xxxxxxxxxxxx xxxxxxxxxxxx
زواج القاصرات في المجتمع العربي... أزمة تهدد الحاضر والمستقبلالشمال تحت وطأة النيران: إصابة 4 أشخاص في هجوم بالمسيّرات وتصاعد مستمر لحدة القصف من لبنانقرار دراماتيكي: إلزام وزير العدل باستكمال تعيين القضاةمحمد علي طه: التحدي الأكبر هو رئاسة المشتركة وترتيب مرشحيهابقرار من وزير التربية والتعليم : لا امتحانات بجروت تحت النار الموجز

من البيارات إلى الجامعات

من رائحة البيارات إلى زمن الأطباء والمهندسين

من رائحة البيارات إلى زمن الأطباء والمهندسين

بقلم : د. فالح سمارة - الطيرة
 

أحيانا أجلس وحيدا، فأسمع أصواتا لا يسمعها أحد غيري.

أصوات رجال رحلوا منذ زمن، وأصوات نساء كن يملأن الحارات دفئا وحنانا، وأصوات أطفال حفاة كانوا يركضون بين البيارات وتحت أشجار البرتقال والزيتون، قبل أن يصبحوا اليوم شيوخا يحملون ذاكرة وطن كامل على أكتافهم.

عندما أعود بذاكرتي إلى البدايات، لا أرى نفسي فقط، بل أرى جيلا بأكمله.

أرى الطيرة كما كانت.

بلدة صغيرة تحيط بها البيارات من كل الجهات، تفوح منها رائحة التراب بعد المطر، وتستيقظ صباحا على أصوات الديكة وهدير الجرارات العتيقة ووقع أقدام العمال الذين كانوا يخرجون قبل شروق الشمس بحثا عن لقمة العيش.

ولدت عام 1964.

ولم أكن أفهم السياسة يومها، لكنني ولدت في زمن كانت السياسة تسكن كل شيء.

كانت تسكن الخوف في عيون الناس.

وتسكن الحذر في كلماتهم.

وتسكن الصمت الطويل الذي كان يسبق أي حديث عن الوطن أو الهوية أو المستقبل.

لقد خرج أهلنا من سنوات الحكم العسكري، لكن آثار ذلك الحكم بقيت عالقة في النفوس زمنا طويلا.

كان الإنسان العربي الفلسطيني في الداخل يعيش وهو يشعر أن عليه أن يحسب خطواته وكلماته وحتى أحلامه.

وكانت ذاكرة كفر قاسم لا تزال حاضرة، لا كحادثة عابرة، بل كجرح مفتوح في الوجدان الجماعي.

ورغم ذلك كله، كانت الحياة أقوى من الخوف.

كان الناس يحبون الحياة بطريقة لا يعرفها إلا الذين ذاقوا مرارة الحرمان.

في تلك السنوات، لم تكن الشهادات الجامعية تملأ الجدران كما هي اليوم.

كان المعلم هو النجم الحقيقي في مجتمعنا.

أتذكر كيف كان الناس يقفون احتراما له.

وكيف كان اسمه يسبق اسمه.

وكيف كانت كلمته مسموعة بين الناس.

لم يكن المعلم مجرد موظف.

كان حامل نور.

وكان حامل رسالة.

وكان يمثل الثقافة والمعرفة في مجتمع لم تتح له الفرصة بعد كي يتعلم على نطاق واسع.

أما الطبيب فكان حدثا استثنائيا.

والمهندس كان اسما نادرا.

والمحامي كان شخصية يعرفها الجميع.

أما الأغلبية الساحقة فكانت من العمال والفلاحين وأصحاب المهن البسيطة.

رجال بسطاء، لكنهم كانوا عمالقة في الكرامة.

كانوا يعودون من العمل متعبين، لكنهم لا يعودون منكسرين.

وكانوا ينامون فقراء، لكنهم يستيقظون أغنياء بالشهامة والعزة والاحترام.

ولعل أكثر ما أتذكره من تلك الأيام هو شعور غريب كان يسكن مجتمعنا.

شعور بأننا أقل مما يجب أن نكون.

كأننا نقف دائما في آخر الصف.

كأننا ننظر إلى الآخرين ونعتقد أنهم أفضل منا وأقدر منا وأكثر استحقاقا منا.

لم يكن ذلك حقيقة.

لكنه كان أثر سنوات طويلة من التهميش والحرمان.

ومع ذلك، كان هناك رجال يرفضون الاستسلام لهذا الشعور.

كان هناك أولئك الوطنيون الذين كانوا يسيرون بعكس التيار.

قلة قليلة.

لكنهم كانوا يشبهون أشجار الزيتون.

لا يكثرون، لكنهم يبقون.

كان الناس يختلفون معهم أحيانا، ويخافون عليهم أحيانا أخرى، لكنهم في أعماقهم كانوا يحترمونهم.

وكانوا يعرفون أن هؤلاء الرجال يحملون شيئا أكبر من أنفسهم.

يحملون فكرة.

ويحملون قضية.

ويحملون حلما.

ثم جاء التحول الكبير.

التحول الذي ربما لم يكن كثيرون يدركون حجمه آنذاك.

لقد فتحت أبواب التعليم.

وسافرت أفواج من شبابنا إلى صوفيا وبراغ وموسكو وكييف وبودابست وبرلين وغيرها من مدن الشرق الأوروبي.

ذهبوا فقراء في جيوبهم.

لكنهم عادوا أغنياء في عقولهم.

عادوا يحملون الشهادات.

لكنهم عادوا أيضا يحملون الثقة.

وهنا بدأ التغيير الحقيقي.

لم تعد المعرفة ضيفا نادرا في بيوتنا.

بل أصبحت فردا من أفراد العائلة.

الطبيب أنجب طبيبا.

والمهندس أنجب مهندسا.

والمعلم أنجب جيلا جديدا من الأكاديميين.

وبدأت كرة الثلج تكبر عاما بعد عام.

حتى وجدنا أنفسنا أمام مجتمع مختلف تماما عن ذلك المجتمع الذي عرفناه في السبعينيات.

اليوم، عندما أنظر حولي، أرى آلاف الأطباء.

وآلاف المهندسين.

وآلاف الأكاديميين.

وأرى شبابا وشابات ينافسون في الجامعات العالمية وفي مراكز الأبحاث وفي المستشفيات والشركات الكبرى.

وأدرك أن ما حدث لم يكن مجرد تقدم اقتصادي.

بل كان ثورة إنسانية كاملة.

لقد تحررنا بالعلم.

واستعدنا ثقتنا بأنفسنا بالعلم.

واكتشفنا قيمتنا الحقيقية بالعلم.

لم نعد ننظر إلى أنفسنا من خلال عيون الآخرين.

بل أصبحنا ننظر إلى أنفسنا بعيوننا نحن.

وأصبحنا أكثر قدرة على الدفاع عن حقوقنا.

وأكثر قدرة على فهم العالم.

وأكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم.

لقد تغيرت الطيرة.

وتغيرت الناصرة.

وتغيرت أم الفحم.

وتغيرت سخنين.

وتغيرت معظم قرانا ومدننا.

لكن شيئا واحدا ما زلت أخشى عليه.

أن ننسى الطريق الطويل الذي أوصلنا إلى هنا.

أن ننسى أولئك المعلمين الذين حملوا المشاعل الأولى.

أن ننسى العمال الذين دفعوا من أعمارهم ليعلموا أبناءهم.

أن ننسى الأمهات اللواتي بعن ذهبهن كي يدرسن أبناءهن.

أن ننسى الوطنيين الذين دفعوا ثمن مواقفهم من أعصابهم وأرزاقهم ومستقبلهم.

فالأمم لا تضيع عندما تصبح فقيرة.

الأمم تضيع عندما تنسى ذاكرتها.

وأنا كلما تقدمت في العمر، أزداد يقينا أن أجمل ما نملكه ليس ما حققناه.

بل معرفتنا كيف وصلنا إليه.

فمن رائحة البيارات القديمة…

ومن مقاعد المدارس المتواضعة…

ومن أيدي العمال المتشققة…

ومن أحلام المعلمين الأوائل…

ولدت الحكاية.

حكاية مجتمع كان يخاف أن يرفع صوته يوما.

فأصبح اليوم قادرا على أن يرفع رأسه.

ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة،  عن رأي الموقع
للمزيد : أرشيف القسم
 
WhatsApp تابعونا في الوتسأب تابعونا على الواتسأب
× انضم لمجموعة الكرمل عبرالواتساب
احصل على التحديثات والأخبار فورًا عبر واتساب.