xxxxxxxxxxxx xxxxxxxxxxxx

من “ميثاق الدم” إلى المساواة والعدالة

من “ميثاق الدم” إلى المساواة والعدالة

بقلم : أمين زاهر

قبل كل شيء، أود أن أوضح أمرًا واحدًا: لا أكتب هذه الكلمات بدافع الانتقاد لمجرد الانتقاد، ولا أخرج هنا للاحتجاج. لا أبحث عن مواجهة ولا أسعى إلى اتهام أحد. هدف هذه الكلمات بسيط وواضح: الدعوة إلى العدالة، والمساواة، والأخوّة بين المواطنين، وتحقيق الحقوق الأساسية كما هو متبع في كل دولة ديمقراطية.

لكن للوصول إلى العدالة، يجب أولًا التحلي بالشجاعة لقول الحقيقة كما هي.

فالحقيقة لا تُقال دائمًا في الخطب الرسمية، ولا تُسمع دائمًا في الاحتفالات أمام الكاميرات. أحيانًا نجدها في حياة الناس اليومية، في البيوت والقرى، وفي النضال اليومي من أجل الأرض، والسكن، والفرص، ومن أجل الحق البسيط في العيش بكرامة.

أكتب هذه الكلمات أيضًا من أجل جيلنا الشاب، طلاب المدارس الثانوية وطلاب الجامعات. من المهم بالنسبة لي أن يفهموا الواقع الذي وجدوا أنفسهم فيه، وأن يدركوا الفجوة بين الكلمات الجميلة والواقع المرير على الأرض، وأن يعرفوا أن المطالبة بالمساواة والحقوق المدنية ليست احتجاجًا ضد الدولة، بل هي حق طبيعي لكل مواطن في مجتمع ديمقراطي.

في كل مرة يُقتل فيها جندي درزي أثناء خدمته العسكرية، يتكرر تقريبًا المشهد نفسه. يصل الوزراء وأعضاء الكنيست إلى الجنازات، وتكون الكاميرات حاضرة، وتمتلئ الخطب بالثناء على الطائفة الدرزية. يتحدثون عن “ميثاق الدم”، وعن شجاعة الدروز، وعن ولائهم للدولة، وعن خدمتهم في الوحدات القتالية وفي أجهزة الأمن. منذ نحو سبعين عامًا ونحن نسمع اللحن نفسه.

لكن السؤال الذي يطرحه كثيرون في قلوبهم هو: هل يمكن للثناء وحده أن يحقق المساواة؟

هل يمكن للثناء وحده أن يلغي أمر هدم؟

هل يمكن للثناء وحده أن يطوّر التخطيط؟

على مدى عقود قيل للدروز إنهم شركاء كاملون في الدولة، وإن تضحياتهم تحظى بالتقدير والاحترام. ومع ذلك، فإن الواقع اليومي في القرى الدرزية يروي قصة مختلفة تمامًا: ضائقة شديدة في الأراضي، أزمة في التخطيط والبناء، نقص في فرص التنمية الاقتصادية، وفجوات اجتماعية تزداد اتساعًا.

وقد تعزز هذا الشعور بالفجوة أكثر بعد سنّ قانون القومية، الذي شدّد على الطابع القومي اليهودي للدولة، لكنه لم يتضمن التزامًا صريحًا بالمساواة بين جميع المواطنين. بالنسبة لكثيرين من أبناء الطائفة الدرزية، كانت هذه نقطة مؤلمة بشكل خاص.

لكن هناك جانبًا آخر لا يقل صعوبة. فقد أصبحت ظاهرة وصول السياسيين إلى الجنازات وإلقاء خطب تمجّد الطائفة الدرزية وبطولتها، مع تكرار الحديث عن “ميثاق الدم”، في نظر كثيرين داخل المجتمع الدرزي ظاهرة مؤلمة بل ومهينة.

ذلك لأن هذه الكلمات تُقال فوق القبور، بينما يعيش المجتمع نفسه واقعًا مختلفًا تمامًا — واقعًا من الشعور بالإهمال والتهميش، وأحيانًا حتى بالإهانة، عندما يضطر المواطنون إلى النضال من أجل أبسط الحقوق: التخطيط، والسكن، وإمكانية العيش بكرامة.

وأود أن أتوجه إلى جميع السياسيين وأقول لهم: إن استغلال الحزن والألم والفقدان من أجل تحقيق مكاسب سياسية أو التأثير على الرأي العام خلال فترات الانتخابات هو أمر غير أخلاقي وغير إنساني.

فعندما يسمع الناس هذه الكلمات في الجنازات، بينما يواجهون يوميًا أزمة الأراضي وقيود البناء والفجوات الاقتصادية والاجتماعية، فإن التناقض بين الكلمات الكبيرة والواقع يولّد شعورًا قاسيًا.

المشكلة ليست فقط في الخطاب الرسمي للدولة. ففي بعض الأحيان يتكوّن داخل المجتمع الدرزي نفسه واقع تصبح فيه التضحية والعطاء رمزًا للفخر فقط، بدل أن يتحولا أيضًا إلى قوة سياسية تطالب بتغيير حقيقي.

لا شك أن الفخر بأبناء الطائفة الذين يخدمون في الجيش أمر طبيعي ومفهوم ومطلوب. لكن الحقوق لا تُقاس بالصور أو بالشعارات. الحقوق تُقاس بالقوانين، وبالسياسات، وبالواقع المعيشي للمواطنين.

ومن المؤسف أيضًا أن نرى أن بعض السياسيين الدروز يكتفون أحيانًا بالحضور في المراسم وإلقاء الخطب، خصوصًا في فترات الانتخابات، بينما يبقى النضال السياسي الحقيقي من أجل تحقيق المساواة محدودًا أو ضعيفًا جدًا.

إذا كان “ميثاق الدم” حقيقيًا كما يُقال في الخطب، فمن الطبيعي أن يرافقه أيضًا ميثاق للمواطنة والمساواة. لأن التقدير الحقيقي للتضحية لا يُقاس بالكلمات، بل بضمان الحقوق.

في النهاية، فإن المطالبة بالمساواة ليست مطالبة احتجاجية، بل مطالبة بالعدالة. وهي لا تضعف الدولة، بل تقوّيها، لأن الدولة القوية هي الدولة التي تمنح الكرامة والمساواة لجميع مواطنيها.

ومن منطلق الأمل في مستقبل أفضل لنا جميعًا، أتمنى السلام لجميع أبناء شعب إسرائيل، وأخوّة حقيقية بين جميع مواطني الدولة، وتعزيز الديمقراطية، والمساواة الكاملة في الحقوق لكل إنسان يعيش هنا.

للمزيد : أرشيف القسم