انقل الخبر النهائي
xxxxxxxxxxxx xxxxxxxxxxxx

من يسيطر فعلاً على رواية الحرب؟

بين الواقع والتصريحات، من يسيطر فعلاً على رواية الحرب؟

بين الواقع والتصريحات، من يسيطر فعلاً على رواية الحرب؟

بقلم : امين زاهر
 

في بداية المواجهة مع إيران وحزب الله، بدا وكأن إسرائيل وحلفاءها حققوا إنجازًا دراماتيكيًا. ضربات على منشآت استراتيجية، وعمليات اغتيال دقيقة، وإلحاق ضرر بقدرات بُنيت على مدى سنوات — كل ذلك خلق إحساسًا واضحًا بأن الحسم بات قريبًا.

لكن بعدها جاءت الحقيقة.

فبعد أكثر من شهر من القتال المكثف، يتضح أن العدو لم ينهَر. بل على العكس، تأقلم، وأعاد تنظيم صفوفه، ويواصل القتال بقوة. لا تبدو إيران مهزومة، ولا يتصرف حزب الله كقوة مكسورة أو مردوعة. هذه لحظة تفرض طرح سؤال: هل تلقّى الجمهور صورة كاملة، أم مجرد رواية جزئية؟

التاريخ يثبت مرارًا أن الضربة الأولى القوية لا تضمن النصر. حتى في حرب لبنان الثانية، تحوّل الإحساس الأولي بالأمان بسرعة إلى قتال معقّد وطويل.

السبب بسيط: دول وتنظيمات مثل إيران وحزب الله تستعد تحديدًا لهذا السيناريو. فهي تبني قدراتها بحيث تستطيع امتصاص ضربة قاسية ومواصلة القتال. بنى تحتية موزعة، منظومات احتياط، وأيديولوجيا تغذي الصمود — كل ذلك يجعل فكرة “الحسم السريع” وهمًا خطيرًا.

وبالتوازي مع القتال العسكري، تدور أيضًا حرب على الوعي. تميل الحكومات، بما في ذلك في إسرائيل، إلى إبراز الإنجازات وتقليل التعقيدات. هذا أسلوب معروف يهدف إلى الحفاظ على معنويات الجمهور، لكنه في المقابل يثير القلق والمخاوف والحزن.

هناك خط رفيع بين تقوية الجمهور وخلق وهم. فعندما يُقال للجمهور إن العدو “تعرّض لضربة قاسية” أو “رُدع” أو “على وشك الانهيار”، بينما في الواقع يواصل العمل وإلحاق الضرر، تتكوّن فجوة. وهذه الفجوة لا تقل خطورة عن التهديد الأمني نفسه، لأنها تآكل الثقة. ثقة الجمهور بقيادته تتضرر.

ومن الأخطاء الشائعة قياس النجاح فقط من خلال التدمير الكامل للعدو. في الواقع، بالنسبة لجهات مثل حزب الله وإيران، فإن مجرد القدرة على الاستمرار في إطلاق النار والعمل وإظهار الصمود تُعد إنجازًا بحد ذاته. إن بقاء إيران هو — من وجهة نظرهم — انتصار.

هذه لعبة مختلفة: إسرائيل تبحث عن الحسم، بينما يسعى العدو إلى البقاء والاستنزاف، وفي هذه اللعبة يعمل الزمن بشكل مختلف.

المشكلة ليست في أن الحرب معقّدة، فهذا طابع كل الحروب. المشكلة تبدأ عندما يتلقى الجمهور صورة مبسطة أكثر من اللازم، ومضلِّلة ومربكة.

الحقيقة أن الضربة الأولى قد تكون ناجحة، لكن العدو لا ينكسر بالضرورة، والطريق إلى الحسم — إن وُجد — طويل ومليء بالمنعطفات.

الجمهور الذي يفهم ذلك يكون أقوى. أما الجمهور الذي يُغذّى بالشعارات، فيكون أكثر هشاشة في ظل عدم اليقين، وأكثر ارتباكًا وإحباطًا.

الحروب لا تنتهي وفق التصريحات، بل وفق القدرة الحقيقية على تغيير الواقع. وحتى يتحقق ذلك، فإن كل إعلان عن “نصر” هو في أفضل الأحوال أمل، وأحيانًا وهم.

التحدي الحقيقي أمام القيادة ليس فقط الانتصار في ساحة المعركة، بل أيضًا قول الحقيقة للجمهور: هذه الحرب، مثل كثير من الحروب قبلها، لن تنتهي سريعًا، ولن تكون بالضرورة كما وُعد في بدايتها.

وأخيرًا، أود الإشارة إلى الإعلام العبري في إسرائيل، الذي — بحسب فهمي — أصبح إعلامًا مُجنَّدًا، إعلامًا تابعًا، لم يعد موضوعيًا أو نقديًا، بل يتسم بالتعالي والاستخفاف بالعدو وقدراته، ولا يقرأ الواقع كما هو.

ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة،  عن رأي الموقع
للمزيد : أرشيف القسم