ربما يكون شكل العالم رمادياً جداً، وهو لا يكترث لبشر يتضوّرون جوعاً وهم ينتظرون الموت في غزة التي يبيد الاحتلال كل شيء قابلاً للحياة.
لكن كيف يهتمّ العالم بالفنّ الذي يشكل الآن حطباً للطعام؟ هل سيُصنَّف بأنه فن الجوع وفنّ في زمن إبادة السكان الأصليين وتحويل إبداعهم إلى وقود للخبز؟
يطلق فنانو غزة صرخاتهم ويضعون صور اللوحات المحترقة التي تحولت إلى حطب لإشعال النار، التي صار يصعب رؤيتها في غزة، بعد نفاد كل شيء من وقود وغذاء وحياة.
يضعون صرختهم فوق الصورة، ويقولون رسالتهم للعالم الفاقد لونه، بلا اكتراث. عالم يحارب بالفن في متاحفه المزخرفة باللوحات المسروقة، ومتاحفه التي تختار فنانيها باسم الحياد، وذلك موضوع آخر.
قبل يومين، أحرقت الفنانة الغزية عزة الشيخ أحمد لوحاتها الباقية لتصنع رغيف خبز وكتبت فوق الصورة صرختها: «لا أحب السياسة ولا الخوض فيها وكثرة المتحذلقين، يصدع رأسي كلام المحللين. خذوا الكرة الأرضية بأكملها، كنوزها، مدخراتها، لا أريد منكم شيئاً. فقط امنحوني تأشيرة سفر إلى وطن آخر يهبني كوخاً صغيراً يطلّ على ريف متسع أربّي فيه دجاجات ومجموعة خراف وأرسم لوحة في ساعة عصاري.
هذه لوحاتي تُحرق تباعاً كي أطهو عليها طعاماً أو أعد رغيف خبز.
وصدقاً، فإنّ لا صوت يعلو فوق صوت رغيف الخبز».
هكذا نرى الفن يتحول إلى صرخة، بدل أن تكون لوحة الصرخة هي التي تقف متفرجة على هذا الكون. إنّ مواد هذا الفن بألوانه والأكريليك والخشب والكانفاس والحبر والفحم والرصاص والورق والباستيل هي صرخة النار في وجه الجوع والقتل والإبادة والتدمير.
أحرقت الفنانة
عزة الشيخ أحمد لوحاتها الباقية
لتصنع رغيف خبز
للمرة الأولى في التاريخ، يقاتل الفن من أجل الحياة. لم يعد ذلك رمزاً أبداً، فنحن في عالم استعماري معاصر، يطالب الفنان بأن يخسر كل شيء ليبقى على قيد الحياة. أما أشكال الفاشية والنازية، فقد أصبحت أكثر إجراماً ولم تكتف بتدمير الفن في استوديوهات الفنانين، بل ذهبت إلى إجبارهم على تدميرها لكي يعيشوا. إنّها وحشية تاريخية تستلزم إعادة النظر في قيمة الفن في نظر العالم المتغطرس الذي يستخدمه في وجه الإنسان كآلة حرب.
وقبلها، أحرق الفنان طه أبو غالي لوحاته في غزة. وبعد عرض الصور وكتابة صرخته، تعاطف كثيرون لشراء لوحاته المتبقية، فكتب طه: «لقد تفاعل العالم مع بعض اللوحات التي قمت بتكسيرها من أجل أن أحصل على خشب الإطارات ونستطيع أن نطهو عليه.
عجيب غريب أمر هذا العالم. لقد وجدت تعاطفاً كبيراً وكبيراً جداً، لكنّ العالم لم يعرف أنّني ذهبت إلى الموت بالأمس لأحصل على الطحين. وقد شاهدت الجرحى والشهداء منتشرين على الأرض، ولم يتمكّن أحد من إسعافهم. ذهبت على دراجتي الهوائية واخترت أن أُسعف أحد الجرحى وأوصله إلى مستشفى ناصر ولم أتمكّن من الحصول على الطحين لأطفالي».
وطبعاً لا يختلف الأمر عن حرق الكتب من أجل الطعام، واستعارة أوراق كتب التاريخ لرسم لوحات بالفحم عليها، كما فعل الفنان الغزي الفلسطيني أحمد مهنا.
إن كل هذه المشاهد ليست فناً لنراقبه أو نلقي نظراتنا عليه. حتى لو تعاطفنا إلى أقصى حد واشترينا اللوحات، تبقى تلك الصرخة لوحةً لا يستطيع هذا الزمن أن يمحوها إلا بصرخة كبرى على هذا العار الذي يرتكبه المتوحشون، وبوعي كبير لجوهر الفن وكيف يصبح شعلة حقيقيةً من أجل التحرر من الاحتلال والاستعمار. وربما يلزم أن يتغير كل شيء ولا يبقى شيء مكانه.
كل ما هو مطلوب هو ما قاله الفنانون الذين احترقت لوحاتهم وهكذا فقط يصبح هذا العالم «معاصراً».
ونستعير هنا كلمات الشاعر الفلسطيني الغزي أنيس غنيمة وما كتبه أخيراً على صفحته: «لا نعرف ما هو الموقف الآن. يتحرّك الموقف في شيء مربك، وهو مثل صرخة عالقة في حنجرة.
الطريق كلها صخور ومنعرجات، طوال سنتين، دائماً ما كنّا عند هذا المنعرج، إما أن يقتحموا البيت فجأة ويقتلوننا وإما أن نركض الآن نحو مجهول آخر، نحو بحر لا يغسل جراحنا أو صحراء تيه. الحرب شيء قذر، ولا شيء أكثر وضاعة وبشاعة مما يحدث الآن».