خرجت شرطة منطقة الضفة الغربية من المشهد، وأصبح جهاز الأمن العام (الشاباك) غير ذي صلة، وتلاشت الحدود تمامًا بين المدنيين الإسرائيليين والجيش في الضفة. مشروع "تطهير" المناطق من العرب يكتسب زخمًا، ولا أحد يوقفه. يقول أحد جنود الاحتياط: "حتى عندما يُنشر أن أحداثًا ستقع، نصل بعد وقوعها".
حتى إدارة دونالد ترامب بدأت تستيقظ. فقد حذّر مؤخرًا سفير الولايات المتحدة في القدس، مايك هاكابي، وهو من المؤيدين المتحمسين لفكرة "أرض إسرائيل الكاملة"، مرارًا من الأضرار المتراكمة لما يُسمى الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية. كما قال نظيره في واشنطن، يحيئيل لايتر، في مقابلة هذا الأسبوع إن توسع الظاهرة "يبعد أصدقاء إسرائيل الحقيقيين في الولايات المتحدة". كما ورد في صحيفة "يسرائيل هيوم" عن محادثة حادة بين نائب الرئيس جي دي فانس ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، طُرحت فيها من الجانب الأمريكي ادعاءات عن فوضى و"سلوك دولة متخلفة" في الضفة (لاحقًا نفى فانس التقرير).
بعد عدة حوادث عنيفة قُتل وأُصيب خلالها فلسطينيون بإطلاق النار وبالهراوات من قبل مستوطنين، قام رئيس الأركان إيال زامير بزيارة الضفة وغور الأردن خلال الحرب على إيران. وأطلق تحذيرات ترددت أيضًا في رسالة قائد المنطقة الوسطى آفي بلوت إلى جنوده. كما اضطر نتنياهو للتعامل مع القضية، حيث زار مقر القيادة الوسطى في القدس قبل أسبوع، وتناول جزء من النقاش "الإرهاب اليهودي". وقال مقربه لايتر إن رئيس الوزراء "ضرب على الطاولة وطالب بمعالجة جذرية للمشكلة".
وبفعل الضغط الأمريكي، سُرّب أن الحكومة تنوي اتخاذ خطوة عملية: إنشاء وحدة في وزارة الدفاع للتعامل مع "شباب التلال" وسكان البؤر الاستيطانية والمزارع، المسؤولين عن جزء كبير من الهجمات العنيفة ضد الفلسطينيين. وسيُخصص لهذه الوحدة 130 مليون شيكل خلال السنوات الثلاث القادمة. ربما أثار ذلك إعجاب واشنطن، لكن في إسرائيل والأراضي أقل بكثير. فقد قال ضابط احتياط كبير لصحيفة "هآرتس" إن الأموال قد تصل في النهاية إلى المجالس الإقليمية في الضفة وتُستخدم لصالح البؤر بدل معالجة جذور العنف. وأضاف: "هذا كلام فارغ. المشكلة ليست المال، بل تطبيق القانون من قبل الجيش والشرطة والشاباك".
ردود المؤسسة الإسرائيلية على الظاهرة، وكذلك جزء كبير من التغطية الإعلامية، تقوم على تضليل مستمر. يجري هنا ما يشبه حملة "تضليل نفسي" كاملة. من "الضرب على الطاولة" من قبل نتنياهو، إلى الادعاء بأن العنف يشتت الجيش عن محاربة "الإرهاب الفلسطيني"، وصولًا إلى الادعاء بأن هذه الأفعال "تضر أولًا بالاستيطان".
الحقيقة، كما قال مسؤولون في الجيش والشاباك، أكثر تعقيدًا وأقل راحة. لا يتعلق الأمر بمجموعة صغيرة فقط. فهناك مئات الأشخاص، وليس فقط نحو 70 شابًا كما زُعم سابقًا، يشاركون في هجمات واعتداءات مستمرة ضد مجتمعات بدوية وفلسطينية، أحيانًا باستخدام السلاح الناري. كما يوجد حولهم نظام دعم واسع، فيما الإدانات غالبًا شكلية.
تستمر التغطية السياسية والدينية، بينما لم يعد المنفذون أنفسهم يحاولون إخفاء أفعالهم. بل ينشرون شهريًا بيانات عن الهجمات باعتبارها مصدر فخر. فملخص شهر واحد تضمن هجمات على نحو 20 قرية، وإحراق 16 منزلًا و19 سيارة ومسجدين، وإصابة 37 فلسطينيًا، وتكسير مئات النوافذ، واقتلاع مئات أشجار الزيتون.
تشمل البيئة الداعمة أيضًا بعض وسائل الإعلام التي تنكر وجود "إرهاب يهودي" أو تقلل من شأنه. لكن العنصر الأساسي يحدث في التفاعل بين المستوى السياسي والمستوطنين والمؤسسة الأمنية. حتى الحكومات السابقة لم تكن فعالة، لكن وزير الدفاع الحالي يسرائيل كاتس ألغى الاعتقالات الإدارية لليهود فور توليه منصبه. كما خرجت شرطة الضفة عن السيطرة، وتعرضت الوحدة اليهودية في الشاباك لضغوط سياسية، بينما يتبنى رئيس الجهاز الجديد دافيد زيني تفسيرًا ضيقًا لمفهوم "الإرهاب اليهودي".
الجيش يتحدث بأصوات متعددة: الواقع لا تحدده خطابات القادة، بل أفعال الضباط في الميدان، الذين يصلون متأخرين ويترددون في التدخل. كما أن قرار دمج مئات من سكان البؤر في منظومة الدفاع الإقليمي زاد الفوضى، وطمس الحدود بين المدنيين والجيش.
في الخلفية، تلعب تداعيات أحداث 7 أكتوبر دورًا. يحذر المستوطنون من هجمات فلسطينية محتملة، لكن تحت غطاء هذه المخاوف، تُستغل الحرب لتوسيع الاستيطان وعمليات التهجير.
يفتخر الجيش مؤخرًا بانخفاض الهجمات الفلسطينية، لكنه قد يكون مؤقتًا، إذ يعيش الفلسطينيون حالة خوف شديد. ويعتقد مسؤولون في السلطة الفلسطينية أن إسرائيل قد تتحرك لاحقًا للسيطرة الكاملة على مناطق السلطة.
السيادة الفعلية
كما ذُكر سابقًا، يُعتبر بتسلئيل سموتريتش الوزير الأكثر تأثيرًا، ليس كوزير مالية بل من خلال دوره في وزارة الدفاع، حيث أصبح فعليًا صاحب القرار في الضفة. وتشمل خطته توسيع السيطرة عبر إنشاء أكثر من مئة بؤرة ومزرعة، مع دفع الفلسطينيين إلى مناطق محدودة.
في العديد من الحوادث، يشارك سكان البؤر وهم يرتدون زيًا عسكريًا جزئيًا ومسلحين بأسلحة عسكرية ويتنقلون بمركبات قدمتها الحكومة. ويُقدَّمون إعلاميًا كـ"رواد صهيونية جدد"، لكنهم في الواقع يعملون كذراع عسكرية للمشروع الاستيطاني بدعم سياسي.
ومنذ منتصف فبراير، تصاعدت الاشتباكات بشكل كبير، حيث قُتل تسعة فلسطينيين وأصيب أكثر من عشرة في غضون شهر. ورغم التحقيقات، لا يُتوقع نتائج سريعة.
وفي حادثتين أخيرتين، زادت التوترات: الأولى عندما أطلقت وحدة مستعربين النار على سيارة فلسطينية قرب بلدة طمون، ما أدى إلى مقتل والدين وطفلين. والثانية عندما وثقت لقطات قتل فلسطينيين بعد استسلامهم خلال عملية في جنين. هذه الحوادث أثارت تساؤلات حول قواعد إطلاق النار، لكنها لم تُحدث صدمة كبيرة لدى الشرطة.