| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
|
|
| الموجز |
|
|
شهدت الأيام الأخيرة، على ما يبدو، تراجع خيار إعادة تشكيل القائمة المشتركة بصيغتها الرباعية وخروجه من جدول الأعمال السياسي، على الأقل في هذه المرحلة. أكتب ما يلي وفق أفضل فهمي للحظة السياسية الراهنة، وبعد متابعة وقراءة لمواقف الأطراف المختلفة، وبوصفي باحثاً في سياسات الأقليات القومية. لا أدّعي امتلاك أجوبة نهائية، بل أحاول المساهمة في نقاش أراه ضرورياً في هذه المرحلة. وأعتذر سلفاً عن طول هذا النص، لكن طبيعة اللحظة وتعقيد الأسئلة المطروحة لا يسمحان دائماً بالاختصار الذي نرغب فيه. لنبدأ بملاحظة منهجية أعتقد أن الحديث عن الفاعلين السياسيين، وخاصة حين نتحدث عن فاعلين من داخل مجتمعنا الفلسطيني في إسرائيل، يجب أن يكون مشوباً دائماً بما أسميه "التعاطف السياسي (Political Empathy) ". والتعاطف السياسي لا يعني تعليق الحكم النقدي، ولا الإعفاء من المساءلة أو التقييم، بل يعني محاولة فهم الموقع الاجتماعي والسياسي الذي يتحرك منه كل فاعل، وفهم الفرص والقيود التي يراها أمامه كما يراها هو. وفي هذا السياق تذكّرنا تجربة أيرلندا الشمالية أيضاً بأهمية ما يُسمّى أحياناً "السخاء السياسي (Political Generosity): " أي القدرة على قراءة الخصم، ناهيك عن الشريك السياسي أو ابن مجموعتك الوطنية التي تجمعك به وحدة مصير، من داخل شروطه وقيوده ومخاوفه، لا من داخل رغباتنا نحن أو توقعاتنا منه. أقول ذلك لأن النقاش بين الفلسطينيين اليوم يحتاج إلى كثير من النقد، لكنه يحتاج أيضاً إلى قدر من الفهم والتواضع والسخاء السياسي. الخطيئة الأصلية: إعادة بناء المشتركة بمنطق الأحزاب أما النقطة الأولى فتتعلق بما أراه الخطيئة الأصلية في مسار المشتركة. في تقديري، المشكلة لم تكن فقط في فشل إعادة تشكيلها – كما يبدو حتى هذه اللحظة – بل في محاولة إعادة تشكيلها أصلاً بمنطق الأحزاب القائمة. فإذا كنا متفقين – وأرجو أننا متفقون – على أننا نعيش لحظة تحمل مخاطر وجودية حقيقية ومباشرة لفلسطينيي الداخل، فإن المنطق كان يقتضي أن يبدأ النقاش من تعليق المنطق الحزبي لا من إعادة إنتاجه. كان المطلوب، في رأيي، تعليق المنطق الحزبي لا تعليق التعددية السياسية. كان يمكن أن تبقى التيارات الفكرية والسياسية المختلفة، لكن ليس بالضرورة بصيغها الحزبية التقليدية، ولا بالمنطق الحزبي الذي يطغى – أو على الأقل يؤثر بصورة مفرطة – على أي منطق آخر. فلا مكان لمنطق الأحزاب عندما تكون الجماعة نفسها أمام تحديات بهذا الحجم. يصبح السؤال عندها: كيف نحافظ على المجتمع وقدرته على الصمود والفعل الجماعي؟ لا كيف نحافظ على توازنات الأحزاب ومواقعها. هذا لم يحدث. ومن المهم أن نستخلص منه درساً للمستقبل القريب، وربما للمستقبل الفوري، لا أن نحوله إلى مجرد بكاء على حليب مسكوب. نحو إعادة تعريف النقاش السياسي أنطلق هنا من افتراض أن منصور عباس وحركته قد حسما خيارهما بعدم العودة إلى المشتركة، حتى بعد أن وافقت الأطراف الأخرى على صيغة "القائمة التقنية". وأعرف أن هذه ليست الصيغة المثلى، لكنها مع ذلك تعبّر عن فكرة لا يجوز التقليل من أهميتها: إعطاء الأولوية لوحدة المصير والتمثيل قبل الاتفاق الكامل على الأجندة السياسية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن على الأطراف الثلاثة المتبقية ليس كيف تشرح فشل المشتركة، بل كيف تعرّف مشروعها السياسي بعد المشتركة، وبأي معنى يختلف هذا المشروع عن المقاربة التي يتبناها منصور عباس اليوم. دعونا نأخذ خطوة إلى الوراء وننظر إلى الصورة من الأعلى. في السنوات الأخيرة تبلورت ثلاث مقاربات سياسية أساسية. الأولى رأت أنه لا فرق جوهرياً بين اليمين واليسار الصهيونيين، ولذلك يمكن العمل مع الطرفين. الثانية قبلت فرضية عدم وجود فرق جوهري، لكنها رأت أنه لا ينبغي العمل مع أي منهما. أما الثالثة فاعتبرت أن هناك فرقاً يحدث فرقاً، ولذلك ينبغي الاستثمار في معسكر الوسط واليسار. وأعتقد أنكم تفهمون جيداً من تبنّى كل واحدة من هذه المقاربات. اليوم يبدو أن عباس انتقل عملياً إلى مقاربة تعتبر أن المهم هو الاصطفاف مع كل ما هو "ليس نتنياهو"، أي ما يشبه المعسكر الرّاكّز على شعار "فقط ليس بيبي" داخل السياسة اليهودية الإسرائيلية ("المعسكر الريلبستي"). لكن ما زال غير واضح ما الذي تتبناه الأطراف الأخرى تحديداً. فإذا كان هدفها الرئيسي هو أيضاً إسقاط نظام نتنياهو، فما الفارق السياسي الجوهري بينها وبين عباس؟ بل قد يكون عباس أكثر فاعلية في هذا المجال تحديداً، وفق نظرية التغيير التي يتبناها. إسقاط نظام نتنياهو: شرط ضروري لكنه غير كافٍ في رأيي، أول مرتكز لأي برنامج سياسي جدي يجب أن يكون العمل على إسقاط نظام نتنياهو. أقول ذلك بوضوح ومن دون تردد. لكن إسقاط نظام نتنياهو هو شرط ضروري لأي نظرية تغيير جدية، وليس نظرية تغيير بحد ذاته. كما أنه ليس كافياً بحد ذاته، ولا يجوز تقديمه وكأنه الهدف النهائي أو الإنجاز المكتمل. صحيح أن البديل المطروح اليوم لا يخرج عن إطار اليمين، لكنه يختلف عن اليمين الحاكم. فالفارق بين الواقع القائم والبديل الممكن هو الفارق بين يمين كولونيالي–ثوري، يدفع نحو إعادة صياغة النظام من خلال الضم واستدامة الحرب، وبين يمين إثنوقراطي محافظ، يسعى أساساً إلى الحفاظ على النظام القائم وامتيازاته. وهذا البديل لا يحل المشكلة، لكنه قد يخفف من خطورتها ويحدّ من اندفاعاتها الأكثر تدميراً. لكن السؤال الحقيقي هو كيف نمنع إسقاط نظام نتنياهو من أن يتحول إلى نظرية التغيير نفسها. فإسقاطه شرط ضروري، لكنه ليس مشروعاً سياسياً. والتحدي هو أن نربطه بنظرية تغيير أوسع تحدد ما الذي نريد تحقيقه بعد ذلك، وكيف نعيد بناء الفاعلية السياسية الفلسطينية الجماعية في الداخل. إعادة تسييس المجتمع الفلسطيني هنا أصل إلى المرتكز الثاني. في تقديري، نحن بحاجة إلى إعادة تسييس المجتمع العربي الفلسطيني، لا فقط إلى إعادة تنظيمه انتخابياً. السياسة يجب أن تعود إلى الناس. يجب أن تصبح جزءاً من الحياة اليومية، لا موسماً انتخابياً عابراً. لا يعقل أن تكون السياسة اليوم غائبة إلى هذا الحد عن الحياة اليومية لمعظم المواطنين العرب الفلسطينيين. فعندما تصبح السياسة شيئاً بعيداً، معقداً، بارداً، أو عديم الجدوى في نظر الناس، يملأ الفراغ شيء آخر. يملؤه الاستهلاك. وتملؤه الفردانية المفرطة. ويتآكل التضامن الداخلي. وتتحول القضايا العامة إلى شؤون خاصة. ولا يؤدي ذلك إلى تحسين أوضاع الناس، بل إلى إضعاف المجتمع نفسه. فالأجندة الوطنية ليست ترفاً فكرياً ولا هواية أيديولوجية للنخب. إنها الحاضنة الأخلاقية والعاطفية والسياسية التي تمنح المجتمع المعنى والاتجاه والقدرة على الصمود. وهي أيضاً اللغة التي نحول من خلالها الخوف إلى معنى، والتجربة إلى وعي، والحاجة إلى مشروع سياسي. تعميق الأزمة بصورة منتجة أما المرتكز الثالث، والأقل حضوراً بصورة تكاد تكون فاضحة في نقاشاتنا السياسية، فيتعلق بما أسميه "تعميق الأزمة بصورة منتجة". لا أقصد بذلك الفوضى. ولا أدعو إلى منطق "كلما ساءت الأمور كان ذلك أفضل. " كما أنني لا أتحدث من موقع من يعتقد أن هذه السفينة ليست سفينته. على العكس تماماً. نحن على السفينة نفسها، بل وربما في الغرف التي ستغمرها المياه أولاً إذا استمر الغرق. ما أقصده هو تطوير استراتيجية واعية تستثمر الأزمة التاريخية التي يعيشها النظام الإسرائيلي من أجل الدفع نحو تحول سياسي عميق وتاريخي وغير مسبوق. فمن غير المعقول أن نعيش لحظة تترافق مع تحولات كبرى في موازين القوى الدولية، وتغيرات داخل الولايات المتحدة نفسها، وتحولات جيواستراتيجية عميقة في المنطقة والعالم، ثم لا تجد هذه التحولات أي حضور تقريباً في نظريات التغيير التي نطرحها. هذه التحولات ليست خفية ولا مفاجئة. إنها جارية أمام أعين الجميع. والناس يشعرون بها ويفهمونها بحدسهم السياسي والاجتماعي. لكن خطابنا السياسي ما زال متأخراً عنها في كثير من الأحيان. درس صغير من أيرلندا الشمالية قبل أسبوع فقط عدت من زيارة قصيرة إلى أيرلندا الشمالية. سمعت الكثير وتعلمت الكثير. ولا أقصد بالطبع تسطيح التجربة الإيرلندية أو إسقاطها ميكانيكياً على الحالة الفلسطينية. لكن جملة واحدة بقيت ترنّ في أذني. قال لي أحد المنخرطين سابقاً في صفوف الجيش الجمهوري الإيرلندي: "كان لدينا لوبي إيرلندي قوي داخل الإمبراطورية الأمريكية." لم يكن يقصد أن هذا العامل وحده صنع التحول. لكنه كان يقصد أن من الصعب فهم التحول الإيرلندي من دون فهم العلاقة بين السياسة المحلية وامتداداتها الدولية. وأعتقد أن في ذلك درساً فلسطينياً مهماً. فلا يمكن فهم سياسة فلسطينيي الداخل بمعزل عن السياسة الفلسطينية في الأراضي المحتلة، ولا عن السياسة الفلسطينية في الشتات، ولا عن الحضور الفلسطيني وحلفائه في الولايات المتحدة. إنها حلقات مختلفة في ساحة سياسية واحدة. من هم الشركاء المحتملون؟ وهذا يقودني إلى المرتكز الأخير. إن العمل على تعميق أزمة النظام الإسرائيلي بصورة منتجة لا يمكن أن يكون مشروعاً فلسطينياً فقط. بل ينبغي أن يكون مشروعاً فلسطينياً–يهودياً مشتركاً، بقيادة فلسطينية واضحة. وهذا أحد أهم الدروس التي تعلمناها من تجارب مشابهة في التاريخ. وأقدّر، وفق تقدير متحفظ، أن ما يقارب نصف مليون يهودي إسرائيلي يمكن أن يكونوا شركاء محتملين في مشروع من هذا النوع، ويضاف إلى ذلك قطاعات واسعة من اليهود الليبراليين في الولايات المتحدة. لكن ذلك يتطلب عملاً سريعاً وجاداً لرسم خريطة دقيقة لهذه الإمكانات وتحويلها إلى شراكات سياسية فعلية. والمطلوب، في رأيي، بناء جزر شراكة سياسية صغيرة نسبياً لكنها متينة ومؤثرة وعابرة للحدود، تمتلك امتدادات داخل إسرائيل وخارجها في آن واحد. كلمة أخيرة إذا أردت أن ألخص الفكرة كلها في جملة واحدة، فهي أن المطلوب ليس فقط إسقاط نظام نتنياهو، بل بناء نظرية تغيير أوسع تقوم على ثلاثة مرتكزات مترابطة: أولاً، إسقاط نظام نتنياهو بوصفه شرطاً ضرورياً لكنه غير كافٍ. ثانياً، إعادة تسيس المجتمع العربي الفلسطيني وإعادة السياسة إلى الناس. وثالثاً، تطوير استراتيجية واعية لتعميق أزمة النظام الإسرائيلي بصورة منتجة، بما يفتح أفقاً لتحول سياسي أعمق، يساهم أولاً في حماية الجماعة الوطنية العربية الفلسطينية وتعزيز قدرتها على الصمود والفعل، وثانياً في إنقاذ المجتمع اليهودي الإسرائيلي من حالة الضمور الأخلاقي الخطير التي يدفعه إليها المشروع الكولونيالي–الثوري القائم على الاستيطان، وفرط العسكرة، العقلية الإبادية والحرب الدائمة. وكل ذلك من خلال بناء تحالفات نوعية داخل إسرائيل وخارجها، ولا سيما داخل السياسة الأمريكية وفضاء الإمبراطورية الأمريكية، حيث تتشكل اليوم بعض أهم موازين القوى المؤثرة في مستقبل المنطقة. وربما يكون هذا، في نهاية المطاف، أحد الفروق الجوهرية بين هذه المقاربة وبين السياسة التي يمثلها منصور عباس اليوم. وأقول ذلك. كما بدأت هذا النص، انطلاقاً من التعاطف السياسي بمعناه الحقيقي. |
|
|
| ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة، عن رأي الموقع |
|
|