حينما يدافع البعض عن مسألة محلية تتعلق بانتقاد لمواقف قياداتنا على مر التاريخ الفلسطيني أونهج وتصرف للناس عامة أو لبعض المسؤولين ، فأنهم يصفون المنتقد ب"جلد الذات" ! ( وهو تعبير غير لائق)، وهذه طريقة عاطفية للتهرب من الانتقاد والمسؤولية، ولتغيير موضوع الانتقاد لإنه حاد أو لأنه لا رد لهم عليه. فهم لا يناقشونك كمنتقد، ولا يتحدثون بموضوعية، ولا يأتون حتى بالحجج الواهية بل يقولون أن هذا " جلد للذات" ، لا لزوم له ، وهذا " ليس وقته الآن" والمنتقد مذنب لأنه أثار الموضوع.
حينما ننظر إلى الحالة التي آل إليها شعبنا الفلسطيني في كل مجموعاته و"أوطانه" المختلفه، وننظر إلى ما ينتظره من مستقبل وآفاق في الظروف الجديدة التي أفرزتها من سمت نفسها بحركة المقاومة الإسلامية، وقضت على كل الإنجازات السياسية التي أنجزها شعبنا المشتت والمطرود والمحتل والمنكوب، نجد أنفسنا وقد فقدنا الأمل نهائياً بدولة فلسطينية مستقلة على أقل من ربع مساحة فلسطين التاريخية. والحقيقة أن أخطاءنا كشعب ، أو بالأحرى أخطاء قياداتنا المتعاقبة منذ ألحاج أمين الحسيني وحتى الحاج يحيى السنوار، هي أخطاء سياسية تارخية فادحة أضاعت كل فرصة كانت متاحة لشعبنا أن لا يصل إلى ما وصل إليه اليوم . لم يفوّتوا أية فرصة لتفويت الفرص، من قرار التقسيم الذي أعطانا أكثر من نصف مساحة فلسطين المأهولة إلى الوضع الحالي الذي لا يضع أمامنا أملاً بخُمس مساحة فلسطين التاريخة. وبين هذا وذاك كانت فرص عديدة لحلول وسط تمنح الشعب الفلسطيني شروطاً أفضل بكثير من شروط اليوم كاقتراح السادات لحكم ذاتي للفلسطينيين في المناطق المحتلة في وقت لم تكن فيه أية مستوطنة يهودية في الضفة . اعتبرنا السادات خائناً عميلاً لأمريكا لكن ثبت أنه كان حكيما ومخلصاً لبلاده، جربنا بعده ثلاثة رؤساء في مصر لم يكونوا بأفضل منه في أي شيء. تعاملنا منذ البداية مع الملك حسين على أنه عميل لبريطانيا وارتكبنا خطأً جسيماُ بمحاربته في عقر داره التي آوتنا، وجلبنا لأنفسنا أيلول الأسود والطرد من الأردن التي كانت بيتنا ( وأنا اتكلم هنا عن أخطاء فتح ، وهذا لا يعفي النظام الأردني من المسؤولية طبعاً). ولو تصرفنا بحكمة في تلك الفترة لتغير وجه تاريخنا. وليتنا تعلمنا من الملك حسين الحنكة والحكمة السياسية بدلاً من محاربته علناً. ذهبنا إلى لبنان ولم نتعلم من درس أيلول ، أٌقمنا فيها معسكرات التدريب وبعدها الحواجز العسكرية للبنانيين، أهل ابلاد، في طرقاتهم وبين بلداتهم حتى حاربونا هم أيضاً وحاربناهم في بلادهم التي آوتنا، وجلبنا لأنفسنا أزمة سياسية غيرت وجه المقاومة. ولم نجلد أنفسنا ولو مرة واحدة، ولم نعترف بأخطائنا ابل اتهمنا الجميع بالتآمر علينا واتهمناهم بالتسبب في هذه الحروب الأهلية والتعاون مع اسرائيل وأمريكا، ولم نفحص إذا كان من قادتنا من يتعاون مع إسرائيل وأمريكا والأنظمة العربية. طبعاً أنا لا أنتقص هنا من مسؤولية الملك حسين أو كتائب لبنان إو الجيش السوري في لبنان ونظام الأسد- الأب أو إسرائيل أو أمريكا في كل ما جرى، ولكنني أتكلم عن مسؤوليتنا نحن وأخطائنا نحن، وهذا هو موضوعي. رفضنا كل الاقتراحات وكل الحلول وطالبنا بتحرير فلسطين كاملة مع علمنا أن ذلك مستحيل . لم نبحث هذا الموضوع في أي مؤتمر أو لجنة أو منظمة أو تنظيم ، بل بالعكس فإن قسماً كبيراً من التنظيمات الفلسطينية أقام "جبهة الرفض" ، التي ليس فقط رفضت كل الحلول المقترحة بل حاربت من لا يرفض حتى من داخل منظمة التحرير الفلسطينية . ثم جاء الخطأ الكبير بإقامة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) كبديل سياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية التي حصلت على الإعتراف الدولي من كل دول العالم ومن الأمم المتحدة ، وأعلنت حماس أن منظمة التحرير الفلسطينية ليست هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني ، وكتبت على الجدران في شوارع المدن والمخيمات الفلسطينية أن القرآن الكريم هو الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني ، استغلالاً للمشاعر الدينية من أجل هدم إنجازات منظمة التحرير. واعتلت إسرائيل على الموجة وأججت الخلاف والصراع بين الجهتين . ولم نجلد أنفسنا على كل هذا ولم يجرؤ أحد على انتقاد حماس التي رفعت الشعارات العاطفية غير الواقعية وعادت تنادي بتحرير كل شبر من فلسطين، وتعد الشعب الفلسطيني بما يسمى " وعد الآخرة" مستغلة نصوصاً في القرآن الكريم لتثبت للناس أن الله سيمكنهم من تحرير فلسطين كاملة .
ثم قامت حماس بالعمليات الانتحارية والأحزمة الناسفة وقتل المدنيين الإسرائيليين بلا حساب، وتلاها خطأ السلطة الفلسطينية باستعمال السلاح في الانتفاضة الثانية قاضيةً بذلك على إنجازات الإنتفاضة الأولى، إنتفاضة أطفال وشباب الحجارة.
ثم قامت حماس بالانقلاب الدموي ضد السلطة الفلسطينية في غزة عام 2006 فقتلت موظفي وممثلي السلطة الفلسطينية ومواطنين أبرياء لا دخل لهم بالسياسة وأدت بذلك إلى أكبر انقسام بين أبناء الشعب الفلسطيني وهدمت وحدته، هذه الوحدة التي بنتها منظمة التحرير وحافظت عليها كأكبر إنجاز للفصائل الفلسطينية المسلحة وغير المسلحة، وكاد هذا الأمر أن يشعل حرباً أهلية لولا حكمة السلطة الفلسطينية.
ثم ارتكبت حماس مجزرة السابع من أكتوبر 2023 لتقضي على أي أمل بتحرير أي جزء من فلسطين ولتجلب النكبة الثانية الكبرى على شعبنا الفلسطيني . ألا يستحق ذلك جلد الذات؟ لم يكن هناك أي جلد للذات، ووقف معظم الشعب الفلسطيني يدافع عن حماس بعضهم سراً وبعضهم علناُ وما زالوا كذلك إلى اليوم . وكلنا نعلم وأنتم تعلمون، أن غالبية قادة شعبنا حتى الآن، وفي كل أماكن وجوده، وغالبية أتباع هؤلاء القادة، ما زالوا يدافعون عن مجزرة حماس وخطئها السياسي والإنساني والعسكري وكأن مسؤولية ما جرى في غزة بعد ذلك تقع على إسرائيل وأمريكا فقط، وأن ما فعلته حماس هو مقاومة مشروعة . وهذا هو أكثر ما يستوجب جلد الذات، لأنه ما زال جارياً ولا نندم عليه ولا نرى أخطاره وتدميره للقضية الفلسطينية ونتهم الآخرين بكامل المسؤولية ونبرئ أنفسنا وقادتنا من المسؤولية عن نكبة الشعب الفلسطيني الجديدة .
أكررمرة أخرى: موضوعي هو نقاشنا مع أنفسنا ودورنا بالأخطاء التي ارتكبناها، بالأساس كقيادات، وليس فيه أي إعفاء، طبعاً، من مسؤولية الآخرين كحكومات إسرائيل المتعاقبة كلها، والولايات المتحدة وبريطانيا التي كانت عظمى والمجتمع الدولي عامةً. إنما آن الأوان لفتح ملف فلسطين كاملاً والحديث عنه بصراحة ونقاشه حتى نتجنب كوارث أخرى وحتى نصحح مسارنا وأفكارنا ونلائم أنفسنا للتطورات التاريخية والسياسية التي تغيرت كثيراً عن الأعوام 1936،1947، 1948، 1956، 1967، 1673، 1982، 1993 وما تلاها من تطورات في الانتفاضتين وإقامة السلطة الفلسطينية وانقلاب حماس الدموي 2006، وحروب غزة حتى 2023 وما تلاها من كارثة ونكبة .
ان ما يصطلح على تسميته بـ "جلد الذات" ليس عيباً أو خيانة، بل هو واجب وطني من الدرجة الأولى وضرورة حتمية لدراسة الأخطاء وتصحيح المسار. إن التذرع بأن الانتقاد "ليس وقته الآن" هو مجرد وسيلة عاطفية للتهرب من المسؤولية أمام أخطاء فادحة أضاعت فرصاً تاريخية لشعبنا، من قرار التقسيم وصولاً إلى المبادرات التي كانت تمنحنا شروطاً أفضل بكثير مما نحن عليه اليوم. وإن لم نفعل ذلك بشجاعة وصراحة فستنتظرنا بالتأكيد كارثة أخرى نهائية . وإن ناقشنا وتعلمنا الدروس من أخطائنا فقد نخفف من كوارثنا أو نحصل على أكثر مدى نستطيع الحصول عليه مما تبقى من إنجازات لشعبنا .
ولن يتصدق علينا أحد بأي إنجاز ما لم نفعل ذلك .
إن استغلال الدين لضرب منظمة التحرير، ثم الانقلاب الدموي في غزة عام 2006، وصولاً إلى مجزرة السابع من أكتوبر 2023، لم يجلبا سوى الانقسام والنكبات المتتالية التي قضت على أي أمل في التحرير. وما يستوجب "جلد الذات" حقاً هو استمرار الدفاع عن هذه الخطايا السياسية والإنسانية وتبرئة القيادات من مسؤولياتها عن النكبة القديمة والجديدة.
وخلاصة القول يجب التأكيد على النقاط التالية:
- تغيير المصطلح: الانتقاد السياسي ليس "خيانة" أو "تحريضاً"، بل هو "مكاشفة وطنية" "'صحوة ضمير" ضرورية بالذات لتوعية الجيل الصاعد، الضائع المنكوب- سياسياً/اجتماعياً/نفسياُ واقتصاديا ، وذلك لتجنب الكوارث النهائية.
- فصل السياسة عن الدين: إن الدولة والسياسة تُبنى بالعقل والواقعية لا بالشعارات الدينية؛ ففصل الديني عن السياسي هو حماية للدين من التشويه وحماية للسياسة من القداسة الزائفة التي تمنع المحاسبة.
- الوضوح والشجاعة: إن لم نفتح ملف فلسطين كاملاً ونناقش أخطاءنا بشجاعة وصراحة، فإننا ننتظر كارثة أخيرة لن ينقذنا منها أحد.
- إن مراجعة المسار والتعلم من الدروس المؤلمة هو السبيل الوحيد للحفاظ على ما تبقى من إنجازات شعبنا وضمان عدم تكرار مآسي الماضي.
- "جلد الذات" ( وهذا التعبير هو مشوَّه) هو تعبير مبالغ فيه للانتقاد الذاتي وفتح النقاش الصريح بشجاعة، رغم الألم، وهو ضروري لدراسة ونقاش الأخطاء وتصحيح المسار وليس عيباً بل هو واجب وطني من الدرجة الأولى.