xxxxxxxxxxxx xxxxxxxxxxxx
إيران تطلق صواريخ على شمال البلاد والإعلان عن إلغاء التعليم والبجروت غداًصافرات إنذار في حيفا والشمالحقوق المرأة بين الخطاب الليبرالي والممارسة الذكوريةزواج القاصرات في المجتمع العربي... أزمة تهدد الحاضر والمستقبلالشمال تحت وطأة النيران: إصابة 4 أشخاص في هجوم بالمسيّرات وتصاعد مستمر لحدة القصف من لبنان الموجز

حين أغلقت الكتاب… وفتحت فلسطين في قلبي

حين أغلقت الكتاب… وفتحت فلسطين في قلبي

بقلم : د. فالح سمارة - الطيره
 

قبل نحو خمس سنوات، أغلقت الصفحة الأخيرة من كتاب جذور القضية الفلسطينية للمفكر والمؤرخ الفلسطيني إميل توما. لكن الكتاب لم يغلق داخلي.

بقيت صفحاته مفتوحة في ذهني، وظلت أسئلته تتردد في أعماقي أيامًا طويلة. لم أخرج منه محمّلًا بالمعلومات فقط، بل محمّلًا بالدهشة والحزن والغضب والأسئلة. شعرت أنني لا أقرأ تاريخًا مضى، بل أقرأ فصولًا من حياتنا نحن، وأقرأ كيف تحولت أرض كانت تنبض بالحياة إلى واحدة من أكثر قضايا العالم وجعًا وتعقيدًا.

ومن رحم تلك القراءة ولدت هذه الخواطر.

لا كدراسة تاريخية، ولا كمقال سياسي، بل كتأمل إنساني وفلسطيني في رحلة وطن ما زال يسكن أبناءه، حتى بعد أن فرقتهم الحدود والمنافي والحروب.

كلما تعمقت أكثر في قراءة تاريخ هذه البلاد، شعرت أنني لا أقرأ صفحات في كتاب، بل أقرأ وجوه أجدادي، وأسمع أصوات الذين مروا من هنا وتركوا على الحجارة بصماتهم، وعلى التراب أسماءهم، وفي الذاكرة حكاياتهم.

اكتشفت أن فلسطين لم تكن مجرد قطعة أرض تنازع عليها الطامعون، بل كانت حياة كاملة تنبض فوق هذه الأرض قبل أن تتحول إلى قضية سياسية، وقبل أن تصبح عنوانًا للصراع في العالم.

كانت هناك شعوب وإمبراطوريات ترسم الخرائط بالقلم والمسطرة، بينما كان أهل هذه البلاد يرسمون حياتهم بأشجار الزيتون والبرتقال والتين واللوز.

كانوا يقيسون الزمن بمواسم الحصاد، لا بمؤتمرات الساسة.

ويعرفون الأرض بأسمائها الحقيقية، لا بالأسماء التي يكتبها الغرباء على الخرائط.

وفي العواصم البعيدة، خلف الجدران السميكة والقصور المغلقة، كانت فلسطين تتحول إلى مشروع سياسي وفكرة استعمارية ومادة للتفاوض بين الدول الكبرى.

أما هنا، فكانت فلسطين أمًا توقظ أبناءها مع الفجر.

وفلاحًا يعود متعبًا من حقله.

وطفلًا يركض بين البيارات.

وعروسًا تنتظر ليلة زفافها.

وامرأة تخبز على الصاج وتحلم بمستقبل أبنائها.

هنا يكمن الفرق بين من رأى فلسطين موقعًا استراتيجيًا على الخريطة، ومن رآها وطنًا لا يُختصر بخطوط وحدود.

وحين أقرأ اليوم تلك الوثائق القديمة، أشعر أحيانًا بمرارة لا توصف.

ليس فقط لأن المؤامرات كانت كبيرة، بل لأن أصحاب الأرض لم يكونوا يعلمون أن مصيرهم يناقش في غرف لم يدخلوها يومًا، وأن مستقبل أبنائهم يرسم على طاولات لم يجلسوا حولها، وأن وطنهم أصبح مادة للمساومات بين قوى لا تعرف أسماء قراهم، ولا رائحة ترابهم، ولا طعم خبز أمهاتهم.

ومع ذلك، فإن أكثر ما يدهشني في هذه الحكاية ليس حجم الظلم، بل حجم الصمود. كيف بقي هذا الشعب واقفًا رغم كل ما مر عليه؟

كيف بقيت القرى حية في الذاكرة بعد أن مُسحت من الخرائط؟

كيف بقيت أسماء اللجون وصفورية وإجزم ومسكة والطنطورة وعشرات القرى الأخرى تنتقل من جد إلى حفيد كأنها وصية مقدسة؟

كيف استطاعت أم فلسطينية أن تحتفظ بمفتاح بيتها عشرات السنين وهي تعرف أن العمر قد لا يكفي للعودة؟

وكيف استطاع الفلسطيني في الداخل، رغم الحكم العسكري وسياسات التهميش ومحاولات الأسرلة والصهر، أن يتمسك بلغته وهويته وذاكرته وانتمائه؟

أنا واحد من أبناء هذا الجيل.جيل ولد بعد النكبة، لكنه عاش آثارها في كل شيء.

في قصص الآباء.

وفي خوف الأمهات.

وفي حكايات المهجرين.

وفي أسماء القرى التي كانت تُذكر في بيوتنا وكأنها أفراد من العائلة.

نحن الفلسطينيين في الداخل لم نرث الأرض فقط.

ورثنا الذاكرة أيضًا.

ورثنا الحنين.

ورثنا الإصرار على البقاء.

ورثنا شعورًا دائمًا بأن هذه الحكاية ليست قصة الماضي فقط، بل مسؤولية الحاضر أيضًا.

وأما أهلنا في المنافي والشتات، فقد حملوا فلسطين معهم أينما ذهبوا.

في المخيمات.

وفي المدن البعيدة.

وفي حقائب السفر.

وفي الأغاني.

وفي اللهجة.

وفي أسماء الأبناء والأحفاد.

فكانت فلسطين تسافر معهم دون جواز سفر.

وتعبر الحدود دون إذن من أحد.

أحيانًا أشعر أن أعظم معجزة فلسطينية ليست أننا بقينا على هذه الأرض.

بل أننا بقينا أوفياء لها.

فكم من شعوب فقدت أوطانها ثم فقدت ذاكرتها.

أما نحن، فكلما حاولوا إبعادنا عن الحكاية، عدنا إليها أكثر.

في قصيدة.

في أغنية.

في صورة قديمة.

في رائحة زعتر.

في كوفية معلقة على جدار.

في مفتاح صدئ ورثه حفيد عن جده.

وفي دمعة شيخ ما زال يحفظ أسماء الجيران الذين رحلوا قبل سبعة عقود.

لقد تعلمت من قراءة التاريخ أن أخطر ما في المشاريع الاستعمارية أنها لا تبدأ بالبندقية.

بل تبدأ بالفكرة.

تبدأ بخريطة تُرسم.

وباجتماع يُعقد.

وبوعد يُمنح لمن لا يملك على حساب من يملك.

ثم تتحول الفكرة إلى سياسة.

وتتحول السياسة إلى قوة.

وتتحول القوة إلى واقع يحاول أن يقنع العالم بأنه الحقيقة الوحيدة.

لكن الحقيقة أعمق من كل ذلك.

الحقيقة أن الأوطان ليست خرائط فقط.

الأوطان ذاكرة.

والذاكرة لا تُهزم بسهولة.

ولهذا لم تكن القضية الفلسطينية يومًا قضية أرض فقط.

كانت قضية إنسان.

وقضية كرامة.

وقضية شعب رفض أن يتحول إلى هامش في كتاب التاريخ.

وربما لهذا السبب ما زالت فلسطين حية حتى اليوم.

لأن الأوطان قد تموت عندما ينساها أبناؤها.

أما فلسطين، فما زال أبناؤها يحملونها في قلوبهم جيلاً بعد جيل، كوصية لا تسقط بالتقادم، وكحلم لا يشيخ مهما طال الزمن.

وما دام هناك طفل فلسطيني يسأل عن اسم قريته.

وأم تحفظ الحكاية.

وشيخ يروي الذكريات.

وكاتب يكتب.

وشاعر ينشد.

فإن الرواية لم تنتهِ.

وإن الحكاية لم تُغلق.

وإن فلسطين ستبقى أكبر من حدود السياسة وأقوى من محاولات النسيان.

ستبقى الوجع الذي لا يشيخ.

والحنين الذي لا ينطفئ.

والحب الذي يسكن القلب مهما ابتعدت المسافات.

وستبقى، كما كانت دائمًا، وطنًا يعيش في أبنائه بقدر ما يعيشون فيه.

 

ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة،  عن رأي الموقع
للمزيد : أرشيف القسم
 
WhatsApp تابعونا في الوتسأب تابعونا على الواتسأب
× انضم لمجموعة الكرمل عبرالواتساب
احصل على التحديثات والأخبار فورًا عبر واتساب.