| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
|
|
| الموجز |
|
|
هناك مفارقة دقيقة في الطبيعة: إن القوة نفسها التي تمنح الحياة قد تتحول في النهاية إلى القوة التي تنهيها. فالشمس هي التي جعلت الحياة على الأرض ممكنة. طاقتها دفّأت الكوكب، وحافظت على المحيطات في حالتها السائلة، وحرّكت عملية التمثيل الضوئي، وشكّلت الأنظمة المناخية، وسمحت بظهور التعقيد البيولوجي. من دون الشمس، لبقيت الأرض جسماً متجمداً وصامتاً بلا حياة. لكن الشمس ليست أبدية. إنها نجم قائم على الاندماج النووي، يستهلك تدريجياً الهيدروجين في نواته. ومع تقدمه في العمر، سيتغير توازنه الداخلي. سيزداد سطوعه، وستتمدّد طبقاته الخارجية في نهاية المطاف، ويدخل مرحلة العملاق الأحمر. وقبل وقت طويل من هذا التحول النهائي، ستصبح الأرض غير صالحة للحياة. ستتبخر المحيطات، ويتغير الغلاف الجوي، ويتحول السطح الذي حمل الحياة يوماً إلى بيئة معادية لها. وبعد ذلك، ستبتلع الشمس عطارد والزهرة، وربما الأرض أيضاً. إن الضوء نفسه الذي افتتح قصة الحياة سيغلق فصلها الأخير ذات يوم. هذه العملية الفلكية تقدم استعارة سياسية قوية. فالإمبراطوريات كثيراً ما تعمل كالشمس. إنها تولّد القوة، والحماية، والمال، والسلاح، والأسواق، والشرعية، والدفء الأيديولوجي للدول التي تدور في فلكها. وقد تبدو هذه الدول التابعة قوية، مستقلة، ومكتفية بذاتها. قد تطور جيوشاً، ومؤسسات، واقتصادات، وأساطير وطنية. لكن كثيراً من قوتها يكون منعكساً لا ذاتياً. وسيادتها الظاهرة تعتمد على حقل الجاذبية الذي تصنعه الإمبراطورية التي تبقيها قائمة. إسرائيل واحدة من أوضح الأمثلة الحديثة على هذا البناء. فعلى مدى ثمانية وسبعين عاماً، قدّمت نفسها كقوة إقليمية ذات سيادة: دولة قادرة على الضرب في أي مكان، والعمل منفردة، وفرض إرادتها الاستراتيجية على الشرق الأوسط. لكن تفوقها العسكري، وحصانتها الدبلوماسية، ونجاحها الاقتصادي، ظلّت جميعها متجذرة بعمق في النظام الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة. يعتمد جيشها بدرجة كبيرة على السلاح الأمريكي، والتمويل، والتعاون الاستخباراتي، والحماية الاستراتيجية. واعتمدت دبلوماسيتها مراراً على المظلة الأمريكية في المؤسسات الدولية. أما اقتصادها، ولا سيما قطاع التكنولوجيا الفائقة الذي يُحتفى به كثيراً، فهو مرتبط بصورة وثيقة بالاستثمار الغربي، والأسواق الغربية، وعمليات الاستحواذ الغربية، والاعتراف الغربي. هنا تكمن المفارقة المركزية: إسرائيل قوية لأنها تابعة. غالباً ما يُقدَّم قطاع التكنولوجيا الفائقة فيها كدليل على عبقرية وطنية استثنائية، لكنه في الواقع يعمل داخل منظومة إمبراطورية أوسع. رأس المال يتدفق من الغرب. المنتجات تُباع مجدداً للأسواق الغربية. الشركات الناشئة تستحوذ عليها شركات غربية. وتقنيات الدفاع، والسيبرانية، والمراقبة، والطب، والزراعة، تُطوَّر داخل مختبر جيوسياسي محمي، ثم تُصدَّر إلى النظام العالمي نفسه الذي أتاح لها النمو. الإمبراطورية تموّل البؤرة المتقدمة؛ والبؤرة تنتج أدوات مفيدة للإمبراطورية؛ ثم تعود الإمبراطورية فتشتري، أو تستوعب، أو تمنح الشرعية لنتائج استثمارها الاستراتيجي. هذا لا يعني أن إسرائيل بلا فاعلية. لقد اتخذت قراراتها الخاصة، ولاحقت طموحاتها الخاصة، وأنتجت أيديولوجيتها الخاصة في الهيمنة. وهي مسؤولة عن سياساتها، واحتلالها، وحروبها، وعنفها. لكن الفاعلية ليست هي السيادة. يمكن للوكيل أن يكون عدوانياً، وللدولة الحدودية أن تكون عنيفة، وللقمر التابع أن يمتلك انتخابات، ووزراء، وجنرالات، وجامعات، وشركات، وأعلاماً، ومع ذلك يبقى عاملاً داخل حدود يرسمها المركز الإمبراطوري. لقد كشفت المواجهات الأخيرة مع إيران هذه الحدود بوضوح غير مألوف. حاولت إسرائيل أن تقدم نفسها كمهندسة لشرق أوسط جديد: دولة قادرة على إضعاف إيران، وإعادة تشكيل لبنان، وتأديب الفاعلين الإقليميين، وإجبار المنطقة على الدخول في النظام الأمني الذي تريده. لكن عندما وصلت المواجهة إلى مستوى المصالح الاستراتيجية الأمريكية الجوهرية، ضاقت حرية إسرائيل في الحركة. كان على واشنطن أن تحسب مسارات النفط، والأسواق العالمية، والإرهاق العسكري، والضغوط الداخلية، واحتمالات التصعيد الإقليمي، وحلفاءها العرب، والخطر الأوسع لحرب لا يمكن السيطرة عليها. كان بإمكان الولايات المتحدة أن تواصل تسليح إسرائيل والدفاع عنها، من دون أن تسلّم أفقها الاستراتيجي للنزعة الإسرائيلية القصوى. وقد ظهر المنطق نفسه في لبنان. تحدّث المتشددون الإسرائيليون بلغة القوة الدائمة، وتوسيع الاحتلال، ورفض الانسحاب. لكن الحسابات الأمريكية كانت أوسع من الرغبات الإسرائيلية. كان على واشنطن أن تدير إيران، وحزب الله، والاستقرار الإقليمي، والتجارة العالمية، واحتمال التصعيد الأوسع. كانت اعتراضات إسرائيل عالية الصوت، لكنها لم تكن بالضرورة هي التي تحدد النتيجة. وحتى الحلقات المرتبطة بسياسيين إسرائيليين متطرفين، بما في ذلك ما ورد عن صعوبات واجهت سفر إيتمار بن غفير إلى الولايات المتحدة، رمّزت إلى حقيقة أوسع: تستطيع الإمبراطورية أن تحمي إسرائيل كدولة، وفي الوقت نفسه أن تؤدب أو تبتعد عن شخصيات تراها مزعجة أو غير مفيدة استراتيجياً. لهذا فإن القلق الحالي داخل إسرائيل لا يتعلق فقط بإيران أو لبنان أو غزة. إنه يتعلق بالتبعية نفسها. ماذا يحدث عندما تكتشف دولة بنت هويتها على أسطورة التفوق الدائم أن موقعها قائم على إمبراطورية قد تتغير أولوياتها؟ ماذا يحدث عندما تدرك الدولة المحمية أنها ليست المؤلف الوحيد للسيناريو الإقليمي، بل إحدى أدواته؟ وماذا يحدث عندما لا تعود القوة العسكرية قادرة على إخفاء الاعتماد البنيوي على المال الخارجي، والسلاح الخارجي، والأسواق الخارجية، والغطاء الدبلوماسي الخارجي؟ البعد الجيلي يعمّق هذه الأزمة. هناك جيل جديد يشاهد من دون الفلاتر الإمبراطورية القديمة. جيل زد (جيل ما بين ١٩٩٧ و٢٠١٢) لا يرث بالضرورة قاموس الحرب الباردة، أو براءة الغرب المزعومة، أو الاستثنائية الإسرائيلية. إنه يرى مدناً مدمرة، وعائلات مهجّرة، وأطفالاً جائعين، ومستشفيات تنهار، وحروباً تُوصَف بلغة الأمن. إنه يرى الآلة خلف الخطاب. لم تعد الأسطورة محمية بالمسافة؛ لقد أصبحت مكشوفة في الزمن الحقيقي. منحت الشمس الأرض الحياة، لكن ضوءها سيتحول ذات يوم إلى نار. ومنحت أمريكا إسرائيل القوة، والحماية، ووهم الديمومة. غير أن الضوء الإمبراطوري نفسه يكشف الآن التبعية، والخوف، والهشاشة الكامنة تحت أسطورة السيادة. بعد ثمانية وسبعين عاماً، لم تتحرر إسرائيل من التبعية. لقد أتقنتها. ومثل كل قمر تابع يخلط بين الضوء المنعكس وشمسه الخاصة، تواجه الآن سؤالاً بالغ الاضطراب: ماذا يبقى حين يبدأ مصدر ذلك الضوء بالتغيّر؟ |
|
|
| ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة، عن رأي الموقع |
|
|