| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
|
|
| الموجز |
|
|
|
تخيّلوا يومًا اعتياديًا في أحد المجمّعات التجارية الفاخرة في الرياض أو دبي. ثريات كريستالية فاخرة تتدلّى من السقف، وأرقى العلامات التجارية العالمية تملأ واجهات العرض، فيما يوفّر التكييف المركزي أجواءً مثالية بعيدًا عن لهيب الصحراء في الخارج. لكن فجأة، يخترق هذا الهدوء المترف صوتٌ معدني حادّ وغريب، صوت لم يألفه رواد المكان من قبل. صافرة إنذار. أما السيدة السعودية الواقفة وسط أكياس الماركات العالمية الفاخرة، فتجد نفسها في لحظة غير مسبوقة من الارتباك والعجز. لم تسمع من قبل صوت صفارة إنذار، ولا تعرف أين يمكن أن تجد ملجأً قريبًا، فمفهوم "الغرفة المحصّنة" ليس مألوفًا في حياتها اليومية. وفي خضم هذا المشهد المربك، تتزاحم الأسئلة في ذهنها: هل أهرب؟ وإلى أين؟ وهل ما يحدث مجرد خلل فني عابر، أم أن التهديد الإيراني الذي بدا بعيدًا لسنوات أصبح حقيقة ماثلة أمامها اليوم؟ "وتقول الدكتورة ميخال يعري، الباحثة في شؤون دول الخليج العربية بجامعة بن غوريون، إن ما حدث ولّد شعورًا عميقًا بالهشاشة لدى شعوب الخليج. وتضيف: "لم تكن مجرد لحظة خوف عابرة، بل لحظة انهيار للمسلمات التي حكمت وعي المنطقة لعقود. فالمواطن في الكويت أو البحرين أو قطر أدرك فجأة أن بلاده ليست بمنأى عن الخطر، وأن إيران ليست تهديدًا نظريًا أو بعيدًا، بل مصدر تهديد مباشر. والأكثر إيلامًا أنه اكتشف أن الثروة الضخمة والعلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة لا توفر بالضرورة شعورًا مطلقًا بالأمن أو الحماية". منذ المواجهات الأخيرة مع إيران، تغيّرت نظرة دول الخليج إلى الواقع الإقليمي بصورة عميقة. أما اتفاق وقف إطلاق النار الأخير، الذي جاء بوساطة ومبادرة أميركية، فيُنظر إليه في العواصم الخليجية على نحو مشابه للنظرة السائدة في إسرائيل؛ إذ يُعتبر اتفاقًا محدود الأثر، خفّف حدة التصعيد مؤقتًا، لكنه لم يعالج جذور التهديد، بل أتاح لإيران أن تخرج أكثر رسوخًا وثقة بالنفس وجرأة في تحركاتها الإقليمية. وتشير يعري إلى أن دول الخليج انتهجت منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979 سياسة تقوم على الحفاظ على الاستقرار بأي ثمن. فمع صعود آية الله الخميني إلى السلطة، أدركت العواصم الخليجية أنها تواجه نظامًا جديدًا يحمل رؤية ثورية مختلفة ويُنظر إليه باعتباره مصدر تهديد محتمل. وتضيف أن التفوق الاستراتيجي الإيراني دفع دول الخليج إلى اعتماد سياسة التهدئة والاسترضاء، انطلاقًا من قناعة بأن الاستقرار هو الركيزة الأساسية لازدهار اقتصاداتها وجذب الاستثمارات والسياح. ومن هذا المنطلق، سعت هذه الدول إلى تجنب أي مواجهة مباشرة مع طهران، والعمل على تقليص دوافعها للتصعيد أو الاستهداف. إلى جانب سياسة استرضاء إيران، راهنت دول الخليج على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة باعتبارها خط الدفاع الثاني. فخلال العقود الماضية، استثمرت هذه الدول تريليونات الدولارات في الاقتصاد الأميركي وصفقات التسلح الضخمة، واستضافت قواعد عسكرية أميركية على أراضيها. وكان الاعتقاد السائد أن هذه العلاقة الوثيقة ستضمن تدخّل واشنطن لحمايتها في حال قررت إيران التصعيد أو تجاوز الخطوط الحمراء، بحيث يكون "العم سام" الضامن النهائي لأمن الخليج واستقراره. وترى يعري أن الحرب الأخيرة كشفت حدود النموذج الأمني الذي اعتمدته دول الخليج لعقود. وتقول إن الإنفاق الهائل على التسلح والتكنولوجيا العسكرية لم يتحول بالضرورة إلى قدرة قتالية أو عقيدة عسكرية قادرة على مواجهة التحديات الكبرى. وتشير إلى أن هذا الواقع ظهر بوضوح خلال الغزو العراقي للكويت عام 1991، حين أدركت القيادة السعودية أن الحماية الفعلية لن تأتي من جيوش المنطقة، بل من التدخل الأميركي المباشر. كما تكرر المشهد، بحسب رأيها، في الحرب اليمنية، حيث لم تتمكن السعودية من تحقيق أهدافها رغم ما تمتلكه من قدرات وتسليح متطور. وتخلص إلى أن هذه التجارب دفعت دول الخليج إلى مواجهة حقيقة صعبة، مفادها أن امتلاك السلاح لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة أو الرغبة في خوض حرب طويلة ومكلفة. غير أن نقطة التحول الأكثر أهمية وربما الأكثر إيلامًا في هذه القصة جاءت قبل سنوات من الحرب الحالية. ففي عام 2017، اختار ولي العهد السعودي محمد بن سلمان التخلي عن سياسة التهدئة التقليدية تجاه إيران، متجهًا نحو خطاب أكثر صراحة وحزمًا في مواجهتها. وقد تجسد هذا التحول بوضوح في مقابلة مع برنامج "60 دقيقة"، وصف خلالها المرشد الإيراني علي خامنئي بأنه "هتلر الجديد في الشرق الأوسط"، في رسالة أراد من خلالها تنبيه المجتمع الدولي إلى ما اعتبره خطرًا متصاعدًا يستوجب التحرك لاحتوائه قبل أن يتفاقم. غير أن هذا النهج اصطدم بواقع مختلف عام 2019، عندما تعرضت منشآت النفط السعودية في بقيق وخريص لهجوم واسع نُسب إلى إيران، وأدى إلى شل جزء كبير من القدرة الإنتاجية النفطية للمملكة. وتشير يعري إلى أن هذه الحادثة شكّلت نقطة تحول استراتيجية بالنسبة للقيادة السعودية، إذ اكتشفت أن المظلة الأمنية الأميركية ليست بالضرورة مضمونة في كل الظروف. وتقول إن محمد بن سلمان لجأ حينها إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب طلبًا للدعم، إلا أن الرد الأميركي لم يكن بالمستوى الذي كانت الرياض تتوقعه. ومن وجهة نظرها، شكّل ذلك لحظة إدراك حاسمة بأن دول الخليج قد تجد نفسها مضطرة للاعتماد على قدراتها الذاتية أكثر من اعتمادها على الحلفاء الخارجيين. ومن هنا بدأت العودة إلى سياسة التهدئة مع طهران، وصولًا إلى اتفاق استئناف العلاقات بين البلدين عام 2022 برعاية صينية. وتختم بالإشارة إلى أن الحرب الأخيرة أفرزت مشهدًا لافتًا؛ فالسعودية وإيران وجدتا نفسيهما في بعض المواقف العلنية على الجانب نفسه في انتقاد إسرائيل، رغم استمرار الخصومة الاستراتيجية العميقة بينهما بعيدًا عن الأضواء. ومع تصاعد المواجهة الأخيرة، وجدت دول الخليج نفسها أمام اختبار غير مسبوق. فبرغم علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة، فضّلت البقاء خارج أي تحالف عسكري مباشر ضد إيران، خشية أن تتحول أراضيها ومنشآتها الحيوية إلى أهداف للرد الإيراني. وترى يعري أن طهران نجحت في إيصال رسالة ردع قوية إلى العواصم الخليجية، من خلال استهداف مواقع مدنية وحيوية وإظهار قدرتها على الوصول إلى أهداف حساسة. وبحسب تقديرها، فإن هذا الواقع عزز قناعة لدى دول الخليج بأن الانخراط في مواجهة عسكرية مفتوحة قد يعرّضها لخسائر باهظة تفوق بكثير أي مكاسب محتملة، خاصة في ظل محدودية دورها العسكري مقارنة بالقوى الكبرى المشاركة في الصراع. غير أن أجواء الحرب والتوتر التي خيمت على المنطقة أفرزت تحولًا لافتًا. فلعقود طويلة اعتاد الخطاب السائد في أجزاء واسعة من العالم العربي النظر إلى إيران وإسرائيل بوصفهما خصمين متوازيين في مستوى التهديد والعداء. إلا أن الحرب الأخيرة أعادت خلط الأوراق، وأحدثت تغييرًا في هذا التصنيف التقليدي، ما دفع كثيرين إلى إعادة تقييم مصادر التهديد وأولويات الصراع في المنطقة. وترى يعري أن الحرب الأخيرة دفعت قطاعات من الرأي العام العربي إلى إعادة طرح أسئلة كانت تُناقش سابقًا بعيدًا عن الأضواء. وتقول: "بدأ يتردد في النقاش العام سؤال جوهري: هل ما زال من الممكن النظر إلى إسرائيل وإيران باعتبارهما مصدرَي تهديد متساويين؟" وتضيف أن التجربة الأخيرة عززت لدى بعض الأوساط شعورًا بأن الخطر الإيراني أكثر مباشرة بالنسبة لدول المنطقة، في حين أن إسرائيل لا تُنظر إليها في هذا السياق كطرف يهدد هذه الدول بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة. ومن هذا المنطلق، ترى أن هناك من بات يعتبر إسرائيل شريكًا محتملاً في مواجهة النفوذ الإيراني، استنادًا إلى ما تمتلكه من قدرات عسكرية وخبرة في التعامل مع هذا التهديد، وإلى كونها هي الأخرى تتعرض لهجمات تنسبها إلى إيران وحلفائها. وترى يعري أن التحولات التي أفرزتها الحرب الأخيرة لم تقتصر على دول الخليج، بل امتدت إلى ساحات أخرى في العالم العربي، بما في ذلك دول لا تزال تفرض قيودًا قانونية أو سياسية صارمة على أي شكل من أشكال التواصل مع إسرائيل، مثل الكويت ولبنان. وتشير إلى أن تصاعد الانتقادات الداخلية لتبعات الحروب والصراعات الإقليمية، كما ظهر في تصريحات مسؤولين لبنانيين، يعكس تنامي الرغبة لدى قطاعات من الجمهور في تجنب المزيد من المواجهات. وتخلص إلى أن إسرائيل ستظل بالنسبة لكثيرين طرفًا مرفوضًا أو مثيرًا للجدل في المنطقة، إلا أن الحرب الأخيرة دفعت بعض الأوساط إلى إعادة النظر في ترتيب مصادر التهديد، وإلى اعتبار إيران تحديًا أكثر إلحاحًا بالنسبة لأمن عدد من الدول العربية. وترى يعري أن الأولويات الأمنية في المنطقة تفسر سبب عدم تحول التقارب غير المعلن إلى تطبيع رسمي كامل حتى الآن. وتنقل عن جنرال سعودي تشبيهًا لافتًا، شبّه فيه القضية الفلسطينية بمقبض باب مكسور يحتاج إلى إصلاح، لكنه لا يمنع المنزل من مواصلة العمل. في المقابل، شبّه إيران بشخص يقف خارج المنزل ممسكًا بعود ثقاب ويهدد بإحراقه في أي لحظة. ووفق هذا المنطق، فإن الخطر الآني والمباشر يحظى بالأولوية القصوى، بينما تبقى القضايا الأخرى، مهما كانت أهميتها، مؤجلة إلى حين التعامل مع التهديد الأكثر إلحاحًا. وترى يعري أن اتفاقيات أبراهام عام 2020 قامت على فرضية مفادها أن المصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة يمكن أن تتقدم على القضية الفلسطينية، وأن دول المنطقة قادرة على بناء شراكات جديدة دون انتظار حل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. غير أن هجوم السابع من أكتوبر والحرب التي تلته أعادا القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد الإقليمي. وتقول يعري إن دول الخليج أدركت أن استمرار الصراع ينعكس مباشرة على استقرار المنطقة ومناخها الاقتصادي والسياسي، وأن أي مشروع إقليمي طويل الأمد لن يكون مستدامًا من دون معالجة هذا الملف. وبحسب هذا التقدير، فإن الرغبة في تعزيز العلاقات مع إسرائيل ما زالت قائمة لدى بعض العواصم الخليجية، لكنها باتت مرتبطة أكثر من أي وقت مضى بإحراز تقدم ملموس في المسار الفلسطيني، باعتباره شرطًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار الدائم الذي تنشده المنطقة.
فرصة تلوح في الأفق وترى يعري أن نتائج الحرب الأخيرة لا تقتصر على تداعياتها العسكرية والأمنية، بل تحمل أيضًا أبعادًا سياسية ودبلوماسية بعيدة المدى. فبحسب تقديرها، لم تتمكن الولايات المتحدة من بلوغ جميع الأهداف التي سعت إليها، في حين واصلت إيران التعامل مع الصراع باعتباره قضية وجودية تمس أمنها ومستقبل نظامها. وتضيف أن القيود السياسية والقانونية التي تحكم عمل واشنطن تختلف جذريًا عن طبيعة النظام الإيراني وأسلوب عمله، الأمر الذي يؤثر على قدرة كل طرف في إدارة الصراع. وفي الوقت ذاته، تشير إلى أن استمرار الأزمات الإقليمية، بما في ذلك تداعيات النزوح واللجوء من لبنان، يزيد من تعقيد المشهد ويضع المنطقة أمام تحديات جديدة قد تتجاوز حدود الصراع المباشر نفسه.
فرصة إقليمية أم فرصة ضائعة؟ وتعتقد يعري أن التحولات التي شهدتها المنطقة تفتح الباب أمام بناء تفاهمات جديدة تستند إلى المصالح المشتركة، خصوصًا في ملفات مثل لبنان وسوريا. فبحسب رأيها، تتقاطع مصالح إسرائيل وعدد من الدول العربية في الرغبة برؤية لبنان أكثر استقرارًا وأقل خضوعًا لنفوذ حزب الله، وهو ما يخلق أرضية مشتركة لم تكن متاحة في السابق. غير أنها تحذر في الوقت ذاته من أن طريقة إدارة إسرائيل لهذه المرحلة ستكون عاملًا حاسمًا في تحديد مستقبل هذه الفرصة. وتوضح أن الصورة التي كانت سائدة عن إسرائيل قبل سنوات باعتبارها قوة اقتصادية وعسكرية مستقرة ومزدهرة، تراجعت في نظر بعض دول المنطقة، التي باتت تنظر بقلق إلى سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية وما تعتبره توجهات أيديولوجية مرتبطة بقضايا الاستيطان والصراعات الإقليمية. وتخلص إلى أن المنطقة تقف أمام فرصة سياسية نادرة، لكن نجاحها أو ضياعها سيتوقف على القرارات التي ستُتخذ في المرحلة المقبلة، مضيفة أن بعض الفرص تأتي واضحة إلى درجة أنها تعلن عن نفسها بصوت مرتفع، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على التعرف إليها والاستفادة منها قبل فوات الأوان. |
|
xxxx
xxxx
xxxx |
|
|