| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
|
|
| الموجز |
انتظار عباس... رهان خاسر
|
|
في السياسة، ليست المشكلة دائما في الخصم الواضح، بل في الحليف المتردد. ليست الكارثة دائما في من يقف أمامك، بل في من يقف إلى جانبك بقدم، ويترك القدم الأخرى عند باب السلطة، ينتظر اتجاه الريح، ونتائج الاستطلاعات، ومزاج الشارع اليهودي، وحسابات اليمين واليسار. هذا بالضبط ما أخشاه اليوم من قضية إعادة بناء القائمة المشتركة. هناك من يريد أن يقنعنا أن المشكلة تقنية: ترتيب مقاعد، توزيع مواقع، اتفاق انتخابي، صيغة قانونية، قائمة مشتركة أم قائمة فنية. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. المشكلة ليست تقنية، بل أخلاقية وسياسية ووطنية. المشكلة هي: هل نحن أمام مشروع وطني جماعي، أم أمام مناورة انتخابية مؤقتة هدفها إنقاذ كل طرف لنفسه؟ منصور عباس، في رأيي، لم يعد مجرد شريك مختلف في الرأي. لقد تحول إلى نهج سياسي كامل، وهذا النهج يجب أن يناقش بوضوح، بلا مجاملة وبلا خوف. نهج يقول للجماهير العربية: دعونا نؤجل الأسئلة الوطنية، دعونا لا نغضب الدولة، دعونا لا نزعج الإجماع الصهيوني، دعونا نبحث عن ميزانيات هنا وهناك، حتى لو كان الثمن إضعاف الموقف الجماعي لشعبنا. وهنا يبدأ الخطر. نحن لسنا مجرد أقلية تبحث عن خدمات بلدية. نحن شعب عربي فلسطيني في الداخل، نعيش قضايا مركبة: الأرض، البيت، العنف، الفقر، التمييز، الهوية، الكرامة، الانتماء، المواطنة الناقصة، وهجمة اليمين الفاشي. لذلك لا يجوز اختزال قضيتنا في ميزانية أو شارع أو مركز جماهيري. نعم، نحن نريد الميزانيات. نعم، نريد الحقوق اليومية. نعم، نريد الأمن الشخصي ومحاربة الجريمة. لكننا لا نريد أن ندفع مقابل ذلك ثمن الصمت السياسي، ولا ثمن التخلي عن خطابنا الوطني، ولا ثمن تحويل وجودنا إلى ملحق صغير في لعبة الحكومات الإسرائيلية. منصور عباس بنى مشروعه على فكرة “التأثير من الداخل”. لكن التجربة أثبتت أن الدخول إلى اللعبة بلا شروط وطنية واضحة قد يحول التأثير إلى تبرير، والبراغماتية إلى تنازل، والحكمة إلى انتظار مذل. حين يصبح السياسي حريصا على رضى الشارع اليهودي أكثر من حرصه على ثقة شعبه، فهنا لا يعود يمثل وجعنا كما يجب. لقد رأينا كيف تفككت المشتركة. ورأينا كيف خرجت الموحدة بخطاب جديد، يبتعد عن الإجماع الوطني العربي، ويحاول أن يقدم نفسه كشريك مقبول عند المؤسسة، حتى لو جاء هذا القبول على حساب وحدة الصف. ورأينا مواقف وتصريحات فتحت جروحا عميقة: الحديث عن يهودية الدولة كأمر يجب التعايش معه، التعامل مع حكومات يمينية بمنطق الشراكة، تليين الخطاب تجاه قضايا جوهرية، وإظهار الاستعداد للجلوس في أماكن كان يجب أن تكون خطا أحمر سياسيا وأخلاقيا. هذه ليست تفاصيل عابرة. هذه ليست زلة لسان. هذا نهج. والنهج أخطر من الشخص، لأن الشخص قد يخطئ مرة، أما النهج فيعيد إنتاج الخطأ كل يوم. اليوم يريدون منا أن ننتظر. ننتظر الاجتماع القادم. ننتظر الثلاثاء. ننتظر الخميس. ننتظر الاستطلاعات. ننتظر قرار منصور عباس. لكن السؤال هو: إلى متى يبقى مستقبل الجماهير العربية معلقا على حسابات رجل واحد؟ إلى متى تبقى الجبهة والعربية للتغيير والتجمع رهائن لمناورة قد تنتهي في اللحظة الأخيرة بشرط جديد أو ذريعة جديدة أو انسحاب جديد؟ أنا أقولها بوضوح: لا تنتظروا أكثر. إذا كانت الوحدة ممكنة على أساس برنامج وطني واضح، فلتكن اليوم قبل الغد. أما إذا كانت الوحدة مجرد قائمة تقنية تدخل الانتخابات ثم تتفكك في اليوم التالي، فهذه ليست وحدة. هذه عملية إنقاذ انتخابي بلا روح، وبلا مشروع، وبلا وعد حقيقي للناس. الجماهير العربية لا تحتاج إلى قائمة تجمع الأسماء فقط. تحتاج إلى قائمة تجمع الإرادة. تحتاج إلى قيادة تقول بوضوح: نحن ضد الفاشية، ضد الاحتلال، ضد العنصرية، ضد هدم البيوت، ضد الجريمة، ضد تهميش شعبنا، وضد تحويلنا إلى أداة في يد أي حكومة تبحث عن أصواتنا ثم ترمي كرامتنا. من هنا، على الجبهة والعربية للتغيير والتجمع أن يحسموا أمرهم. ليس من باب العداء الشخصي، بل من باب المسؤولية التاريخية. إذا استمر منصور عباس في المماطلة، أو في فرض شروط تفرغ المشتركة من معناها، أو في الإصرار على استقلال سياسي يتيح له لاحقا السير في اتجاه مختلف، فعليهم أن يعلنوا فورا إطارا ثلاثيا واضحا، قويا، وطنيا، جماعيا. لا تخافوا من الشارع. الشارع يريد الوضوح. الناس تعبوا من الغموض. الناس يريدون من يقول لهم الحقيقة: هل أنتم مع مشروع وطني عربي مشترك، أم مع صفقة انتخابية مؤقتة؟ القائمة الثلاثية بين الجبهة والعربية للتغيير والتجمع قادرة، إذا أدارت المعركة بذكاء وشجاعة، أن تحصل على تمثيل قوي. وربما أكثر من ذلك، قادرة أن تعيد الثقة للناس، لأن الثقة لا تأتي من عدد الأحزاب فقط، بل من صدق الموقف. أما منصور عباس، فليتحمل مسؤولية نهجه أمام الناس. من حقه أن يختار طريقه، لكن ليس من حقه أن يحتجز الطريق أمام الآخرين. من حقه أن يؤمن بالبراغماتية التي يريدها، لكن ليس من حقه أن يجعل كل المجتمع العربي ينتظر نتائج استطلاعاته وحساباته وعلاقاته. هناك لحظات في التاريخ لا يكون فيها الانتظار حكمة، بل هروبا. ولا يكون فيها الصبر فضيلة، بل ضعفا. ونحن اليوم أمام لحظة كهذه. لا نريد وحدة شكلية تموت في اليوم التالي للانتخابات. لا نريد قائمة بلا روح. لا نريد اتفاقا يولد مشلولا. لا نريد أن نبيع الناس وهما جديدا باسم الواقعية. نريد وحدة وطنية حقيقية، أو وضوحا شجاعا. لذلك أقول للأحزاب الثلاثة: لا تنتظروا منصور عباس إلى ما لا نهاية. ضعوا مهلة واضحة. ضعوا برنامجا واضحا. ضعوا شروطا وطنية واضحة. ومن لا يريد أن يلتزم، فليذهب إلى جمهوره، وليقل له بصراحة ماذا يريد. أما شعبنا، فليس بحاجة إلى مزيد من المناورات. شعبنا بحاجة إلى قيادة ترفع رأسه، لا قيادة تحسب كم سنتيمترا يجب أن تنحني حتى ترضى عنها السلطة. لقد آن الأوان أن نقول: كفى. كفى انتظار. كفى تردد. كفى رهانات خاطئة. فالمشتركة ليست مقعدا في الكنيست فقط. المشتركة، إذا كانت حقيقية، هي كرامة سياسية. وإذا فقدت الكرامة، فلا معنى لها. ولهذا، الآن وليس غدا: إما وحدة وطنية واضحة، وإما طريق مستقل شجاع بلا منصور عباس. |
|
|
| ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة، عن رأي الموقع |
|
|