xxxxxxxxxxxx xxxxxxxxxxxx
التجمع يحسم قائمته البرلمانيةالجيش الأمريكي يضرب اهدافاً في إيران رداً على ضربها لسفينة في مضيق هرمزتوقيع الاتفاق بين دولة إسرائيل والدولة اللبنانيةسدّ الفراغ في معسكر اليسار: أهلاً بحزب " لكلنا مكان"دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، ما الذي يبدو غير واضح؟
الموجز

250 عامًا على استقلال الولايات المتحدة… و«شخصيات مخفية» تكشف الوجه الآخر للحلم الأمريكي

250 عامًا على استقلال الولايات المتحدة… و«شخصيات مخفية» تكشف الوجه الآخر للحلم الأمريكي

بقلم : جيهان حيدر حسن

 

بعد 250 عامًا على استقلال الولايات المتحدة، يبدو فيلم «Hidden Figures – شخصيات مخفية» أكثر من مجرد حكاية عن ثلاث عالمات في «ناسا»؛ إنه تذكير بأن الحلم الأمريكي لم يكن متاحًا للجميع بالقدر نفسه. فبينما تحتفل امريكا في الرابع من تموز/يوليو 2026 بربع ألفية من الحرية والدستور، يعيد الفيلم طرح سؤال بسيط ومحرج: من الذي استفاد فعلًا من هذه الحرية، ومن بقي خارجها؟

في أحد أكثر مشاهد الفيلم دلالة، تركض كاثرين جونسون عبر أروقة «ناسا» الطويلة لتصل إلى مرحاض مخصص للسود بعيدًا عن مكان عملها، بينما يظل زملاؤها البيض على بُعد خطوات من كل ما هو متاح لهم بسهولة. وفي مشهد آخر لا يقل قسوة، تظهر أواني شرب القهوة وقد كُتب عليها بوضوح: «للبيض فقط». ليست هذه التفاصيل مجرد خلفية جانبية، بل هي جوهر الفيلم؛ لأنها تكشف كيف كان الفصل العنصري جزءًا من الحياة اليومية، وكيف تحوّل التمييز إلى نظام يطاول المكتب والحمام والقهوة، وحتى الحق في أن يُعامل الإنسان بوصفه إنسانًا.

تدور أحداث الفيلم في مطلع ستينيات القرن العشرين، في ذروة سباق الفضاء بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، حين كانت واشنطن تسعى إلى إثبات تفوقها العلمي والتقني أمام العالم. لكن داخل هذا السباق نحو المستقبل، كانت هناك معركة أخرى لا تقل أهمية: معركة ضد الفصل العنصري والتمييز على أساس اللون والجنس. في هذا السياق تظهر كاثرين جونسون، ودوروثي فوغان، وماري جاكسون، ثلاث نساء أمريكيات من أصول إفريقية عملن في وكالة الفضاء الأمريكية، ووجدن أنفسهن مضطرات إلى إثبات كفاءتهن مرتين: مرة بوصفهن نساء، ومرة بوصفهن سوداوات في مجتمع لم يكن يعترف لهن بالمساواة الكاملة.

الفيلم يلتقط هذه الحقيقة من خلال تفاصيل صغيرة لكنها جارحة: مراحيض خاصة بالسود بعيدة عن مكان العمل، لوحات تفصل بين الأقسام، أكواب قهوة وأوانٍ مكتوب عليها «للبيض فقط»، ومساحات عمل مقسومة بعناية كي يبقى التمييز حاضرًا حتى في مؤسسة علمية يفترض أنها تمثل التقدم. لم يكن الفصل في العمل مجرد إجراء إداري، بل كان رسالة يومية تقول لهؤلاء النساء إنهن موجودات، لكن في الهامش. ومع ذلك، ينجح الفيلم في تحويل هذا الهامش إلى مركز للأحداث، لأن كفاح هؤلاء النساء هو الذي يدفع القصة إلى الأمام، لا مجرد وجودهن في الخلفية.

وتتجلى قوة الفيلم أكثر حين نرى كيف واجهت كل واحدة منهن هذا الواقع. فـكاثرين جونسون لم تكن مجرد موظفة عادية، بل العقل الرياضي الذي ساهم في الحسابات الدقيقة لمهمة رائد الفضاء جون غلين، وهي المهمة التي احتاجت إلى ثقة كاملة في أرقامها قبل أن ينطلق إلى الفضاء. أما دوروثي فوغان، فقد أدركت مبكرًا أن المستقبل يتجه نحو الحوسبة، فتعلمت لغة البرمجة بنفسها، ودفعت زميلاتها إلى اكتساب المهارات الجديدة بدل أن تتركهن التكنولوجيا خارج المعادلة. بينما خاضت ماري جاكسون معركة قانونية وتعليمية حتى تتمكن من دراسة الهندسة في مدرسة مخصصة للبيض، لتصبح لاحقًا أول مهندسة أمريكية من أصول إفريقية في «ناسا». وهكذا لا يقدّم الفيلم نجاحًا فرديًا فحسب، بل يروي كيف يمكن للمعرفة والإصرار أن يهزما جدارًا كاملًا من الإقصاء.

ولا يمكن فهم قصة هؤلاء النساء بعيدًا عن تاريخ أطول من النضال من أجل المساواة. فمن قوانين جيم كرو التي شرعنت الفصل العنصري في الجنوب الأمريكي، إلى قرار المحكمة العليا في قضية براون ضد مجلس التعليم عام 1954، ثم مقاطعة حافلات مونتغمري بقيادة روزا باركس عام 1955، وصولًا إلى خطاب مارتن لوثر كينغ «لدي حلم» عام 1963، ثم قانون الحقوق المدنية عام 1964 وقانون حق التصويت عام 1965، ظل الطريق إلى المساواة طويلًا ومليئًا بالعقبات. وحتى بعد هذه المحطات، استمرت النساء السود خصوصًا في مواجهة عبء مضاعف من التمييز داخل المؤسسات وخارجها.

ومن هنا تأتي رمزية الفيلم بعد أكثر من نصف قرن على أحداثه. فهو لا يكتفي باستعادة الماضي، بل يذكّر بأن العدالة لا تُمنح دفعة واحدة، وأن القوانين وحدها لا تكفي ما لم تتغير الثقافة التي أنتجت التمييز أصلًا. وبعد اغتيال كينغ عام 1968، لم يتوقف النضال، بل أخذ أشكالًا جديدة في العقود التالية، وصولًا إلى احتجاجات 2020 بعد مقتل جورج فلويد، حين عادت الأسئلة نفسها حول العنصرية البنيوية والعدالة الاجتماعية والمساواة الفعلية. وهنا يصبح الفيلم أكثر من حكاية عن ثلاث نساء؛ يصبح مرآة لتاريخ طويل لم يُحسم بعد.

وقد قدّمت هوليوود هذا العمل بوصفه فيلمًا عن الإنجاز العلمي، لكنه في جوهره شهادةٌ على أن الكرامة تسبق العلم، وأن العدالة هي الشرط الأول لأي مجدٍ حقيقي، وأن النساء اللواتي عملن خلف الأبواب المغلقة لم يكنّ مجرد تفاصيل في الهامش، بل كنّ جزءًا من صناعة المستقبل نفسه. وبعد 250 عامًا على الاستقلال، لا تُقاس عظمة الولايات المتحدة بما أعلنته من حرية في الماضي، بل بقدرتها على أن تجعل تلك الحرية عدلًا حيًّا ومساواةً فعليةً للجميع؛ فهذه هي الرسالة التي يذكّرنا بها «شخصيات مخفية»، وهذه هي الحرية التي تستحق أن تُحتفل بها.

ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة،  عن رأي الموقع
للمزيد : أرشيف القسم
 
     
موجز الأخبار السريعة
  • التجمع يحسم قائمته البرلمانية
  • الجيش الأمريكي يضرب اهدافاً في إيران رداً على ضربها لسفينة في مضيق هرمز
  • توقيع الاتفاق بين دولة إسرائيل والدولة اللبنانية
  • سدّ الفراغ في معسكر اليسار: أهلاً بحزب " لكلنا مكان"
  • دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، ما الذي يبدو غير واضح؟