xxxxxxxxxxxx xxxxxxxxxxxx
لا تساوي بين الجلاد والضحية - صحيح، ولكن !
لا تساوي بين الجلاد والضحية - صحيح، ولكن !
6/3/2026
بقلم : بروفيسور مروان دويري
 

تتردد هذه المقولة كثيرًا ردًا على أي تحليل شامل لمسؤولية المستعمِر ومسؤولية المستعمَر في الصراع. طبعًا هناك فرق بين المستعمِر والمستعمَر، إلا أن هذا الفرق يجب ألا يجعلنا نعتقد أن الصراع هو بين ملائكة وشياطين، وبالتالي نكتفي بالتضامن الشامل مع الضحية دون مراجعة أدائها ومسؤوليتها في الصراع. إن مثل هذا التضامن ربما يريح ضميرنا لنشعر أننا مع الحق ضد الباطل، إلا أنه يبقينا عاجزين أمام ما يمارسه المستعمِر إذا لم نراجع أداءنا في الصراع. أداؤنا هي الأوراق التي بيَدنا، فإذا لم نراجعها ونُحسن استعمالها، فلن يكون إلا ما كان، ونبقى نشجب المستعمِر وننتظر تراجعه الذي لن يأتي.
من يريد تفسير الصراعات على أنها بين جلاد قادر وضحية عاجزة يقوم عملياً بتشييء الضحية وجعلها طرفاً سلبياً وعاجزاً كحال الجماد الذي تطرقه مطرقة. ليس هذا هو حال الصراعات السياسية لأن كل طرف، بما فيه الضحية، يملك القدرة على تقييم الحال وتوازن القوى وفحص البدائل واختيار الرد وطرق المواجهة الأجدى. قوانين نيوتن للفيزياء (لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومعاكٍس له في الاتجاه) تنطبق على الأشياء الجامدة ولا تنطبق على البشر لأن البشر ليسوا جماداً بل كائنات تفكر وتملك الإرادة واختيار طريقة الرد المناسبة.
دعونا نستفيد في هذه القضية من عالم الفكر والفلسفة: الظواهر الاجتماعية ظواهر مركبة، وكذلك الظواهر الطبيعية. فإذا قلنا إن سمك القرش يشبه سمك الدولفين في كذا وكذا، فهل يعني ذلك أنهما متطابقان؟ كذلك الأمر حين نقارن بين القط والأرنب، أو بين الحصان والحمار. كذلك الأمر حين نشير إلى بعض التشابه في أداء أمريكا وإسرائيل مع أداء إيران، فهذا لا يعني أننا نطابق بينهما فلا داعي ليهب أحدهم قائلا: لا تساوي بين الجلاد والضحية.
اكتشاف التشابه والاختلاف ميزة العقل البشري الراشد. أما الأطفال فغالبًا يعجزون عن إدراك التشابه ذلك لأن تفكيرهم محصور بين الأسود والأبيض، وبين الخير والشر، لذلك نراهم يتنقلون خلال ساعة بين مصالحة بعضهم واللعب معًا، وبين معاداة بعضهم ومقاطعتهم ودواليك. التطور الذهني للأطفال لا يمكّنهم من إدراك الأشياء المركبة كإدراك الخير الذي في الشر (حادث طرق مثلًا من شأنه أن يعلّم السائق درسًا وربما يكتشف حب عائلته له وغيرها) والشر الذي في الخير (التفوق في الصف ربما يجعل الطلاب يحسدون الطالب الناجح وينبذوه).
كثير من الفلاسفة، خاصة فلاسفة الديالكتيك الغربية وفلاسفة اليِن واليانغ الشرقية، أشاروا إلى أن كل ظاهرة في المجتمع أو الطبيعة تتضمن الشيء ونقيضه في نفس الوقت، وهذا التناقض هو ما يجعل الظواهر تتطور من شيء إلى شيء. ولو أن الظواهر كانت حالة تجانس تام لتجمدت الحركة وانتهت الحياة.
إن تحليل الصراع بين الشعوب على أنه صراع بين ملائكة (متجانسين) وشياطين (متجانسين) هو تحليل طفولي سطحي. علينا إدراك الشياطين والملائكة في كل طرف من أطراف الصراع برغم اختلافهما. 
كذلك، المطابقة بين أطراف الصراع دون إدراك الاختلاف بين المستعمِر والمستعمَر هو طفولي سطحي أيضًا. علينا استخدام عقولنا الراشدة لتحليل التشابه والاختلاف بين أطراف الصراع لفهم الموضوع بشكل علمي. 
الحقيقة أنه يسهل إدراك الاختلاف بين أطراف الصراع والوصول إلى شبه إجماع بيننا حوله. وعليه، فنحن متّفقون على أن إسرائيل دولة احتلال وأن شعبنا ضحية الاحتلال، وأن أمريكا والغرب يمارسون الاستعمار بعدة طرق، وأن الشرق يعاني من هذا الاستعمار. التحدي الأكبر أمام من يريد أن يفهم الصراع بنُضج وعمق هو أن نستطيع إدراك الشياطين التي فينا ونجرؤ على كشفها ونقد أدائنا، وهذا لا يعني بحال من الأحوال أننا نساوي بين الجلاد والضحية أو بين شياطيننا وشياطينهم. 
أمام هذا الصراع المركب لا يمكن أن تكون مواقفنا اصطفافية إما مع هذا الطرف وإما مع ذلك الطرف. بل يجب أن تكون مرجعية مواقفنا أخلاقية تجعلنا نقف مع هذا الطرف في كذا وكذا وضد نفس الطرف في كذا وكذا. فمثلاً: نحن مع إيران في سيادتها على نفسها لكننا ضد نظامها القمعي، ونحن مع حق السلطة الفلسطينية في إدارة الأراضي المحتلة لكننا ضد الفساد السائد فيها. ومن جهة أخرى، نحن ضد الاحتلال الإسرائيلي لكننا لا ننكر حيز الديمقراطية والحرية النسبيين فيها إذا ما قورنت بإيران، ونحن ضد الهيمنة الأمريكية ونظامها الرأسمالي لكننا نقدر تطورها العلمي والتكنولوجي وحركات حقوق الإنسان فيها. 
حين يكون الصراع بين قوى غير متعادلة من حيث القوة كما هو الحال بين إسرائيل والفلسطينيين أو بين أمريكا وإيران، تكون الورقة الأخلاقية هي ورقة القوة التي يتفوق فيها الطرف الضعيف على الطرف القوي. لذلك على الطرف الضعيف التمسك بالورقة الأخلاقية لكي تبقى قضيته قضية عادلة، وفي نفس الوقت عليه القيام بكل ما هو مجدٍ لحماية نفسه ومصالحه، وألا ينجرّ إلى الرد بمثل أدوات المعتدي التي أصلاً لا يملكها (السلاح مثلاً) أو أنه يشجبها (قتل المدنيين مثلا).
القضية تصبح أكثر تعقيدًا حين نريد تحليل صراع متواصل منذ سنين، في هذه الحالة يمكننا أن ندرك الضحية في صفوف الجلاد والجلاد في صفوف الضحية، مثلًا: قتل المدنيين هو شر يمارسه الجلاد والضحية وإن كان الأمر بعيدًا عن التطابق الكامل، كذلك قمع المعارضين للنظام هو شر يمارسه كلا الطرفين بطريقة كل منهما المختلفة. في سيرورة الصراع المستمر يكون مبدأ "هو الذي اعتدى أولًا" مبدأ طفوليًّا أيضًا ولا يمكن إعفاء الضحية من مسؤولية أدائها وتبرير كل شيء بحكم كونها ليست البادئة. أصلًا في سيرورات الصراعات المستمرة لا توجد بداية ونهاية، لذلك ففكرة "هو البادئ" فكرة طفولية وساذجة لا تعفي الضحية من مسؤوليتها في مواجهة الصراع ونتائجه.

 

 
   

للمزيد : أرشيف القسم
الكرمل للإعلام

الكرمل للإعلام
  • الصفحة الرئيسية
  • أخبار محلية
  • أخبار عالمية
  • مقالات وأراء
  • أخبار خفيفة
  • رياضة
  • فن وثقافة
  • مواضيع متنوعة

المواد المنشورة في الموقع على مسؤولية المصدر المذكور في كل مادة

جميع الحقوق محفوظة لموقع الكرمل ©