رغم الحرب مع إيران واستمرار حالة الطوارئ والإنذارات والملاجئ والغرف المحصّنة التي استمرت شهرًا كاملًا، لا تزال أعمال العنف في المجتمع العربي داخل إسرائيل مستمرة كما كانت قبل الحرب. بل لم يُسجَّل أي تراجع في هذه الظاهرة رغم أن الحرب تمسّ الجميع. فقد قُتل رجل في الثلاثين من عمره بإطلاق نار في الناصرة بتاريخ 14.3.2026، وأُصيب رئيس بلدية عرابة ونائبه بإطلاق نار في 8.3.2026، وقُتل شاب في الخامسة والعشرين من عمره في أم الفحم بتاريخ 16.3.2026، كما قُتل رجل يبلغ 55 عامًا في الناصرة بتاريخ 7.3.2026. وهذه مجرد أمثلة على حوادث العنف التي وقعت خلال الشهر الأخير بالتزامن مع الحرب مع إيران. ما يدل على أن وتيرة العنف لم تنخفض، بل تستمر خصوصًا في الشمال، الذي يتعرض في الوقت نفسه لهجمات من إيران ولبنان، الأمر الذي لم يردع المجرمين ولم يقلل من استخدام السلاح غير القانوني.
وإلى جانب مشكلة الجريمة بشكل عام وانعدام الأمان في البلدات العربية، تبرز ظاهرة خطيرة في المجتمع العربي وهي العنف ضد النساء، وخاصة جرائم قتل النساء. ففي بعض البيئات التقليدية، يُمنح هذا النوع من العنف نوعًا من الشرعية، إذ لا يُتصوَّر أن يقتل الرجل امرأة دون “سبب/ مبرر”، وغالبًا ما يتم إلقاء اللوم على الضحية. فإذا قُتلت امرأة على يد زوجها، يُقال إنها خانته، وإذا خانته فهي “تستحق”، وكذلك في حالات القتل داخل العائلة بسبب سلوك يُعتبر “غير مقبول” أو مخالفًا للأعراف.
في المجتمع العربي، قد يكفي مجرد الشك بخيانة المرأة لتبرير قتلها، مع تجاهل احتياجات أسرتها، خاصة أطفالها. وهناك اعتقاد خاطئ لدى البعض بأن الإسلام يجيز ذلك، لكن في الحقيقة، فإن الإسلام يرفض هذا النوع من العنف. ففي الآية 229 من سورة البقرة، يُؤكد الإسلام على مبدأ “التسريح بإحسان”، أي أن الانفصال يجب أن يتم بكرامة ورحمة، مع الحفاظ على الاحترام المتبادل وعدم الإضرار بالطرف الآخر، سواء جسديًا أو معنويًا، وعدم كشف أسرار الحياة الزوجية. وبالتالي، فإن الإسلام لا يجيز إيذاء المرأة لا جسديًا ولا معنويًا، حتى في حالات الخيانة أو الشك بها.
كما يؤكد الإسلام أن قتل النفس البريئة من أعظم الذنوب، ولا توجد أي مبررات دينية لقتل الزوجة أو الشريكة. هذه الممارسات تتعارض مع الدين، والقانون، والأخلاق، وهي ناتجة عن مزيج من الأعراف الاجتماعية والضغط المجتمعي المرتبط بمفهوم “شرف العائلة”، حيث يُنظر إلى سلوك المرأة كجزء من شرف جماعي، ما يولّد ضغطًا قد يتغلب أحيانًا على القانون والدين.
وفي بعض الحالات، حتى لو لم يكن هناك تبرير صريح للقتل، فإن محاولة تفسيره بقول “قتلها لأنها خانته” تُعد نوعًا من إضفاء الشرعية الضمنية، لأنها تعكس ثقافة لوم الضحية. والأمر الذي يثير علامات الاستفهام ويعكس حالة من التضليل الاجتماعي، أن بعض النساء أنفسهنّ يشاركن في إدانة الضحية، ويُروّجن لفكرة أن سبب قتلها هو بالضرورة خيانتها. هذا الموقف لا يعبّر فقط عن تبنّي رواية الجاني، بل يعكس عمق ترسّخ ثقافة لوم الضحية داخل المجتمع، حتى لدى من يُفترض أن يكنّ أكثر تعاطفًا معها. كما أن هناك ميلًا في بعض المجتمعات لعدم التدخل في “شؤون العائلة”، ما يؤدي إلى عدم الإبلاغ عن العنف أو منعه، إضافة إلى ضعف تطبيق القانون والخوف من تقديم الشكاوى، وهو ما يسمح باستمرار العنف بل وتصاعده.
ورغم أن المجتمع العربي في إسرائيل شهد عمليات تحديث، إلا أن التحديث لا يغيّر القيم بالضرورة بالسرعة نفسها. فبينما تتغير مجالات مثل التعليم والعمل بسرعة، تبقى مفاهيم الشرف والهيمنة الجندرية أبطأ في التغير، ما يخلق صراعًا بين القيم التقليدية والحديثة. ومع ذلك، لا تمثل هذه الظواهر رأي المجتمع كله، إذ توجد معارضة داخلية قوية من نساء، ورجال دين، ونشطاء اجتماعيين، وعائلات كثيرة.
وخلال العقد الأخير، حدث تقدم في الوعي والتشريعات والخطاب العام، حيث ازداد الحديث العلني عن العنف الأسري، وظهرت مبادرات وحملات داخل المجتمع العربي. كما ساهمت أحداث في المجتمع اليهودي في كسر الصمت وتعزيز الوعي بأن العنف ليس “قضية عائلية” بل جريمة. كذلك، شهد الجيل الشاب تغيرًا ملحوظًا، حيث أصبحت النساء أكثر تعليمًا وانخراطًا في سوق العمل، ما أدى إلى تبني قيم أكثر نقدًا لمفاهيم “الشرف”.
كما طرأت تغييرات في السياسات والقوانين في إسرائيل، مع زيادة استخدام أوامر الحماية، وتوسيع صلاحيات التدخل الاجتماعي والشرطي، وإطلاق برامج مخصصة لمكافحة العنف ضد النساء. وجرى أيضًا الاعتراف بأن العنف في المجتمع العربي ظاهرة واسعة تتطلب خططًا خاصة.
ورغم ذلك، فإن الواقع ازداد سوءًا، إذ ارتفعت معدلات الجريمة والعنف بشكل كبير، وتشكل البلدات العربية نسبة عالية من جرائم القتل في إسرائيل، كما أن النساء العربيات أكثر عرضة للخطر داخل الأسرة. ويعكس ذلك فجوة بين تطور الخطاب والواقع الفعلي، تعود إلى انتشار السلاح، وتنامي الجريمة المنظمة، وضعف الثقة بالمؤسسات، واستمرار بعض القيم التقليدية.
وهكذا، شهد العقد الأخير مسارين متوازيين: تقدم في الوعي والأدوات القانونية والنقد الداخلي، مقابل تصاعد في العنف، ما أبقى النساء في دائرة الخطر. فالمجتمع تغيّر، لكن بوتيرة أبطأ من سرعة انتشار العنف.
وخلال الحرب، لم يتراجع هذا الواقع، رغم ضعف وسائل الحماية في البلدات العربية وغياب الملاجئ الكافية، حيث يضطر السكان للاختباء في غرف داخلية. ومع ذلك، تستمر حالات العنف ضد النساء، حتى في هذه الفترة الحساسة التي يحتاج فيها الأطفال إلى الأمان والدعم.
كما تزامنت الحرب مع شهر رمضان، ورغم أن الظروف حالت دون الاحتفال به كما يجب، فإن ذلك لم يؤدِّ إلى الحد من العنف، بل استمرت حوادث القتل حتى خلال هذا الشهر. ولا يظهر لدى الجناة إدراك لخطورة أفعالهم، كما أن بعض مواقف المجتمع تمنحهم دعمًا ضمنيًا، دون النظر إلى الأضرار الكبيرة التي تلحق بالأطفال الذين يفقدون أمهاتهم.
وفي النهاية، يواجه المجتمع العربي خطرًا مزدوجًا: خطر الحرب من الخارج، وخطر العنف من الداخل، حيث تبقى النساء مهددات داخل بيوتهن، إضافة إلى التهديدات الأمنية العامة.