في إحدى قراءاتي للمفكر الفلسطيني الراحل البروفيسور إدوارد سعيد، الرائد في نقد الاستشراق ودراسات ما بعد الاستعمار، والذي تلقّى دراساته العليا في هارفارد وارتبط اسمه طويلاً بجامعة كولومبيا، توقفت عند حجة عميقة قدّمها حول إسرائيل وسرديتها عن فلسطين. كانت حجة سعيد بسيطة، لكنها جارحة ثاقبة في عمقها: المشكلة ليست في ادعاء اليهود بأنّ لهم ارتباطاً تاريخياً في فلسطين. المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الارتباط إلى سند ملكية حصري، وكأن الذاكرة وحدها يمكن أن تتحول إلى آلة جارفة، وكأن المعاناة يمكن تحويلها إلى رخصة دائمة لنزع الآخرين من أرضهم.
لم يردّ سعيد على أسطورة بأسطورة أخرى. وهنا تكمن عبقرتيه. لم يقل: “قصتكم كاذبة وقصتي وحدها صحيحة”. بل هاجم فكرة المحكمة الطفولية للتملك القديم، حيث يأتي كل شعب حاملاً عظامه، وآثاره، وأنبياءه، وقبوره، وآياته، وخرائطه، وجراحه البطولية، مطالباً التاريخ بأن يسلّمه المفاتيح. فإذا كانت الأرض ستُمنح لمن يملك أقدم جرح أو أكثر جملة مقدسة، فعلينا إذن أن ندعو الكنعانيين، واليبوسيين، والرومان، والبيزنطيين، والعرب، والصليبيين، والعثمانيين، والبريطانيين، ونصف موتى البحر المتوسط إلى جلسة المحكمة المزدحمة التي لن ينتج عنها أي عدل للأحياء.
المسألة ليست السؤال: من يملك أقدم قصة؟ فالسؤال الأصحّ: هل تملك أي قصة الحق الأخلاقي في محو شعب حي آخر؟
هنا تصبح حجة سعيد أكثر من مجرد حجة تاريخية. تصبح شبه بيوفيزيائية. فهو يرفض الخيال القائل إن الأرض يمكن اختزالها في رابطة جزيئية واحدة للملكية، أو أن ذاكرة تاريخية واحدة تستطيع أن تحتل كل مواقع الارتباط إلى الأبد. فلسطين ليست بلورة نقية مكوّنة من عنصر واحد. إنها نسيج حيّ متعدد الطبقات، من الذاكرة، والجراح، والاستمرارية، والدفن، والمنفى، واللغة، والصلاة، والتعايش. لا يستطيع خيط واحد أن يدّعي أنه النسيج كله، كمسكن مبني من ذرات الرمل وحدها ويدّعي المتانة الميكانيكية. لا تستطيع هوية واحدة أن تعلن نفسها الخلية الشرعية الوحيدة في الجسد خاصة حين يكون الحديث عن هوية استحضرت من غياهب التاريخ وحضّرت في معامل ومختبرات الحداثة. عندما تفعل ذلك، تتحول السياسة إلى مرض مناعي ذاتي: تبدأ الدولة التي أقيمت قسرا على شبكة، حبالها الأسطورة وعقدها تشابك المصالح، بمهاجمة التنوع نفسه الذي يتكوّن منه جسدها الحي.
هذا بالضبط الخطأ القاتل للذهنية المهيمنة في إسرائيل. فعلى مدى عقود، عملت الحكومات الإسرائيلية داخلياً على حفظ مبدأ “يهودية الدولة”، وكأن الدولة الحديثة يمكن أن تكون سويّة، سليمة سياسياً، عبر تضييق مجرى دمها الأخلاقي. فبدلاً من بناء المواطنة على المساواة، بُنيت على التراتبية. وبدلاً من التعامل مع الوجود الفلسطيني بوصفه جزءاً لا يتجرّأ ومكونا أصلانيّا من النسيج الحي للأرض، جرى التعامل معه كملوّث، كتهديد ديمغرافي، كعبء يجب إدارته، أو تقليصه، تفتيته، أو إخفاؤه خلف الجدران. اللغة دائماً أنيقة بالطبع: أمن، ديمقراطية، هوية، وطن. لكن اللغة المصقولة لا تجعل البنية الهشة أقل هشاشة. هي فقط تجعل الشقوق أكثر أناقة.
وقد جرى تصدير الذهنية نفسها إلى العلاقة مع المنطقة كلها. لم تتخيل إسرائيل نفسها دولة في الشرق الأوسط، بل تخيلت نفسها جزيرة “حضارية” ضد الشرق الأوسط. اختارت أن تعيش كاستثناء محصّن، "فيلا في غابة" على لسان رئيس وزرائها الأسبق أيهود براك، في حيّ ترفض الانتماء إليه، ثم تسأل باستمرار لماذا لا يرسل الجيران باقات ورد. وهنا خدمها عجز الأنظمة العربية بشكل رائع. فساد هذه الأنظمة، استبدادها، خطاباتها المسرحية وفراغها الاستراتيجي، منح إسرائيل الموسيقى الخلفية المثالية: “انظروا، نحن محاطون بالخطر والتخلف”. هكذا تحولت المأساة إلى سياسة، وتحولت السياسة إلى صناعة كاملة.
لكن السؤال الفيزيائي يبقى لا مفر منه: كم من الطاقة تحتاجه بنية صغيرة كي تبقى إلى الأبد كجسم غريب داخل محيط يقارب نصف مليار عربي؟ كم من القوة العسكرية، والرعاية الخارجية، والمراقبة، والدعاية، والأساطير، والقوانين الاستثنائية، والحماية الدبلوماسية، والخوف الدائم، يجب استهلاكه فقط للحفاظ على هذا الترتيب الاصطناعي؟ وفي أي لحظة يتحوّل به البقاء نفسه من دليلٍ على الاستقرار الى اعترافٍ بالإرهاق الطاقي؟
بلغة الكيمياء الفيزيائية، تتصرف القومية الحصرية مثل شكل بلوري عالي الطاقة. قد تتبلور في صورة سياسية صلبة ومثيرة للإعجاب، لكن الصلابة ليست استقراراً. فالشكل غير المستقر من المادة قد يستمر لبعض الوقت لأن هناك حواجز تمنعه من التحول إلى حالة أقل طاقة وأكثر استقراراً. لكنه يبقى مشدوداً. يبقى مُكلفاً. يحتاج دائماً إلى حماية كي لا يرتخي أو يتحول. وبالمثل، فإن الدولة المبنية على حق تاريخي حصري تحتاج كل الوقت لمدّها بالطاقة من الخارج وتستمرّ في مقاومة الترتيب الطبيعي الأقل طاقة: عدل، حقوق ومواطنة متساوية وتعايش مع الإقليم.
الجدران، والحواجز، والحصار، والتعبئة العسكرية، والتشريعات الاستثنائية، والتعليم الأسطوري، والشكّ الدائم، والذعر الدبلوماسي، ليست علامات توازن حقيقي. إنها الفقد الحراري للنظام. إنها طاقة مهدورة، لا لبناء الحياة، بل لمنع الحياة من إعادة تنظيم نفسها في شكل أكثر صحة. وكلما أصبحت البلورة الأيديولوجية أكثر صلابة، أصبحت أكثر هشاشة. فالمادة المتينة تمتص الضغط وتعيد توزيع الطاقة. أما المادة الهشة فتخزن الضغط إلى أن يمتد الشرخ في بنيتها كلها. هذا هو خطر الدولة التي تخلط بين القساوة والقوة.
النظام الحي ينجو بطريقة مختلفة. يتكيف. يعيد ترميم نفسه. يدرك أن التنوع ليس دائماً عدوى، وأن الاختلاف ليس دائماً غزواً. الجهاز المناعي السليم لا يهاجم كل خلية غير مألوفة؛ بل يتعلم الفرق بين الخطر والحياة. والنظام السياسي السليم يجب أن يفعل الشيء نفسه. لكن عندما تعتبر دولة أن جماعة واحدة هي الجسد كله، وأن جماعة أخرى هي تهديد دائم، فإنها تتحول إلى كيان سياسي مصاب بمرض المناعة الذاتية. تهاجم جغرافيتها، وتاريخها، ومستقبلها.
تبقى حجة إدوارد سعيد قوية لأنها لا تستبدل ادعاءً حصرياً بآخر، بل تضرب منطق الحصرية نفسه. فالأرض لا تُنقذ بإثبات من يملك أقدم قصة، بل حين لا يُسمح لأي قصة بأن تتحول إلى سلاح لمحو الآخرين. مأساة هذه الدولة أنها استهلكت طاقة هائلة كي تبقى استثناءً قلقاً ضد محيطها، بينما كان الخيار الأقل كلفة والأكثر إنسانية واضحاً منذ البداية: دولة ديمقراطية حديثة لا تقوم على امتياز ديني أو عرقي، بل على المواطنة الكاملة، والمساواة أمام القانون، والحقوق المدنية بلا تمييز. صيغة سويّة لدولة مندمجة كجرءٍ من النسيج الحيّ من حولها.
لذلك، فالسؤال الحقيقي ليس: إلى متى يمكن الدفاع عن بنية هشة؟ أي شيء يمكن الدفاع عنه لبعض الوقت إذا توفرت له الأموال، والأسلحة، والأساطير، والخوف. السؤال الأعمق هو: كم من الحياة يجب أن يُهدر كي يستمر هذا الدفاع؟ في لحظة ما، حتى أكثر البلورات لمعاناً يجب أن تواجه ثيرمودايناميك الواقع: العدالة ليست ضعفاً. العدالة هي الحالة المستقرة الأقل طاقة.