xxxxxxxxxxxx xxxxxxxxxxxx
حقوق المرأة بين الخطاب الليبرالي والممارسة الذكوريةزواج القاصرات في المجتمع العربي... أزمة تهدد الحاضر والمستقبلالشمال تحت وطأة النيران: إصابة 4 أشخاص في هجوم بالمسيّرات وتصاعد مستمر لحدة القصف من لبنانقرار دراماتيكي: إلزام وزير العدل باستكمال تعيين القضاةمحمد علي طه: التحدي الأكبر هو رئاسة المشتركة وترتيب مرشحيها الموجز

ثقافة تبرئة الرجل وإدانة المرأة

حقوق المرأة بين الخطاب الليبرالي والممارسة الذكورية

حقوق المرأة بين الخطاب الليبرالي والممارسة الذكورية

بقلم : جيهان حيدر حسن
 

أثارت قضية الطالبة المتفوقة أمينة حسين، خريجة مسار الفيزياء والإلكترونيات في مدرسة تيراسانتا الأهلية في عكّا، نقاشًا عامًا تجاوز حدود حادثة فردية أو خلاف إداري داخل مؤسسة تعليمية. فبحسب ما تم تداوله، أنهت الطالبة مسيرتها الدراسية بمعدل  99%، قبل أن تجد نفسها في مواجهة موقف يعترض على ارتدائها الحجاب داخل أروقة المدرسة، بل وصل الأمر – وفق الروايات المتداولة – إلى محاولة استبعادها من صورة وحفل التخرج بسبب تمسكها بخيار شخصي يتعلق بمظهرها وهويتها الدينية.

وبغض النظر عن التفاصيل القانونية والإدارية للقضية، فإن ما حدث يطرح أسئلة تتجاوز الحجاب نفسه لتلامس جوهر العلاقة بين الحرية الفردية والمؤسسة التربوية، وبين حقوق الإنسان والممارسات اليومية داخل المدارس التي يفترض أن تكون الحاضنة الأولى لقيم الاحترام والتعددية وقبول الآخر.

فالسؤال الأساسي هنا ليس: هل نحن مع الحجاب أم ضده؟ بل: هل نحن مع حق الإنسان في الاختيار الحر أم ضده؟

إن الدفاع عن حق المرأة في ارتداء الحجاب لا يعني بالضرورة تبني الحجاب أو الدعوة إليه، تمامًا كما أن الدفاع عن حقها في عدم ارتدائه لا يعني معاداة الدين أو القيم التقليدية. فالحرية لا تُقاس بنوعية الاختيار، بل بحق الفرد في أن يختار بنفسه.

فالمرأة التي تختار ارتداء الحجاب بإرادتها الحرة تستحق الاحترام ذاته الذي تستحقه المرأة التي تختار عدم ارتدائه. وكما أعارض منع المرأة من ارتداء الحجاب، أعارض أيضًا إجبارها على ارتدائه. ففي الحالتين نحن أمام وصاية على المرأة ومصادرة لحقها في تقرير شؤونها الشخصية.

ومن هنا يبرز سؤال مشروع لا يمكن تجاهله: ما الفرق الجوهري بين غطاء الرأس الذي ترتديه الراهبات المسيحيات في المؤسسات الدينية والتعليمية، وبين الحجاب الذي ترتديه فتاة مسلمة باختيارها؟ وإذا كان أحد الرمزين يُعامل بوصفه تعبيرًا مشروعًا عن الهوية الدينية، فلماذا يتحول الآخر إلى مشكلة تستدعي المنع أو الإقصاء؟

غير أن ما يجعل هذه القضية أكثر حساسية ليس الحجاب بحد ذاته، بل الجهة التي صدر عنها هذا الموقف. فحين يأتي التضييق على خيار شخصي من أفراد أو من الشارع، يبقى الأمر جزءًا من جدل اجتماعي قائم في أي مجتمع. أما عندما يصدر عن مؤسسة تربوية وتعليمية، فإن المسألة تصبح أكثر تعقيدًا وخطورة.

فالمدرسة ليست مجرد مكان لتعليم الفيزياء والرياضيات واللغات، بل مؤسسة مسؤولة عن غرس قيم الاحترام والتعددية والكرامة الإنسانية. ومن واجبها أن تعلم الطلاب والطالبات كيف يعيشون مع المختلف عنهم في الرأي أو الدين أو المظهر أو نمط الحياة، لا أن تعاقبهم أو تهمشهم بسبب هذا الاختلاف.

إن التربية الحقيقية لا تقوم على إنتاج نسخة واحدة من البشر، بل على تعليم الأجيال أن التنوع جزء من الحياة، وأن الكرامة الإنسانية تسبق كل الاختلافات الأخرى. وإذا كانت المؤسسات التعليمية تسعى إلى إعداد مواطنين قادرين على العيش في مجتمع متنوع، فإن أول اختبار لهذه الرسالة يكمن في احترام التنوع داخل أسوارها.

فالطالبة المتفوقة التي اختارت ارتداء الحجاب لا تصبح أقل تفوقًا، ولا أقل استحقاقًا للتكريم، ولا أقل انتماءً إلى مدرستها بسبب خيار شخصي يتعلق بمظهرها أو معتقدها. وعلى العكس، فإن الاحتفاء بإنجازها العلمي يجب أن يكون سابقًا لأي اعتبارات أخرى.

لكن القضية لا تتوقف عند حدود الحجاب. فهي تكشف عن مشكلة أوسع تتعلق بنظرة المجتمع "الذكوري" إلى المرأة وحقوقها وحرياتها. فالمفارقة المؤلمة أن كثيرين ممن يرفعون شعارات التقدمية والليبرالية وحقوق الإنسان وغالبيتهم من "الذكور" لا يتعاملون دائمًا مع قضايا المرأة بالمعايير نفسها التي يدعون إليها.

 وللأسف، ما زالت قطاعات "ذكوريه" واسعة من النخب الاجتماعية والثقافية والأكاديمية في مجتمعنا تنظر باستخفاف إلى الفكر النسوي وإلى نشاط الحركات النسوية، بل إن السخرية من هذه القضايا باتت تُسمع أحيانًا في الجلسات العامة والعائلية، وحتى بين من يقدمون أنفسهم "من الاوساظ الذكوريه" بوصفهم دعاة للتقدم والحداثة وحرية المرأة.

ويظهر هذا التناقض بصورة أوضح عند التعامل مع شكاوى النساء المتعلقة بالتحرشات والاعتداءات الجنسية. فكثيرًا ما تُقابل هذه الشكاوى بالتشكيك أو التهوين أو بمحاولات التغطية والتبرير، تحت عبارات من قبيل "مبالغة"، أو "غير معقول"، أو "لا داعي لإثارة الموضوع"، وكأن المطلوب هو العودة السريعة إلى الحياة الطبيعية بدل مواجهة المشكلة ومعالجتها.

"اثبات قاطغ بمنح الشرغيه التامه للرجل واللقاء اللوم على المراه " ولا أتحدث هنا عن المواطنين العاديين فقط، بل عن رجال شخصيات عامة وأصحاب مناصب وأكاديميين ومثقفين وأصحاب سمعة اجتماعية ووطنية طيبة، ممن يفترض أن يكونوا في طليعة المدافعين عن حقوق النساء وكرامتهن

. إن الدفاع عن حرية المرأة لا يمكن أن يكون انتقائيًا. فلا يجوز الدفاع عن حقها في اختيار نمط معين من الحياة، ثم مصادرة حقها عندما تختار نمطًا آخر لا ينسجم مع قناعاتنا الشخصية. فالحرية الحقيقية تُقاس بمدى استعدادنا للدفاع عن حق الآخرين في الاختيار، حتى عندما لا نتبنى خياراتهم.

ومن هنا، فإن قضية أمينة حسين يجب أن تتحول إلى فرصة لفتح نقاش مجتمعي واسع وشجاع حول مكانة المرأة في مجتمعنا، لا حول الحجاب فقط. نحن بحاجة إلى نقاش يتناول حق المرأة في اختيار لباسها، وحقها في التعليم والعمل والتمثيل والمشاركة العامة، وحقها في العيش بكرامة ومساواة كاملة مع الرجل في جميع المجالات.

إن المجتمع الذي يطالب بالعدالة لنفسه لا يمكنه أن يقبل بالظلم الواقع على نصفه الآخر. والمجتمع الذي يسعى إلى التقدم لا يستطيع أن يفعل ذلك وهو يضع العراقيل أمام حرية النساء أو يقلل من شأن قضاياهن ومعاناتهن.

إن الطريق نحو مجتمع أكثر عدالة وإنسانية لا يمر عبر فرض الوصاية على النساء أو إقصائهن بسبب خياراتهن الشخصية، بل عبر تمكينهن من اتخاذ قراراتهن بحرية كاملة، وضمان مساواتهن الكاملة بالرجل في التعليم والعمل والحقوق والفرص.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن تطرحه هذه القضية على كل مؤسسة تربوية وكل قائد اجتماعي وكل مواطن: هل نريد مجتمعًا يُكافأ فيه الأفراد على إنجازاتهم وكفاءاتهم وإنسانيتهم، أم مجتمعًا تُقاس فيه قيمة الإنسان بمدى تطابقه مع صورة مسبقة يفرضها الآخرون عليه؟

إن حماية حرية المرأة ليست قضية نسوية فحسب، بل هي معيار حقيقي لمدى عدالة المجتمع وتقدمه وقدرته على احترام الإنسان، أيًّا كان اختياره أو معتقده أو مظهره.

 

xxxx

ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة،  عن رأي الموقع
للمزيد : أرشيف القسم
 
WhatsApp تابعونا في الوتسأب تابعونا على الواتسأب
× انضم لمجموعة الكرمل عبرالواتساب
احصل على التحديثات والأخبار فورًا عبر واتساب.