالب بالتعليق على تصريحات شخصية مثل مؤسنت مارك، التي تطالب بتهويد مهنة الطب، وبأن أشرح لها مدى عبثية تصريحاتها ومقدار ما تنطوي عليه من قرف واشمئزاز. في الأيام العادية، لم يكن الإنسان الأخلاقي ليلتفت أصلًا إلى وجود مارك، لكن في أيام الظلام هذه، تُستضاف في المقابلات وتبسط أمامنا أطروحاتها وأفكارها. وفي رأسي، أفكر في أسلافها اليهود العظام: حانا أرندت، سيغموند فرويد، كارل ماركس. وأضيف بين قوسين: قلبي مع المذيع العربي والديمقراطي اليهودي، اللذين يظهران على شاشات التلفزيون مرة كل دهر، ويُطلب منهما مواجهة عنصريين لا يدركون عنصريتهم، في إعادة صياغة لعبارات صديقنا أفيشاي بن حاييم. ومن باب الإنصاف، لا بد من القول إن مارك لم تكن الأولى التي طالبت بتهويد مهنة أو قطاع بعينه. ففي بدايات الحركة الصهيونية، دعا قادتها إلى «العمل العبري»، ولاحقًا لم يكن المهندسون العرب، بمن فيهم خريجو التخنيون، يُقبلون للعمل في الشركات الحكومية، بحجة أنهم لم يؤدوا الخدمة العسكرية، فاضطروا إلى التوجه إلى مهن أخرى، من بينها التعليم وحتى العمل في قطاع البناء. لكن الخطأ الفادح الذي ارتكبته مارك هو أنها جعلت «التهويد» مرادفًا للعنصرية. ففي حينه، وقف الرئيس حاييم هرتسوغ أمام ممثلي دول العالم، ومزّق قرار الأمم المتحدة الذي كان قد اعتبر الصهيونية شكلًا من أشكال العنصرية. أما اليوم، فلم تعد الصهيونية وحدها تُقدَّم، على ألسنة بعض المتحدثين من اليمين، باعتبارها عنصرية، بل باتت اليهودية نفسها تُختزل في خطابهم إلى مفهوم للعنصرية. وإذا كان لا بدّ من «التهويد»، فعلى العرب إذًا أن يهبّوا لنصرة إخوتهم اليهود العنصريين، وأن يتطوّعوا لإخفاء أنفسهم داخل مجلس نواب الدولة اليهودية؛ فحتى كلمة «ديمقراطية» أخذت تتوارى وتختفي تدريجيًا. ولا سيما أن الاسم الآخر للعرب في إسرائيل هو «الغائبون». والمفارقة أن هذا الأمر قد يكون مجديًا أيضًا. ففي وقت تُظهر فيه غالبية استطلاعات الرأي أن الكتلة المناهضة لنتنياهو تتقدم أيضًا في الشارع اليهودي، أقترح أن يعلن أعضاء الكنيست العرب أنفسهم «غائبين» عند التصويت على تشكيل الحكومة المقبلة. لأنني أخشى أن يرفض الإخوة، بينيت ولبيد، طوق النجاة العربي، وأن يفضّلوا، مرفوعي الرأس، الحضن الدافئ للقومية اليهودية، حتى لو كان الثمن تدمير كل ما تبقى من مساحة خضراء في هذه الدولة. |
|
xxxx |
| ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة، عن رأي الموقع |
|
|