احتاجت بريطانيا وفرنسا لأكثر من عقد من الزمان كي تدركا انهما ليستا المنتصرتان في الحرب العالمية الثانية، ونجاح اسرائيل في جر قوتين عظمتين لتحقيق مشروعها التوسعي من خلال العدوان الثلاثي على مصر عبد الناصر، (١٩٥٦) سرّع في غياب الشمس عن الامبراطورية البريطانية وأفول نجم فرنسا.
تلازم صعود الامبراطورية البريطانية مع السيطرة على مصادر الطاقة، فكان الفحم هو عنصر الطاقة الداعم لهيمنة الاستعمار الانجليزي.
ومع بروز النفط بديلا أنجع للطاقة ونجاح امريكا بالسيطرة على موارد الطاقة، لا بل وربطها بالدولار بديلا لمعادل الذهب، نجحت اسرائيل مرة اخرى من ربط مصالح الاستعمار المتجدد بنسخته الامريكية بمصالح اسرائيل التوسعية، كضريبة حماية مباشرة على تلك القوى العظمي كونها (اسرائيل) المخلب الضارب والفتاك لتلك القوى في منطقة تعتبر شريان الطاقة والحياة.
في أيلول ١٩٤٨ أشارت وثيقة عصبة التحرر الوطني (المعروفة باسم وثيقة توفيق طوبي) الى الدور الوظيفي الذي ستشغله الدولة اليهودية كرأس حربة الاستعمار في المنطقة، اذ جاء فيها: "ان نجاح هذه المشاريع الاستعمارية لا يسلب عرب فلسطين استقلالهم وحريتهم فقط، بل ويتهدد أيضا وفي الوقت نفسه، استقلال سورية ولبنان، ويقود الى تقوية النفوذ الاستعماري في البلاد العربية الأخرى، ويرمي الدولة اليهودية في أحضان الاستعمار الأنجلو–أمريكي نهائيا، عندئذ تصبح الدولة اليهودية خطرا حقيقيا يهدد السلم والحرية في الشرق الأوسط".
هذا الكلام قيل في أيلول من العام 1948 ، واذا ما أضفنا اليه ما جاء به المؤرخ الفذ إميل توما يستوقفني قوله: "الانجازات التي حققتها الصهيونية في فلسطين وفي المنطقة العربية، كانت ممكنة فقط في إطار المشاريع الامبريالية وفي خدمة أهدافها، وفي ظل تواطؤ النظام الرجعي العربي ومهادنة القيادة التقليدية العربية التي امتنعت عن مقاومة الامبريالية البريطانية ولجأت الى منافسة الصهيونية على كسب ودها".
من غير الواضح إذا ما أدركت مشيخات الخليج حجم ورطتها باستضافة هذا الكم من القواعد العسكرية، والتي باتت جاذبة للنار والدمار بخلاف ما وعد به "الحليف" المستعمر، من توفير الأمن والاستقرار مقابل الطاقة والاستثمارات الترليونية.
لست شريكا في الاعتقاد ان اسرائيل هي من يقود امريكا، ولا زلت اعتقد ان امريكا هي الكلب واسرائيل هي الذيل، لكن الذيل قد تضخم مرضيا بحيث اصبح يشكل خطرا حقيقيا على المنطقة وعلى سلامة الكلب (امريكا) ذاته.
قد تكون مفاتيح ملفات ابستين بيد الموساد دافعا ثانويا للحرب على ايران، لكن الدافع الأبرز هو التوسع الصهيوني المتشابك مع مصالح أمريكا بالهيمنة على مصادر الطاقة، لا سيما مع ظهور بوادر الافتكاك بين النفط والدولار، وصعود الطاقة المتجددة ودور الصين المتنامي لاستبدال النفط والغاز بالطاقة البديلة والنظيفة.
وكما نجحت اسرائيل في جر بريطانيا وفرنسا الى فخ السويس ٥٦، وبالتالي الى حتفهما الامبراطوري، نجحت مرة أخرى في جر أمريكا الى فخ هرمز ٢٠٢٦ وبالتالي الى حتفها الامبراطوري.
في اعتقادي المتواضع ما زالت الحرب في بداياتها. فما لم تقدم عليه الصين (النووية) من مواجهة في تايوان ربما كانت ستحسم مستقبل التقاطب العالمي، وما لم تجرأ روسيا (النووية) على حسمه في اوكرانيا ( وهي بالمناسبة قادرة على الحسم) لاعتبارات وتوازنات في غير صالحها، استطاعت ايران (غير النووية) ان تبسط سيطرتها على أهم مضائق وطرق إمداد الطاقة، مضيق هرمز ومضيق باب المندب أيضا إن اقتضت الضرورة، وأن تقف في وجه امريكا واسرائيل كقوتين نوويتين، لم تبخلا بكل ما تملكان من ترسانة تدميرية، وبالتالي وضع وحدانية قطبية أمريكا على المحك.
مع انهيار الاتحاد السوفييتي وانتصار القطب الامريكي الأوحد، كتب زبيغنييف بجيجينسكي، مهندس هذا النصر، :"مع سقوط الاتحاد السوفييتي انتهى عصر الثنائية القطبية وبدأ عصر القطب الأوحد - عصر أمريكا"، لكن سرعان ما أعاد بجيجينسكي النظر في روايته، لا سيما مع مؤشرات التراجع الاقتصادي في أمريكا ومؤشرات النمو الاقتصادي للصين، وفي الخلفية إخفاقات أمريكا العسكرية في أفغانستان والعراق، قائلا: "أمام أمريكا واحد من خيارين، إما التعايش والتعاون مع الأقطاب الصاعدة لتغدو قطبا مميزا بين أقطاب أخرى، وإما المواجهة الاقتصادية والعسكرية الى حد الحرب الشاملة".
في الحقيقة لم يخترع ترامب الدولاب من جديد، ولا تبدو سياسته غير استمرار لنفس سياسة جورج بوش الابن وسياسة أوباما وبايدن، وإمعان في استخدام نفس دولاب الهيمنة والعدوان. لكن محطة هرمز وايران مختلفة جوهريا عن محطة العراق وعن أفغانستان، وهي أكثر حالة فيتنامية لن تخرج منها أمريكا كما كانت، وفي أفضل السيناريوهات ستكون قطبا شرسا بين أقطاب متعددة.