xxxxxxxxxxxx xxxxxxxxxxxx
أطفال هذا الجيل يكبرون وهم يحملون صدمات نفسية – فما المستقبل الذي ينتظرهم؟
أطفال هذا الجيل يكبرون وهم يحملون صدمات نفسية – فما المستقبل الذي ينتظرهم؟
4/3/2026
بقلم : جيهان حيدر حسن
 

مرت دولة إسرائيل خلال العقد الأخير بعدة أزمات، من بينها حروب، وجولات انتخابية متكررة، وعمليات عسكرية تحولت إلى حروب، وعلى رأسها حرب “النهضة / السيوف الحديدية” بعد المجزرة التي وقعت في السابع من أكتوبر. كما أن المجتمع العربي في إسرائيل، الذي عانى من الإهمال، واجه هو أيضًا نوعًا آخر من الإرهاب تمثل في عنف منظمات الجريمة، حيث تعرض كثيرون للعنف الشديد أو فقدوا آباءهم أو إخوتهم نتيجة لذلك.

وهكذا وجد أطفال في سن العاشرة أنفسهم وقد مروا بتجارب قاسية كثيرة، اضطروا بسببها إلى التكيف والتعرف إلى قسوة العالم بقدر لا يقل عما كان يعيشه شباب في سن 18–20 قبل عشرين أو ثلاثين عامًا. وبذلك فقدوا براءة الطفولة نتيجة جائحة كورونا والحروب. المجتمع العربي، وخاصة العربي المسلم، عانى من ذلك أكثر من غيره في إسرائيل بسبب الحروب بين إسرائيل والفلسطينيين، وبسبب نقص الحماية من قبل الشرطة الإسرائيلية، الأمر الذي سمح للجريمة بالانتشار وجعل المواطنين الملتزمين بالقانون عاجزين. ومع ذلك، فقد عانى من الحروب والوباء أيضًا المسيحيون واليهود في إسرائيل.

خسر أطفال إسرائيل سنوات دراسية ثمينة بسبب جائحة كورونا والحاجة إلى الدراسة عبر “زووم”، دون استعداد مسبق لذلك، كما أن كثيرًا من المعلمين لم يكونوا يعرفون كيف يعملون مع هذه الوسيلة. وفي المجتمع العربي كان الوضع أسوأ بسبب نقص الحواسيب، الأمر الذي تسبب بتأخر دراسي كبير وفقدان مواد تعليمية أساسية لامتحانات البجروت والامتحان البسيكومتري لمن يرغب في الالتحاق بالتعليم الأكاديمي. ولم يتوقف الأمر عند عامي الجائحة، فبسبب الحروب المتكررة في إسرائيل أصبح يحدث تقريبًا كل عام أن تبدأ السنة الدراسية أو تنتهي بالتعليم عبر زووم، ما أدى إلى فقدان الطلاب مواد دراسية تعادل سنة أو سنتين. وهكذا فإن الأطفال الذين سيصبحون مراهقين، والمراهقون الذين سيصبحون بالغين، لا يحصلون على الأدوات اللازمة لا لإنهاء المرحلة الثانوية بنجاح ولا للاندماج في التعليم الأكاديمي أو في سوق العمل. وفي المجتمع العربي الأمر أكثر خطورة، لأن نقص الحواسيب في فترة كورونا لم يُحل حتى الآن، وما زال هناك نقص في الأجهزة عند الحاجة إلى التعلم عبر زووم، ما يضطر بعض الطلاب إلى التغيب عن الدروس بسبب عدم توفر حاسوب. فهل يمكن لهؤلاء الأطفال، مع هذا الفقدان التعليمي، أن يلتحقوا بالتعليم الأكاديمي؟

تفاقم وضع الحروب بشكل خاص منذ بداية الألفية، حين صعد أريئيل شارون – رحمه الله – إلى الحرم القدسي في شهر رمضان عام 2000، مما أدى إلى اندلاع مواجهة بين إسرائيل والفلسطينيين، ومنذ ذلك الحين توالت جولات القتال. صحيح أن فترات توقف طويلة نسبيًا حدثت بين هذه الجولات، لكن منذ حرب “الجرف الصامد” عام 2014 أصبحت المواجهات بين إسرائيل وغزة تحدث تقريبًا كل عامين، ومع حرب “السيوف الحديدية / النهضة” تجددت أيضًا المواجهات مع لبنان، بل ووقعت حربان مع إيران. وكثيرًا ما تقع الحروب في شهر رمضان. كما أن الحربين مع إيران حدثتا في عام واحد، الأمر الذي جعل حالة الحرب وتدمير أجواء الأعياد تؤثر بشدة على السكان، وخاصة الأطفال الذين يضطرون لترك مائدة العيد، سواء كانت مائدة الإفطار في رمضان، أو عيد الميلاد، أو الأعياد اليهودية. فقد اندلعت حروب حتى في الأعياد اليهودية، مثل تفجير فندق بارك الذي وقع في عيد الفصح وأدى إلى عملية “السور الواقي”، وكذلك هجوم السابع من أكتوبر الذي أدى إلى حرب “السيوف الحديدية” وكان في عيد “سمحات توراه”. وهكذا تتعطل أعياد الأطفال اليهود والمسيحيين والمسلمين. وبالنسبة للمسلمين يتضرر نظام العيد بشكل خاص لأن كل يوم من شهر رمضان يتضمن إفطارًا، وقد يضطرون أثناء الإفطار إلى قطع الطعام والاختباء بسبب صفارات الإنذار وإطلاق الصواريخ. كما أن الحرب تمس أيضًا بحق أساسي للمسلمين وهو الوصول إلى المسجد الأقصى في رمضان، إذ يُمنع ذلك بسبب الوضع الأمني، ما ألحق ضررًا شديدًا بمشاعر العائلات المسلمة، وخاصة المراهقين الذين غالبًا ما يُمنعون من الوصول إلى المسجد، وهو ما يعد مساسًا بحرية العبادة.

إن حالة الحروب والجريمة في المجتمع العربي تؤدي إلى زيادة حالات اليُتم والترمل، إذ يُقتل كثير من الآباء، وخاصة الآباء الذين يشكلون عادة رأس الأسرة. أما لدى اليهود والدروز وبعض المسيحيين فإنهم يُقتلون غالبًا كجنود في الحروب، بينما يُقتل العرب في جرائم يرتكبها مجرمون. صحيح أن عائلة القتيل في الحرب تحصل على تقدير ودعم اقتصادي، لكن ذلك لا يعوض الطفل الذي فقد والده. فهو يشعر بالنقص سواء اعتُبر والده بطلاً قاتل من أجل وطنه كما لدى اليهود والدروز، أو قُتل على يد مجرم كما يحدث لدى العرب؛ فالأسرة تتدمر في كلتا الحالتين. ويكبر الطفل في أسرة ذات والد واحد ويشعر بالنقص عندما يرى أطفالًا آخرين مع آبائهم بينما هو بلا أب. وفي كل عيد – سواء عيد الميلاد لدى المسيحيين، أو الفصح أو رأس السنة لدى اليهود، أو عيد الفطر لدى المسلمين – يكون غياب الأب حول المائدة محسوسًا، فتفسد فرحة العيد لدى هؤلاء الأطفال الذين لا يستطيعون حتى الفرح بأعيادهم، ويكبرون والأعياد تذكير دائم بالأب الذي فقدوه واضطروا للعيش بدونه.

إضافة إلى ذلك، هناك فجوة كبيرة في إسرائيل بين المركز والأطراف، وخصوصًا بين المدن والقرى، وهذا يؤثر على أطفال القرى الذين غالبيتهم من العرب. فقد عاش الأطفال العرب في القرى الحروب بصورة أقسى من اليهود والعرب في المدن المختلطة، لأن المباني في القرى قديمة غالبًا، ولا توجد غرف محصنة، وأحيانًا لا توجد ملاجئ أصلًا، فتضطر الأسرة إلى اختيار غرفة يعتقدون أنها الأكثر أمانًا في البيت، أو الركض إلى ملجأ القرية الذي قد لا يتوفر الوقت للوصول إليه بعد سماع صفارات الإنذار. وهكذا يشعر الأطفال مع كل إنذار بأن حياتهم في خطر ويمكنهم سماع سقوط الصواريخ. هذه المخاوف قد تجعل الأطفال يتبولون من شدة الخوف. وقد عانى الأطفال اليهود في الجنوب من وضع مشابه أيضًا، فحتى مع وجود غرف محصنة أصبحت الصواريخ جزءًا من الحياة اليومية. كما أن الخوف من الحرب، والخوف الذي عززته وسائل الإعلام والحديث العائلي أثناء جائحة كورونا عن مرض قاتل وتقارير عن وفيات، جعل الأطفال منذ سنوات الروضة الأولى والصفوف الابتدائية يشعرون أن حياتهم وحياة عائلاتهم في خطر طوال العقد الأول من حياتهم. إنها حالات طوارئ جعلتهم ينضجون مبكرًا قبل سنهم.

هذا النضج المبكر والتجارب التي مروا بها في طفولتهم، والتي يمكن تعريفها بلا شك على أنها صدمات نفسية، بل وربما سلسلة من الصدمات المتتالية، قد تؤدي إلى الاكتئاب ومشكلات نفسية أخرى، كما أنها أضعفت قدرتهم النفسية على الصمود منذ سن مبكرة. وينطبق ذلك خصوصًا على الإخوة الكبار الذين كان عليهم منذ سن العاشرة، بل وأحيانًا منذ السادسة، أن يهدئوا إخوتهم الصغار الأكثر خوفًا والأقل فهمًا. فبدلًا من أن يهدئهم الآباء، اضطروا هم إلى القيام بدور الوالد وطمأنة إخوتهم. وبدل أن يجمل الآباء الواقع لهم لتخفيف مخاوفهم، أصبحوا هم من يجمل الواقع لإخوتهم الصغار. وفي العائلات الكبيرة، كما هو الحال في كثير من العائلات العربية المسلمة، كان الأمر أصعب بكثير، إذ قد يكون للطفل في سن العاشرة ثلاثة أو أربعة إخوة أصغر منه، بل وقد يكون لطفل في الثالثة أو الرابعة – الذي عاش تجربة كورونا – أخ رضيع في البيت. فهل يمكن أن تكون الحالة النفسية لطفل نشأ في مثل هذه الظروف جيدة؟ وهل يمكن أن يكبر دون مشاكل نفسية؟

 
   

للمزيد : أرشيف القسم
الكرمل للإعلام

الكرمل للإعلام
  • الصفحة الرئيسية
  • أخبار محلية
  • أخبار عالمية
  • مقالات وأراء
  • أخبار خفيفة
  • رياضة
  • فن وثقافة
  • مواضيع متنوعة

المواد المنشورة في الموقع على مسؤولية المصدر المذكور في كل مادة

جميع الحقوق محفوظة لموقع الكرمل ©