xxxxxxxxxxxx xxxxxxxxxxxx
https://alcarmil.com/page.asp?ID=55155ديمقراطية المقاعد والأرقام: كيف تحوّل الناخب العربي إلى «صوتٍ تقني» في سوق الأحزاب؟قتيل في يركا وجريح في شعب في حادثي إطلاق نارلماذا أصبحت القائمة المشتركة على أساس "الحد الأدنى" ضرورة وطنية وسياسية؟الجيش الإسرائيلي ومصلحة السجون والشرطة مسؤولون عن حالات اغتصاب، وتعري قسري، وإطلاق نار على الأعضاء التناسلية للأسرى الموجز

لماذا أصبحت القائمة المشتركة على أساس "الحد الأدنى" ضرورة وطنية وسياسية؟

لماذا أصبحت القائمة المشتركة على أساس

بقلم : د. مروان مشرقي – الناصرة
 

 مع اقتراب الانتخابات، يعود النقاش القديم داخل المجتمع العربي: هل الأولوية للحفاظ على "النقاء" الحزبي والأيديولوجي، أم لبناء قوة سياسية جماعية قادرة على حماية التمثيل العربي ومنع تفتته؟

 لكن هذا السؤال لم يعد نظريًا أو فكريًا فقط، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بمكانة المجتمع العربي وتأثيره السياسي في ظل المرحلة الأخطر التي تمر بها البلاد والمنطقة.

 فالمشهد السياسي الحالي يختلف جذريًا عن المراحل السابقة. نحن أمام حكومة يمين متطرف دفعت بالمجتمع الإسرائيلي نحو مزيد من العنصرية والتحريض والاستقطاب، بالتوازي مع الحرب المدمرة على غزة والضفة الغربية والاعتداءات المتواصلة على لبنان، والتصعيد الإقليمي الذي يهدد شعوب المنطقة بأسرها. وفي الداخل، تتعمق سياسات التمييز والملاحقة ومحاولات إضعاف التمثيل السياسي العربي وتحويله إلى هامش بلا تأثير.

 في مثل هذه الظروف، تصبح الدعوة إلى إعادة بناء القائمة المشتركة على أساس برنامج حد أدنى ضرورة وطنية وسياسية، حتى لو جاءت بصيغة "قائمة تقنية". فالمقصود هنا ليس إلغاء الفوارق الفكرية أو الأيديولوجية بين الأحزاب، ولا مطالبة أي طرف بالتخلي عن هويته السياسية، بل الاتفاق على القضايا الأساسية التي تمس حياة الناس ومستقبلهم الجماعي.

التطورات الأخيرة تؤكد أن هذه الفكرة لم تعد مجرد طرح نظري، بل بدأت تتحول إلى مسار سياسي عملي. فالبيان المشترك الذي صدر عن الجبهة والتجمع والعربية للتغيير، وأعلان توافقهم على إقامة قائمة مشتركة على أساس برنامج حد ادنى، يعكس إدراكًا متزايدًا بأن استمرار الانقسام لم يعد ترفًا سياسيًا يمكن احتماله في ظل تصاعد اليمين والحرب والتحريض. كما أن إعلان القوى الثلاث استعدادها لإقامة قائمة تقنية انتخابية مع القائمة الموحدة برئاسة منصور عباس يحمل دلالة سياسية مهمة، مفادها أن حماية التمثيل العربي ومنع ضياع الأصوات باتت أولوية وطنية تتقدم على الخلافات الحزبية والتكتيكية.

القائمة المشتركة على أساس الحد الأدنى لا تطلب من أي حزب أن يتخلى عن هويته الفكرية أو روايته السياسية. فلا أحد يطالب التجمع بأن يصبح جبهويًا أو إسلاميًا، ولا الجبهة بأن تتبنى خطاب التجمع أو الموحدة، ولا الإسلامية بأن تذوب داخل مشروع غير مشروعها. المطلوب أبسط من ذلك وأكثر أهمية: بناء شراكة سياسية على القواسم المشتركة التي تجمع جمهورنا الوطني والمدني.

ثم إن إقامة قائمة مشتركة لا تعني، بالضرورة، بناء حزب واحد أو إلغاء التعددية. بالعكس، يمكن أن تكون إطارًا ديمقراطيًا يحافظ على تنوع التيارات داخل المجتمع العربي، مع توحيد الجهد في اللحظة الانتخابية. فالناس لا تريد نسخة متطابقة من الأحزاب، لكنها تريد حدًا أدنى من المسؤولية الوطنية.

وهناك بالفعل مساحة واسعة لهذا الحد الأدنى، تشمل:

  • العمل على وقف حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية.
  • وقف الحرب والاعتداءات على لبنان وإيران.
  • السعي لتحقيق سلام عادل قائم على إنهاء الاحتلال والاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، بما يضمن الحرية والعدالة والأمن لجميع شعوب المنطقة.
  • الدفاع عن الأرض والمسكن والأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية، بما في ذلك الحفاظ على المسجد الأقصى.
  • مواجهة الجريمة والعنف والسلاح المنتشر, المرخص والغير مرخص.
  • حماية الهوية الوطنية لجماهيرنا الفلسطينية في البلاد.
  • إسقاط سياسات التمييز والملاحقة.
  • تعزيز السلطات المحلية العربية.
  • حماية التمثيل السياسي العربي ومنع ضياع الأصوات.
  • العمل على إسقاط مشروع اليمين الفاشي من سدة الحكم في إسرائيل.

هذه ليست شعارات انتخابية عابرة، بل قضايا مصيرية تمس المجتمع العربي كله. فاستمرار اليمين الحالي يعني المزيد من التحريض والقوانين العنصرية والحروب وسياسات القمع، كما يعني تعميق العزلة السياسية والمدنية للعرب في البلاد.

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات د. يوسف جبارين الأخيرة لتعبّر عن إدراك سياسي متزايد بأن استمرار الانقسام العربي لم يعد مجرد خلاف حزبي طبيعي، بل بات خطرًا حقيقيًا على مكانة المجتمع العربي وقدرته على التأثير. فجبارين شدد في مقابلته على أن المرحلة الحالية تفرض إعادة بناء حالة وحدوية واسعة، تقوم على الشراكة السياسية والتأثير الجماعي، لا على التنافس الضيق وتبادل الاتهامات بين الأحزاب.

 والأهم في هذا النقاش هو التذكير بحقيقة يعرفها الشارع العربي جيدًا: حين قامت القائمة المشتركة تحوّل المجتمع العربي إلى قوة سياسية يصعب تجاوزها، وارتفعت نسبة المشاركة واستعاد الناس شعورهم بأن لصوتهم وزنًا وتأثيرًا. أما حين عادت الانقسامات، عاد معها الإحباط والشعور بالعجز.

 وهنا تكمن جوهر المسألة. فالسياسة ليست امتحانًا في الصفاء العقائدي، بل قدرة على حماية الناس وتحويل المواقف إلى قوة فعلية. والأحزاب التي تعرف كيف تميّز بين الثابت والمتغيّر، وبين الهوية السياسية ومتطلبات اللحظة التاريخية، هي القادرة على حماية جمهورها وتعزيز مكانته.

أما تحويل كل خلاف سياسي إلى سبب للقطيعة والانتظار، فهو عمليًا وصفة مضمونة لمزيد من التفكك وضياع القوة الجماعية. وفي تجارب سياسية كثيرة حول العالم، قامت تحالفات انتخابية بين قوى تختلف جذريًا، ليس لأنها أصبحت متشابهة، بل لأنها أدركت أن مواجهة الخطر الأكبر تتطلب تعاونًا مرحليًا. فالتكتيك السياسي ليس نقيضًا للمبدأ، بل أداة لحمايته عندما يُستخدم بوعي ومسؤولية.

من هنا فإن إعادة ترتيب الحركات والأحزاب السياسية العربية الفاعلة تفرض مقاربة جديدة تقوم على توسيع دوائر العمل المشترك وبناء اصطفاف سياسي قادر على مواجهة مشروع اليمين، بدل الغرق في الانقسامات الصغيرة والصراعات التي لم تعد مفهومة أو مقبولة لدى جمهور واسع.

 كما أن التخويف من "القائمة التقنية" باعتبارها تراجعًا سياسيًا أو مبدئيًا يتجاهل حقيقة أساسية: الموقف المبدئي لا يُقاس بعدد البيانات الداعمة للتحالفات المبدئية، بل بالقدرة على حماية الناس ومنع إقصائهم. وإذا كانت النتيجة العملية للانقسام هي ضياع عشرات آلاف الأصوات أو عدم تجاوز قوى سياسية كاملة نسبة الحسم، فإن السؤال يصبح مشروعًا: ما الذي يخدم مجتمعنا أكثر في هذه المرحلة؟

لقد أثبتت التجارب السابقة أن وحدة الصف -رغم كل ما رافقها من تناقضات - رفعت نسبة المشاركة، وأعادت لجمهور واسع شعورًا بالقوة والانتماء، وأوصلت رسالة واضحة بأن المجتمع العربي قادر على فرض نفسه كلاعب سياسي لا يمكن تجاوزه. وفي المقابل، فإن الانقسامات المتكررة عمّقت الإحباط الشعبي، ورسخت صورة العجز والصراع الداخلي.

المطلوب اليوم ليس وحدة شكلية أو اندماجًا قسريًا، بل اتفاق عقلاني ومسؤول على برنامج حد أدنى (على الأقل بين القوى الثلاثية - الجبهة والتجمع والعربية للتغيير) يحمي المجتمع العربي من التفكك السياسي. وإذا كانت الصيغة الممكنة اليوم هي قائمة مشتركة تقنية تجمع قوى الثلاثية من جهة والموحدة من جهة أخرى رغم تبايناتها، فإن قيمة هذه الخطوة لا تكمن في الاسم، بل في قدرتها على إعادة بناء القوة السياسية العربية الجماعية ومنع ضياعها.

 في السياسة، أحيانًا لا تكون الحكمة في الوصول إلى اتفاق كامل، بل في منع الانهيار الكامل. ولهذا فإن الاتفاق الأخير بين الجبهة والتجمع والعربية للتغيير والانفتاح على إقامة قائمة تقنية مع الموحدة، قد يشكل بداية فرصة حقيقية لإعادة الأمل للجمهور العربي واستعادة ثقته بقدرته على التأثير. وهذا بالضبط ما يجعل القائمة المشتركة على أساس برنامج حد أدنى ضرورة وطنية وسياسية ملحّة في هذه المرحلة.

 

 

 

ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة،  عن رأي الموقع
للمزيد : أرشيف القسم
 
WhatsApp تابعونا في الوتسأب تابعونا على الواتسأب
× انضم لمجموعة الكرمل عبرالواتساب
احصل على التحديثات والأخبار فورًا عبر واتساب.