كلما مرت الأيام وحتى الساعات في هذه الفترة الحرجة حتى موعد حل الكنيست بالفعل، وهو ما سيكون بعد أقل من أسبوعين، يزداد التصدع في الحزب الحاكم ، الليكود، الذي ما زال يحافظ على مكانته في الاستطلاعات الجدية كأكبر حزب في البلاد ولو بفارق مقعد واحد أحياناً. هذا التصدع لا بد أن يحرم الليكود من كونه الكتلة الأكبر بعد الانتخابات القادمة علينا لا محالة، وبهذا ربما لن يتوجه رئيس الدولة ، هرتسوغ، لزميله وحليفه في الخفاء والذي أجلسه على كرسي الرئاسة ، بنيامين نتانياهو، ليطلب منه تشكيل الحكومة القادمة .
فقد أعلن عضو الكنيست يولي إدلشتاين أنه لن يترشح للانتخابات التمهيدية (البرايمرز) ويعلن عزمه مغادرة الليكود والعمل على تأسيس حزب جديد يدعو إلى حكومة وحدة وطنية. وتقول مصادر صحفية أنه تقدم كثيراً مع أييلت شاكيد في التفاوض لإقامة حزب جديد. ويتم التفاوض بين أييلت شكيد ويولي إدلشتاين من جهة وبين حاخاميين من "الصهيونية المتدينة" من جهة أخرى لتشكيل هذا الحزب الجديد. والصهيونية المتدينة هذه من الممكن أن تمتد من مؤيدي بينيت إلى مؤيدي سموتريتش إلى مؤيدي بن جفير ، مما سيؤثر على هذه الأحزاب جميعاً وربما سيخلط أوراق اللعبة من جديد إلى حد ما . ويكثر الحديث أن عضو الليكود المتمرد الثاني جلعاد إردان سينفصل أيضاً عن الليكود ويدرس مسارات أو تحالفات أخرى لم يفصح عنها بعد. وهذا ما سنراه بعد حل الكنيست رأساً. وهناك احتمال كبير طبعاً أن يتبعهما المزيد من أعضاء الكنيست الحاليين في الليكود، خصوصاً بعد تأكيد إصرار نتانياهو على الطلب من الليكود منحه صلاحية تعيين حوالي نصف قائمة مرشحي الليكود للانتخابات القادمة وضرب الانتخاب الدمقراطي في برايمرز الليكود، ليضع في القائمة المرشحين الموالين له على طول الخط مهما قال ومهما عمل .
أزمة الليكود هذه المرة ليست أزمة عابرة وهي خارجة عن نطاق قدرة تحكم نتانياهو، فالقضايا التي على الطاولة صعبة جداً وأهمها قضية إعفاء الحريديم من التجنيد الإجباري وإغراقهم بالأموال على حساب الدولة مقابل تمديد حطم نتانياهو ل- 18 يوماً آخر واحتمال التحالف معهم بعد الانتخابات مع أن ذلك أصبح أشبه بالحلم الآن.
هذا الوضع سيغير ميزان القوى المهزوز أصلاً بين الائتلاف والمعارضة وربما سيجبر رئيس الدولة على اختيار شخص آخر غير نتانياهو ليطلب منه أولاً تشكيل الحكومة القادمة ، وهذا يتعلق طبعاً بنتائج الانتخابات.
أما في المعارضة فإننا نرى أن آيزنكوت بدأ بتغيير لهجته تجاه الائتلاف القادم الذي ينوي إقامته وبدأ بمغازلة القوائم العربية . فقد كان يصرح من قبل نه سيقيم حكومة صهيونية فقط ، أي بدون العرب، وتنازل عن ذلك قبل يومين وقال بوضوح أنه لا يرفض العرب: " أنا لا أقول لا لحزب عربي أو حريدي، بل أقول إنني سأجلس مع كل من يعترف بيهودية وديمقراطية الدولة ويقبل وثيقة الاستقلال والخدمة العسكرية أو المدنية". والقصد طبعاً : خدمة عسكرية للحريديم وخدمة مدنية للعرب. وهذا غزل واضح ليس فقط مع منصور عباس وحده. وطبعاً هذه التصريحات وهذه المواقف ستتبدل أكثر حسب نتائج الانتخابات، وبالأساس حسب القوة البرلمانية للأحزاب العربية. وفي رأيي أن بالإمكان التوصل إلى صيغة حل وسط لمسألة تقاسم المقاعد بنزول جميع الأطراف عن أشجارهم وسلالمهم ، وقطع الطريق على المتطرفين والمتشددين والمتفلسفين منهم، فالوضع يحتم ذلك والوطنية تحتم ذلك والعقل الراشد يحتم ذلك.
أمام هذا الوضع المتأزم في اليمين والمركز، وأمام الفرصة الذهبية للأحزاب العربية لتضمن كونها بيضة القبان الوحيدة الأقوى من الحريديم، تتخبط الأحزاب الثلاثية في خلاف حول ترتيب المقاعد واستعراض العضلات حول قوة كل حزب، بينما الناخب العربي والمواطن العربي ينظر إلى ذلك بعين السخط، ولا تعنيه التفاصيل ولا المبررات لكل ذلك . أما الموحدة فكعادتها المغازلة من أحزاب المعارضة الكبرى ولا يهمها يمينها من يسارها ولا لؤم هذه الأحزاب الصهيونية من خبثها فهي تريد أن "تخدم" المجتمع العربي بكل الطرق الممكنة مهما كان الثمن حسب رأيها. وأنا لا أرفض هذا الرأي لكنني أشك بإمكانية تنفيذه على أرض الواقع.
لقد ساد الرأي طول الوقت لدى الناخب العربي أن المشتركة الموسعة هي أفضل الحلول وهي القارة على إدخال أكبر عدد ممكن من النواب العرب إلى الكنيست وتكون كتلة المعارضة الأكبر. هذا الحلم ذهب الآن أدراج الرياح بعد أن أصبح واضحاً أن القائمة الموحدة لن تنضم لقائمة مشتركة تحد من حريتها في التفاوض والتعاقد مع أي حزب تريد وكيفما تريد ومهما كانت الحكومة-الهدف. ورب ضارة نافعة!
أنا شخصياً كنت من الأكثرية في المجمع العربي التي طالبت الأحزاب العربية بإقامة القائمة المشتركة الموسعة. لكنني لا أعتقد الآن، خاصة في ظل التطورات في الساحة السياسية الإسرائيلية والأحزاب الكبيرة فيها أن إقامة قائمة مشتركة واسعة هو مفيد لصالح المجتمع العربي.
من حقي أن أغير رأيي إذا اقتنعت برأي آخر . وهذا ليس جديداً عليّ ، فأنا لست من أصحاب الجمود العقائدي أو التمسك بالرأي في كل الظروف وكل الحالات ، فهناك ما يسمى بالعبرية ( وهذه هدية لمن لا يحبون ذكر كلمة أو تعبير عبري في كتابتهم): " להפעיל את שיקול הדעת" والأقرب لترجمته هو "تحكيم العقل بالرأي " مع أنها ترجمة لا تفي التعبير حقه. وللأسف الشديد فإن هذا التصرف وتغيير الرأي أو الموقف حسب الظروف وحسب ميزان الفائدة والضرر وبناءً على النتيجة النهائية ( מבחן התוצאה)، هو غير شائع لدى السياسيين العرب في مجتمعنا ، خاصة لدى أولئك الذين يعتبرون كل مواقفهم، بلا استثناء، ثوابت وطنية !
وربما شعر الجميع، في الفترة الأخيرة، وخلال الجهود التي بُذلت لإقامة القائمة المشتركة، أنه كان هناك فعلاً تغيير في المواقف وتفعيل "تحكيم العقل بالرأي" لدى الجبهة والتجمع، وهذا يُشهد لهما ، لكنه ، حسب رأيي، غير كاف ويجب أن يكون أكثر سلاسة في موضوع توزيع المقاعد، وأكثر سلاسة أيضاً في قبول واحتضان الحزب اليهودي العربي الجديد " لكلنا مكان" لكي يتم ترتيب البيت الانتخابي وتحضيره بسرعة.
لقد تم الإعلان مؤخراً عن تشكيل الحزب اليهودي العربي الجديد "لكلنا مكان"، وهو حزب يتبنى عملياً مواقف الجبهة وباقي الأحزاب العربية في مسألة السلام ومنح الشعب الفلسطيني حرية تقرير مصيره وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على أنقاض الاحتلال، ويتبنى أيضاً مواقف المطالبة بالمساواة التامة للمواطنين العرب في الدولة والمساواة التامة بين الرجل والمرأة في المجتمع والدولة والعدل الاجتماعي ودعم المجموعات المستضعفة في المجتمعات المختلفة . وما دام الأمر كذلك فلماذا تتم إقامة حزب جديد وما هو لزومه؟ والجواب على ذلك يتلخص في أمرين : أولاً أن الأحزاب القائمة لم تثبت حتى الآن جدارتها ونجاحها في مسألة تبني وتوثيق الشراكة اليهودية العربية بل أهملتها في السنين الثلاثين الماضية، وكذلك الأمر في مسألة مساواة المرأة ودمجها في حياة الأحزاب وفي المجتمع . والأمر الثاني هو أن حزب "لكلنا مكان " يجلب معه جمهوراً جديداً واسعاً من الشباب والنساء، يهوداً وعرباً، منظمين وممثلين بالتساوي في لجان وأجهزة الحزب المختلفة ويعتمد على ثقافة جديدة من التناوب التي تقضي ب: 50% رجال و 50% نساء من ناحية ، و50% من اليهود و 50% من العرب من ناحية أخرى في تركيبات الحزب وفي قائمة مرشحيه للكنيست. هذه في رأيي أسباب كافية لإقامة حزب يهودي عربي تقدمي جديد له جمهوره الخاص .
وفي رأيي سيكون هذا الحزب عاملاً مساهماً لدفع أية حكومة مستقبلية لأخذ قضايا المجتمع العربي بعين الاعتبار وعلى رأسها قضية الجريمة والعنف . كما أن وجود مثل هذا الحزب من الممكن، بتحالفه مع أحزاب أخرى أو حتى مع القائمة المشتركة أن يكون عاملاً مهماً في إسقاط حكم اليمين وإزاحة أية حكومة جديدة في اتجاه الوسط واليسار .
كما أن تطورات اليوم التي تبشر فعلاً بانتهاء عهد نتانياهو يجب أن تقرع الأجراس لدى الأحزاب العربية، وخاصة لدى الثلاثية بإنهاء النزاعات التي لا لزوم لها والبحث عن التحالف واحتضان الحزب الجديد اليهودي العربي الشبابي، "لكلنا مكان".