| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
| الموجز |
|
|
المشتركة بين التحالف التقني والمشروع السياسي
|
|
هناك لحظات تكشف فيها نقاشات تبدو للوهلة الأولى متباعدة تماماً، عن بنية خفية واحدة. فعلى السطح، يبدو النقاش بين الإلحاد والإيمان وكأنه ينتمي إلى عالم الفلسفة واللاهوت والعلم. إنه يسأل عمّا إذا كان الواقع مجرد مادة تتحرك، محكومة بالقوانين والصدفة والضرورة والزمن، أم أن الوجود نفسه يشير إلى أساس أعمق: إلى معنى، وعقل، وغاية، ونظام يتجاوز ظاهر الأشياء. أما النقاش حول توحيد الأحزاب العربية التي تمثل العرب الفلسطينيين في الداخل فيبدو وكأنه ينتمي إلى عالم آخر تماماً: الانتخابات، ونسبة الحسم، والتحالفات، والمقاعد البرلمانية، ومصالح الأحزاب، وحسابات البقاء السياسي. لكن تحت السطح، يدور النقاش حول سؤال واحد عميق: هل الآلية تكفي؟ هل يمكن فهم الكون كاملاً فقط من خلال شرح كيف يعمل، من دون أن نسأل: لماذا يوجد أصلاً؟ ولماذا هو قابل للفهم؟ ولماذا يظهر فيه الوعي؟ ولماذا يكون للمعنى الأخلاقي كل هذه الأهمية؟ وبالموازاة مع الشأن السياسي يطرح السؤال: وهل يمكن تنظيم شعب سياسيًا فقط من خلال حساب الأصوات، وجمع الأحزاب، وتجاوز نسبة الحسم، وتعظيم عدد المقاعد، من دون أن نسأل: أي مستقبل جماعي نحاول أن نبنيه؟ هنا، يتحوّل العلم إلى فلسفة. وتتحوّل الحسابات الانتخابية إلى مصير سياسي. قوة العلم أنه يشرح الآليات. يخبرنا كيف تتصرف الجسيمات، كيف تتواصل الخلايا، كيف ترتبط الأدوية بالمستقبلات، كيف تُحدث تأثيراتها، كيف يرتبط الدماغ بالوعي، وكيف تعالج الأنظمة البيولوجية المعلومات. لكن عندما يصل العلم إلى أسئلة حول : العدم والوحود، واسئلة مثل لماذا تصف الرياضيات الواقع بدقة مذهلة؟ وهل يمكن اختزال الوعي إلى مادة؟ فإنه يعبر من حقل العلم التجريبي إلى حقل الفلسفة. وبالطريقة نفسها، تستطيع السياسة الانتخابية أن تحسب الآليات. تستطيع أن تخبرنا كم صوتًا نحتاج، وكم مقعدًا يمكن أن نربح، وأي تحالف يمكن أن نمنع، وكيف يمكن للأحزاب أن تنجو في الانتخابات القادمة. لكن عندما تسأل السياسة: ما الذي يمنح جماعة ما كرامتها؟ وما الذي يحوّل الناخبين المتفرقين إلى شعب؟ وما الذي يعيد الثقة بعد سنوات من الإحباط؟ وأي مستقبل يحمل معنى تاريخيًا؟ فإنها هي أيضًا تعبر إلى الاخلاقيات. لذلك، فإن النقاش بين الإلحاد والإيمان ليس، في عمقه، نقاشاً حول الله فقط. إنه نقاش حول ما إذا كان الواقع يكتمل بتفسير آلياته، أم أن الآلية نفسها تحتاج إلى معنى. والنقاش حول تشكيل قائمة مشتركه للفلسطينيين في الداخل ليس نقاشاً حول الانتخابات فقط. إنه، في عمقه، نقاش حول ما إذا كان الفلسطينيون في الداخل مجرد جمهور انتخابي، أم جزء من شعب يحمل ذاكرة وكرامة ومشروعاً ومستقبلاً. الترتيب التقني يَعُدّ الناس. أما المشروع السياسي فيمنح الناس سبباً وفرصة لأن يكونوا مهمين في هذا العدّ. وهذا الفارق ليس بلاغياً. إنه فارق وجودي. فالترتيب التقني يسأل: كيف ننجو في الانتخابات القادمة؟ أما المشروع السياسي فيسأل: أي مستقبل جماعي نريد أن نقيم؟ وهذا هو قلب المسألة. فالبقاء ضروري، لكنه ليس رؤية. وتجاوز نسبة الحسم مهم، لكنه ليس أفقاً. وزيادة عدد المقاعد قد تحمي المجتمع من خطر مباشر، لكنها وحدها لا تستطيع أن تعالج التفتّت السياسي، أو الإرهاق الأخلاقي، أو اليأس الجماعي. هنا تصبح المقارنة مع الإلحاد والإيمان مفيدة. فالحجج الدينية الضعيفة تفشل غالباً لأنها تستبدل التفكير بالعزف على الوتر العاطفي. عندما يقال إن الإلحاد هو "التجرد من أخلاقيات الدين" فإن هذا التعبير يفترض مسبقاً صحة الإطار الديني الذي يحاول الدفاع عنه، بدلاً من أن يبرهنه. لكنه لا يدخل إلى الأسئلة الفلسفية الأعمق. أما الفلسفة الإيمانية الجادة فلا تقوم على الإهانة أو السخرية او نزع الأخلاق عن الاخر أثناء العزف على ذلك الوتر، بل تسأل: هل يحتاج الوجود، والوعي، والأخلاق، والنظام الرياضي، وقابلية الكون للفهم، إلى أساس أعمق من المادة وحدها؟ وبالمثل، تفشل الوحدة السياسية الضعيفة عندما تتحول إلى مجرد شعار قبل الانتخابات. قد تجمع القادة في صورة واحدة، وقائمة واحدة، وحملة واحدة، لكنها لا تصنع بالضرورة رؤيا واحدة. قد تجمع الأسماء من دون أن تصوّب نحو الغاية. وقد تنقذ الأصوات من الضياع، لكنها لا تعيد بناء الثقة والرؤيا المستقبلية. وهنا يكمن الخطر الحقيقي. يمكن اختزال الشعب إلى أرقام، كما يمكن اختزال الواقع إلى جسيمات. وفي الحالتين، يختفي شيء أساسي. قد يقول الملحد: المادة تكفي. وقد يقول السياسي التقني: المقاعد تكفي. لكن السؤال الأعمق يبقى: تكفي لماذا؟ قد تكفي لوصف الوظيفة. لكنها لا تكفي لتفسير المعنى وشق الطريق نحوه.
|
|
|
| ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة، عن رأي الموقع |
|
|