حديث مع نوعا ليفي - المرشحة في برايمرز الجبهة لانتخابات الكنيست
المصدر : تميم أبو خيط وجيهان حيدر حسن
المحامية نوعا ليفي شخصية معروفة بنشاطها السياسي والاجتماعي ضمن صفوف الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة. ليفي محامية بمهنتها وهي ناشطة منذ سنوات طويلة في النضال ضد الاحتلال، ومن أجل حقوق العمال، والمساواة المدنية والقومية. إلى جانب ترشحها على المستوى القطري، شغلت نوعا منصب سكرتيرة كتلة الجبهة في الكنيست، وكانت ضالعة بشكل كبير في العمل البرلماني لأعضاء الكنيست من الكتلة.بصفتها محامية، تقوم بتمثيل العديد من الناشطين السياسيين والمتظاهرين، وتعمل على المرافقة القانونية للنضالات الاجتماعية وحقوق الإنسان.
التقينا نوعا في بيتها بمدينة تل-ابيب، لإجراء حوار صحفي بمناسبة ترشحها في برايمرز الجبهة للانتخابات القادمة. تتميز نوعا بالجدية في الحديث، بالصراحة من ناحية وبالالتزام الدقيق بخط الجبهة السياسي والاجتماعي في كل جملة. لا تجامل في الأمور الجدية ولا تخشى التعبير عن رأيها بصراحة . تعترف بالنواقص هنا وهناك وتضع الحلول والبدائل اللازمة . سياسية من الدرجة الأولى.
الكرمل : كيف تصفين رؤيتك السياسية ودوركم داخل الخارطة الحزبية الحالية في إسرائيل؟
نوعا ليفي :
من وجهة نظري، التزامي الأساسي ينقسم إلى جانبين: كل ما يتعلق بمراقبة عمل أجهزة الحكم والشرطة من جهة، وكل ما يتعلق بحريات الناس وحقوقهم من جهة أخرى. هذا المجال موجود في دمي. لقد أسست مشروعًا للرقابة المدنية على عمل الشرطة مع ناشطين آخرين، وأدرته لمدة سبع سنوات، وتابعت خلاله نحو 150 ملفًا في وحدة التحقيق مع أفراد الشرطة وفي قضايا أخرى، كما أسست لوبي للرقابة على عمل الشرطة داخل الكنيست، وقمت بالكثير من النشاطات المرتبطة بهذا المجال. وفي النهاية أسست عائلة مع شريك حياتي.
وعندما يُسأل: هل دعم الأحزاب الديمقراطية الصهيونية قد يكون أكثر تأثيرًا على إسقاط الحكومة من دعم الأحزاب العربية أو المشتركة؟ أقول إن كل من يعرف "المشتركة" أو "الجبهة" يدرك أنها الأبعد عن دعم حكومة يمين كالتي نراها اليوم. رأينا في حكومة "التغيير" السابقة كيف أن أحزابًا من الوسط أو من داخل الائتلاف انتقلت لاحقًا إلى معسكر نتنياهو. هذا يثبت أن أحزاب المركز ليست ضمانة حقيقية ضد اليمين.
حتى ما يسمى بـ"الديمقراطيين" ليسوا ضمانة مطلقة، إذ يمكنهم الانضمام إلى حكومة وحدة مع اليمين، بينما نحن لا يمكن أن نفعل ذلك. نحن الأكثر وضوحًا وثباتًا في رفض أي حكومة يمين. وإذا أصبحنا قوة كبيرة ومؤثرة، فإن ذلك سيغيّر الخريطة السياسية بالكامل، لأنه سينقل الثقل إلى المعسكر المناهض لنتنياهو والمعارض للحكومة الحالية.
وعندها لن يكون بالإمكان تشكيل حكومة إلا إذا التزمت على الأقل بحد أدنى من المبادئ الأساسية التي نطرحها نحن من الخارج. كما حدث عام 2019، حين دعمنا من الخارج وفق شروط واضحة تتعلق بالمساواة المدنية والعدالة وإنهاء السياسات العنصرية. واليوم أيضًا سنستخدم قوتنا السياسية لضمان أولًا عدم عودة حكومة نتنياهو، وثانيًا لفرض التزام على أي حكومة بديلة بمجموعة مبادئ أساسية وحدّ أدنى من التغيير السياسي الحقيقي، لا مجرد استبدال أشخاص مع استمرار السياسات نفسها.
نحن لا نريد تغييرًا شكليًا فقط، بل تغييرًا سياسيًا حقيقيًا. لذلك نحتاج إلى أكبر عدد ممكن من الأصوات العاقلة داخل الكنيست، أصوات ترفض الانجرار نحو التطرف، وتضع حدودًا واضحة أمام أي جهة تسعى لتشكيل حكومة.
الخريطة السياسية في إسرائيل تتجه أكثر فأكثر نحو اليمين، حتى إن نتنياهو لم يعد يبدو الأكثر تطرفًا مقارنة بقوى أخرى. وجودنا وقوتنا وحجمنا يغيّر موازين هذه الخريطة السياسية.
الكرمل : كيف تنظرين إلى حضور النساء في الحياة السياسية ومواقع القيادة؟
نوعا ليفي : أعتقد أن وصول النساء إلى مواقع القيادة ليس قضية هامشية، بل ضرورة حقيقية لأي مجتمع يريد أن يكون ديمقراطيًا وعادلًا. النساء يواجهن صعوبات هائلة داخل العمل السياسي بسبب البنية الذكورية المسيطرة، التي لا تمنح النساء، خصوصًا الشابات، فرصًا متساوية للدخول والتأثير. كذلك، فإن الثقافة السياسية القائمة على القوة والتهديد والصراعات تجعل من الصعب على النساء العمل داخل هذا المجال.
ومع ذلك، لا يمكن لأي ديمقراطية حقيقية أن تقوم بينما نصف المجتمع غير ممثل في مواقع اتخاذ القرار. لذلك علينا أن نناضل من أجل مكاننا، حتى لو تعرضنا للهجوم أو الإهانة أو التشويه. يجب أن نطوّر قدرة على الصمود وألا نتنازل عن حقنا في الجلوس حول طاولة اتخاذ القرار، لأن هذا ليس مهمًا للنساء فقط، بل للمجتمع كله.
نوعا ليفي : أنا لا أعتقد أن السبب يعود فقط إلى الحزب نفسه، بل إلى واقع سياسي واجتماعي أعمق بكثير، مرتبط ببنية استعمارية وعنصرية داخل المجتمع الإسرائيلي. المجتمع اليهودي يعيش داخل منظومة تمنحه امتيازات معينة، وفي الوقت نفسه يتغذى على خطاب قومي قائم على التخويف والتحريض والعنصرية السياسية.
في السنوات الأخيرة شهدنا تصاعدًا مستمرًا في خطاب الكراهية، خاصة في كل ما يتعلق بالسلاح والحرب والخوف الأمني. لكنني أعتقد أن “الجبهة” تحديدًا تشكل قوة مضادة لهذا التيار، حتى لو كان من الصعب جدًا عليها أن تؤثر في ظل المناخ السياسي الحالي.
الكرمل : هل تعتقدين أن مواجهة هذا الواقع ممكنة في ظل تصاعد اليمين والقومية المتطرفة؟
نوعا ليفي : هذا السؤال من المفضل أكثر أن يكون موجهاً له . ولكن حسب ما نرى في الجلسات المغلقة وأيضاً في الإعلام ، فإنه يتحدث أكثر عن أنه يريد أكبر نقطة تأثير وهي الدخول للحكومة .
الكرمل : ما هو المطلب الذي يطلبه منصور عباس وترفضه الجبهة ؟
نوعا ليفي : لا يمكن تجاهل صعود النزعات القومية المتطرفة، فهذا واقع حقيقي. لكنه لن يختفي فقط لأننا نطرح خطابًا مختلفًا أو لأننا نعارض الصهيونية القومية المتشددة. المطلوب هو بناء قوة موازنة ومواجهة داخل المجتمع نفسه.
برأيي، دورنا هو أن نستثمر هذه القوة في جعل خطابنا أكثر حضورًا وعمقًا داخل المجتمع الإسرائيلي، وأن نصل إلى الناس الذين يشعرون اليوم بالخوف أو الإحباط أو الاغتراب السياسي. هناك دائمًا إمكانية لبناء بديل سياسي وأخلاقي، لكن ذلك يحتاج إلى عمل طويل النفس وإلى شراكة حقيقية بين العرب واليهود المؤمنين بالمساواة والديمقراطية.
الكرمل : عندما تتحدثون عن مشروع “الجبهة”، هل تخاطبون المجتمع العربي فقط أم المجتمع الإسرائيلي عمومًا؟
نوعا ليفي : نحن لا نتحدث فقط عن المجتمع العربي أو فقط عن المجتمع اليهودي، بل عن جمهور أوسع يتأثر بكل ما يجري حوله: الاحتلال، العنف، القومية، والخوف. لذلك التحدي الحقيقي أمامنا هو الوصول إلى الناس من مختلف الفئات والتأثير في وعيهم السياسي، لأن هذه القضايا لا تمس طرفًا واحدًا فقط، بل تؤثر على المجتمع كله.
الكرمل : كيف تحاولون إعادة بناء حضور “الجبهة” داخل المجتمع اليهودي؟
نوعا ليفي : خلال السنوات الأخيرة استثمرت الكثير من الجهد في إعادة “الجبهة” إلى الحضور داخل المجتمع اليهودي، بدءًا من انتخابات رئاسة بلدية تل أبيب عام 2017، ثم في محطات سياسية لاحقة أيضًا. كنا نؤمن أن من الضروري إعادة بناء خطاب عربي–يهودي مشترك داخل الشارع اليهودي، وليس الاكتفاء بالحضور داخل المجتمع العربي فقط.
قبل تأسيس المسار الجديد للنشطاء، الذي أصبح اليوم إطارًا يعمل فيه كثير من الرفاق السابقين معًا وينظمون نشاطاتهم بشكل جديد، كان مركز النشاط اليهودي الأساسي لـ”الجبهة” في تل أبيب والقدس، وهما المدينتان اللتان شكلتا لسنوات مركز العمل اليهودي داخل الحزب.
الكرمل : هناك من يرى أن الانقسامات التي شهدتها الجبهة في الوسط اليهودي خلال السنوات الأخيرة كانت فشلًا سياسيًا. هل توافقين على ذلك؟
نوعا ليفي : أعتقد أن الجواب هو نعم، جزئيًا على الأقل. كثير من النشطاء أصبحوا أكثر نشاطًا خارج الحزب، لأن الحزب نفسه لم ينجح دائمًا في أن يكون بيتًا سياسيًا حقيقيًا لهم. خارج الحزب توجد أحيانًا إمكانيات أوسع: ميزانيات، مشاريع مستقلة، مجموعات شبابية وتنظيمات مدنية، بينما الحزب لا يستطيع دائمًا توفير هذه الأدوات أو المساحات.
كما أعتقد أن الحزب لم يقدّر بما يكفي جهود بعض النشطاء الذين عملوا لسنوات طويلة، وهذا ساهم في حدوث الانقسام. لكن في النهاية، هذا الانقسام أضر بنا جميعًا.
الكرمل: رغم ذلك، هل تشعرين أن “الجبهة” تستعيد حضورها اليوم؟
نوعا ليفي : نعم، بالتأكيد. أنا شخصيًا دخلت إلى قيادة “الجبهة” في تل أبيب عام 2017، ومنذ ذلك الوقت بدأنا العمل على إعادة بناء النشاط الميداني. اليوم نحن في وضع مختلف تمامًا؛ “الجبهة” في تل أبيب تنمو مجددًا، ولدينا نشاطات يشارك فيها مئات الشبان في الشوارع، وهذا ليس أمرًا بسيطًا في الظروف السياسية الحالية.
كما نعمل حاليًا على إعادة بناء الفروع والخلايا التنظيمية في عدة مناطق، وعقدنا مؤخرًا اجتماعات لإعادة تفعيل أطر قديمة وتأسيس أطر جديدة. هناك شعور حقيقي بأننا نعود تدريجيًا إلى الحضور في الفضاء العام، وخاصة داخل المجتمع اليهودي، وهذا بالنسبة لنا تطور مهم جدًا.
نا شخصيًا أعتبر مهمتي الأساسية إعادة "الجبهة" إلى الشارع اليهودي، وليس فقط الاكتفاء بنشاط محدود في تل أبيب. قبل نصف عام تركت منصبي التنظيمي كي أفسح المجال لآخرين، لكنني ما زلت أعمل على مستوى قطري من أجل بناء مجموعات وفروع جديدة.
صحيح أن المجتمع الإسرائيلي، وخاصة اليهودي، يتحرك أكثر نحو اليمين والقومية والعنصرية، وقد تعمّق ذلك بعد السابع من أكتوبر. ومع ذلك، هناك أيضًا شريحة متزايدة تبحث عن خطاب مختلف: خطاب يهودي–عربي مشترك، مناهض للاحتلال، ورافض للحرب والكراهية.
الكثير من الإسرائيليين بدأوا يشعرون بالفجوة الكبيرة بين ما يحدث في إسرائيل وبين العالم، وهذا دفع جزءًا من معسكر السلام إلى البحث مجددًا عن شراكة عربية–يهودية حقيقية وعن بيت سياسي جديد.
وفي الانتخابات الحالية تحديدًا، بعد توحد "ميرتس" و"العمل" بقيادة يائير غولان، الذي دعم الحرب وصدرت عنه مواقف اعتبرها كثيرون صادمة، شعر عدد كبير من أنصار السلام بأن هذه الأحزاب لم تعد تمثلهم. من وجهة نظري، لم يعد هناك اليوم "يسار صهيوني" حقيقي كما كان في السابق. هذه الأحزاب تحولت عمليًا إلى أحزاب مركز.
ولهذا نحن نقول: إذا كنت يساريًا فعلًا، فمكانك الطبيعي معنا. والسؤال الحقيقي هو: هل سنفتح الأبواب لهؤلاء الناس ونقرّبهم، أم سنبعدهم؟ هذا قرار يتعلق بنا نحن.
الكرمل : هناك من يعتبر “الجبهة” حزبًا عربيًا أكثر منه إطارًا عربيًا–يهوديًا مشتركًا. كيف تردين على هذا الطرح؟ نوعا ليفي : أنا لا أعتقد أن التوجه السياسي لـ”الجبهة” عربي فقط. "الجبهة" منذ تأسيسها كانت وما زالت حزبًا عربيًا–يهوديًا. صحيح أن غالبية جمهورها اليوم من العرب، لأن معظم من يعارضون الاحتلال والأبرتهايد داخل إسرائيل هم من العرب، وهذا ينعكس طبيعيًا على اللغة والخطاب والقضايا اليومية.
المشروع السياسي لـ”الجبهة” منذ تأسيسها هو مشروع شراكة عربية–يهودية، حتى لو كانت هناك أحيانًا نزعات داخلية أو خطابات تعكس الواقع الاجتماعي العربي أكثر من غيره، بحكم طبيعة الجمهور والظروف السياسية المحيطة.
وفي الحقيقة، خلال سنوات طويلة كانت هناك انتقادات داخل المجتمع العربي تقول إن “الجبهة” تعطي مساحة أكبر من اللازم للشراكة اليهودية–العربية. أما اليوم فنحن نرى ظاهرة معاكسة؛ الكثير من الأحزاب بدأت تتحدث عن الشراكة العربية–اليهودية وتحاول إبراز شخصيات يهودية داخلها، وهذا يدل على أن النموذج الذي طرحته “الجبهة” منذ سنوات بدأ يكتسب شرعية أوسع داخل الساحة السياسية العربية أيضًا
الكرمل : لكنكِ تنتقدين أيضًا طريقة تعامل الأحزاب الصهيونية مع فكرة الشراكة العربية–اليهودية، لماذا؟
انوعا ليفي : لأن الكثير من الأحزاب الصهيونية تتذكر المجتمع العربي فقط خلال فترة الانتخابات. فجأة يبدأ الحديث عن العرب، عن الشراكة، عن المساواة، لكن في الواقع لا يوجد تغيير حقيقي في مكانة المواطن العربي داخل دوائر اتخاذ القرار.
برأيي، المشكلة الأساسية هي أن المجتمع الإسرائيلي ما زال ينظر إلى اليهودي باعتباره “المواطن الطبيعي”، بينما يُنظر إلى العربي باعتباره “الآخر” الذي يجب التعامل معه بحذر أو استيعابه بشكل محدود، لكن ليس كشريك كامل ومتساوٍ على طاولة صنع القرار.
الكرمل : هل تشعرين أن هناك قبولًا حقيقيًا للعرب داخل الحياة السياسية الإسرائيلية؟
نوعا ليفي : في كثير من الأحيان يوجد قبول شكلي أو رمزي فقط. هناك من يتقبل العربي طالما بقي في دور محدود أو غير مؤثر. يتقبلون المرأة العربية بالحجاب التي تقول “أنا معكم”، لكنهم لا يريدونها أن تكون صاحبة قرار أو أن تمتلك قوة سياسية حقيقية داخل المؤسسة.
يريدون “العربي المختلف” الذي يبدو مقبولًا ولطيفًا، لكن ليس قويًا أكثر من اللازم. وهذه مشكلة بنيوية في الثقافة السياسية السائدة.
الكرمل : وهل يختلف الوضع داخل “الجبهة” نفسها؟
نوعا ليفي : نعم، أعتقد أن الوضع مختلف داخل “الجبهة”. لم يتم التعامل معي أو مع الرفاق اليهود كواجهة تجميلية أو رمزية. كنا دائمًا جزءًا من النقاشات وصناعة القرار والخلافات السياسية أيضًا. صحيح أن هناك أحيانًا أخطاء أو لحظات نشعر فيها أن الأمور لا تُدار بالشكل الأفضل، لكن جوهر التجربة داخل “الجبهة” قائم على شراكة حقيقية.
الكرمل : ما هو التحدي الأكبر الذي يواجه “الجبهة” اليوم؟