| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
|
|
| الموجز |
|
|
لم يعد الشرق الأوسط يُدار بواسطة قادة، بل بواسطة مقاولين من الباطن او كما يوصفون بالمقاولين الفرعيين (الثانويين). كل طرف يحاول أن يستأجر طرفاً آخر للقيام بالمهمة القذرة، ثم يقف أمام الكاميرا كأنه مهندس التاريخ. نتنياهو يريد من ترامب أن يهدّد إيران، يضربها، يعزلها، ويستنزفها نيابة عن إسرائيل. وترامب يريد من العرب أن يوقّعوا، ويدفعوا، ويصفقوا، ثم يسمّوا ذلك سلاماً. الإمارات تريد أن تنفّذ الجانب التجاري من النظام الجديد وتطلق عليه اسم "الرؤيا". السعودية تريد الحماية من دون الإهانة. باكستان تريد العودة إلى المسرح من دون أن تتحول إلى درعٍ مأجور. تركيا تريد النفوذ من دون الانكشاف الكامل. إيران تريد البقاء، بينما يعلن الجميع وفاتها السياسية كل ستة أشهر. أما الفلسطينيون؟ فالمطلوب منهم أن يختفوا بأدب من داخل مأساتهم. هذه ليست دبلوماسية. هذا توطيد إقليمي للقوة والقذارة وتوزيع الأدوار. لكنّ مشروع نتنياهو هو الأكثر مسرحيةً. رجل غارق في أزمات سياسية وقانونية داخلية، يقدم نفسه فجأة كالعقل الأمني الأعلى للمنطقة. وصْفته بسيطة: صعّد مع إيران، أخِف العرب، ورّط أمريكا، ادفن فلسطين، ثم اخرج كبطل لا غنى عنه لحماية "الحضارة الغربية" في الشرق الأوسط. وصفة عبقرية طبعاً، إلى أن يتذكر الرئيس الأمريكي أن الحروب مكلفة، وأن إيران ليست غزة، وأن حاملات الطائرات ليست منشورات انتخابية. هنا يحاول نتنياهو أن يسخّر ترامب. وترامب، بدوره، يحاول أن يسخّر العرب. وهنا تصبح ملاحظة الصحفي البريطاني ديفيد هيرست حول ما يسمى "مجلس السلام" أساسية. فهذا ليس بمجلس سلام، انّما إدارة لما بعد الدمار. إنه العادة الاستعمارية القديمة ببدلة رجال الأعمال: دمّر البيت، ثم عد بلجنة، وشعار، وخطة إعادة إعمار. تصبح غزة ملفاً لا وطناً. ويصبح الفلسطينيون "تحدياً إنسانياً" لا شعباً. وتصبح السيادة إزعاجاً. وتتحول العدالة إلى أوراق وإجراءات. عبقرية ترامب، إن جاز لنا أن نستخدم كلمة عبقرية دون الإساءة إليها وإلى الحسّ السليم، هي أنه يحوّل السلام إلى امتياز تجاري. "مجلس السلام" يبدو اسماً نبيلاً، لكن منطقه الداخلي قبيح: أمريكا ترأس، إسرائيل تتحكم، العرب يموّلون، والفلسطينيون يطيعون. الجميع يحصل على دور، باستثناء الشعب الذي يناقَش مستقبله، تنهش أرضه وتسفك دماؤه! لذلك فإن كلمة المقاولين من الباطن ليست مجرد استعارة. إنها وصف دقيق للنظام الإقليمي الجديد. هذا النظام لا يقوم على شراكة متكافئة، بل على هيمنة مفوّضة: طرف يخطط، طرف يمول، طرف يحرس، طرف يصفق، فيما طرف مطلوب منه أن يموت. الإمارات تبدو الأكثر فهماً لهذه اللعبة. محمد بن زايد لم يطبّع مع إسرائيل فقط؛ بل ساهم في تصميم نموذج سياسي جديد لما بعد العرب: موانئ، مراقبة، لوجستيات، ممرات تجارية، البحر الأحمر، أفريقيا، الهند، إسرائيل، التكنولوجيا، والمال. لا شعور بالذنب، لا فلسطين، لا عبء عاطفي عربي. فقط استراتيجية، عقود، ولغة علاقات عامة كافية لجعل التبعية تبدو كأنها حداثة. لكن السعودية أكثر تعقيداً. الرياض تريد القوة، والمكانة، والتحوّل، لكنها لا تستطيع التحرك بالبرود نفسه الذي تتحرك به أبوظبي. السعودية تحمل رمزية إسلامية لا يمكنها التخلص منها بسهولة. لا تستطيع ببساطة أن تدفن فلسطين تحت مشروع فندقي وتسمّيه سلاماً. وهنا تظهر أهمية باكستان. باكستان تعود إلى اللعبة ليس لأنها غنية، بل لأنها تمتلك شيئاً لا تستطيع دول الخليج شراءه من السوق: وزن نووي، وعمق عسكري، ورمزية إسلامية استراتيجية. العلاقة الأمنية السعودية-الباكستانية تغيّر نفسية المنطقة. إنها تومئ لواشنطن وتل أبيب إن أمن الخليج لا يجب أن يمر حصراً من البوابة الأمريكية-الإسرائيلية. وتقول لإيران أيضاً إن كل قوة سنية عسكرية ليست بالضرورة مقاولاً ثانوياً لاسرائيل. لكن باكستان لديها مشكلتها الخاصة: الديون. جيش قوي يحيط باقتصاد هشّ، يمكن دائماً أن يتحول إلى أداة في يد الآخرين. المال السعودي، الدعم الصيني، الضغط الأمريكي، والعداء الهندي، كلها عوامل تحاصر قرارها. سؤال باكستان الحقيقي هو: هل ستكون لاعباً استراتيجياً، أم درعاً مؤجراً؟ وتركيا كذلك لا تقبل أن تُختزل إلى متفرّج. لديها الطائرات المسيّرة، والصناعة الدفاعية، والاستخبارات، وعضوية الناتو، والذاكرة العثمانية، وقدرة على مخاطبة الخيال السنّي العام. لن تسمح تركيا بسهولة بأن تتحول غزّة، والبحر الأحمر، وشرق المتوسط إلى منطقة إدارية أمريكية-إسرائيلية-إماراتية. قد لا تصرخ كل يوم، لكنها بالتأكيد تقرأ الخريطة جيداً. ثم تأتي إيران، الدولة التي يحبّ الجميع إعلان نهايتها. إذا سقطت إيران، قد تحتفل إسرائيل، لكن المنطقة لن تصبح بالضرورة أكثر أماناً. إيران مفككة قد تعني حرباً أهلية، وصراعات عرقية، وتدخلات خارجية، وأوهاماً ملكية عائدة من المتاحف، وجرحاً جيوسياسياً يمتد من الخليج إلى آسيا الوسطى. روسيا والصين لن ترقبا ذلك بهدوء. إيران ليست مجرد وكيل لهما، لكنها حاجز استراتيجي ضد اختراق أمريكي-إسرائيلي كامل لقلب آسيا والشرق الأوسط. وهل إسرائيل وكيل لأمريكا؟ ليس تماماً. إسرائيل أخطر من مجرد وكيل. إنها عميل استراتيجي مميز يستطيع أحياناً أن يتصرف كأنه يستأجر راعيَه. تعتمد على أمريكا، لكنها في الوقت نفسه تؤثر في قراراتها وتدفعها إلى حروب ومواقف تخدم المشروع الإسرائيلي. وإيران أيضاً ليست دمية صينية أو روسية. هي تستخدمهما، وهما يستخدمانها. هذه هي اللعبة الحديثة: لا أحد مستقل تماماً، ولا أحد بريء تماماً. مستقبل "مجلس السلام" يعتمد على قبول العرب والمسلمين بالدور المرسوم لهم: ممولون، حراس، ديكور وشهود زور. لكن إذا صعدت باكستان، وترددت السعودية، ونافست تركيا، وصمدت إيران، وتحركت الصين في الخلفية، فقد يتحول مجلس الإدارة إلى رقعة شطرنج. المأساة أن فلسطين تبقى الفاتورة التي يحاول الجميع التهرب من دفعها, فيدفها شعبها من دم بناته وأبنائه. في عصر المقاولين من الباطن، لا أحد يريد المسؤولية. نتنياهو يريد من أمريكا أن تقاتل. ترامب يريد من العرب أن يوقعوا. الإمارات تريد أن تربح. السعودية تريد تأميناً. باكستان تريد دوراً. تركيا تريد مساحة. إيران تريد البقاء. أمّا غزة؟ فالمطلوب منها أن تشكر المقاولين لأنهم سيرعَوْن إعادة بناء سجنها الكبير. |
|
|
| ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة، عن رأي الموقع |
|
|