بتلقائية تنبض بحس إنساني يفيض على اتساع الكون، انطلق الغزيون والغزيات يهنؤون بعضهم بالنجاة من إبادة استهدفت على مدار 471 يوماً حياتهم بوحشية لم يشهدها التاريخ المعاصر.اختلطت فيها الدموع بين مشاعر الفرحة بالنجاة مع دموع الحزن على فاجعتهم بفقدان أحبتهم، وربما بشعورهم الدفين بالخذلان، بما في ذلك من بعض أبناء جلدتهم .
لقد انهمرت دموعهم على ركام كل مظاهر حياتهم التي شيدوها بحبات عرقهم على مدى تاريخ مدنهم وبلداتهم ومخيماتهم، التي لم يتمكن منها الغزاة يوماً. غزة التي تجرعت الموت والدمار لا تعرف الهزيمة، فهي مفردة خارج قاموس نشأتها منذ الأزل.أبناؤها وبناتها كبروا بين سوافي الرمل الذهبي ومياه البحر المتموج بزرقته اللافتة يمتلؤون بحب الحياة الصادقة، وإن اتسمت بخشونة البحارة وهم يصارعون من أجل لقمة عيش نظيفة مغمسة بعرقهم وكرامة أجدادهم . لقد صدقت رؤية محمود درويش في قصيدته صمت من أجل غزة و كأنه يعيش اليوم في أزقتها و حواريها المدمرة:
"ليست غزة أجمل المدن..
ليس شاطئها أشد زرقة من شواطئ المدن العربية
وليس برتقالها أجمل برتقال على حوض البحر الأبيض.
وليست غزة أغنى المدن..
وليست أرقى المدن وليست أكبر المدن.
ولكنها تعادل تاريخ أمة.
لأنها أشد قبحاً في عيون الأعداء، وفقرا وبؤساً وشراسة.
لأنها أشدنا قدرة على تعكير مزاج العدو وراحته، لأنها كابوسه، لأنها برتقال ملغوم، وأطفال بلا طفولة وشيوخ بلا شيخوخة، ونساء بلا رغبات، لأنها كذلك فهي أجملنا وأصفانا وأغنانا وأكثرنا جدارة بالحب."
…"ونظلم غزة حين نحولها إلى أسطورة لأننا سنكرهها حين نكتشف أنها ليست أكثر من مدينة فقيرة صغيرة تقاوم
وحين نتساءل: ما الذي جعلها أسطورة؟
سنحطم كل مرايانا ونبكي لو كانت فينا كرامة أو نلعنها لو رفضنا أن نثور على أنفسنا
ونظلم غزة لو مجدناها لأن الافتتان بها سيأخذنا إلى حد الانتظار، وغزة لا تجيء إلينا، غزة لا تحررنا"
لقد حاول الفاشيون وهم يغرزون أنيابهم العنصرية في بطنها أن يُحملوا أهلها المسؤولية عن طعم لحمها المر، فانزلق البعض في أفخاخ روايتهم. إلا أن شموخ أهلها و جمال عيون أطفالها ودموع مآقي نسائها أعادت تصويب رواية التاريخ، لتنضبط شعوب الكون مرة أخرى إلى الجانب الصحيح منه. فمأساة غزة وكل فلسطين لم تبدأ منذ 471 يوماً من الكارثة والبطولة.
صحيح أن غزة دفعت أثماناً باهظة تفوق قدرتها، بفعل فائض غطرسة القوة المسنودة بأدوات القتل في عدوان انتقامي لكسر مكانتها كرافعة تاريخيّة للكرامة الوطنية، ولكنها تعرف كيف تجعل دماء وأشلاء أحبائها شوكة في حلق أعدائها.
غزة التي دفعت ثمن الانقسام، وأثماناً باهظة لتركها وحيدة تواجه إبادة الفاشية الصهيونية، لا تحتمل أن تظل غارقة في دمار ركام بيوت أهلها. كما أنها لا تحتمل أن تظل ضحية لعبثية التجاذبات على مستقبل قدرتها في تحويل صمودها الغريزي، وهذه الأثمان الباهظة التي دفعتها لاستعادة مكانتها في تَجدُّد الهوية والرواية والمستقبل الوطني على طريق الحرية والعودة وانتزاع حق شعبنا في تقرير مصيره.
لقد وضعت غزة مجدداً الحركة الوطنية وبقايا النظام السياسي بكل مكوناته أمام فرصة ذهبية لنهوض عارم، وإن كان مليئاً بالألم وأشواك تيه الطريق. فولادة الأمل من رحم سنوات الانقسام العجاف و فاشية الاحتلال العنصري يفرض على الجميع الانصياع لصوت من قدموا أرواحهم كي لا تنكسر غزة .فانكسارها لم يكن ليجلب سوى الضياع والهزيمة أمام عنصرية المشروع الصهيوني وأطماعه التوسعية، سيما فيما يخطط من ضم للضفة الغربية وفي مقدمتها القدس التي يسعى الاحتلال لاستكمال ابتلاعها، وتصفية القضية الفلسطينية برمتها .
في فلسطين، حيث تختلط الحقيقة بالملحمة، يصبح الفن أكثر من مجرد تعبير عن الذات. إنه ملاذ للروح ونداء للحرية. في واقع تحكمه الجدران والأسلاك الشائكة، يضيف الفن مساحة حرة وسط حصار خانق. إنه ليس رفاهية ولا ترفًا، بل ضرورة نفسية تفرضها المعاناة، ومقاومة واعية ضد محاولات طمس الهوية.
الفن كمساحة للإفصاح عن المكبوت
في الفلسفة الوجودية، يُعتبر الإنسان صانع معناه وسط عبثية العالم. كذلك، في فلسطين، يصنع الفنانون معنى لحياتهم وسط عبث الاحتلال. الرسم، الموسيقى، المسرح، وحتى الكتابة، كلها أدوات لتحويل الألم إلى شيء جميل، يمكن مشاركته مع الآخرين. هذا التحول ليس فقط شكلاً من أشكال المقاومة، بل هو عملية علاجية تُعيد للفرد شعوره بالسيطرة على حياته في ظل قسوة الظروف.
ويظهر علم النفس أن الصدمات النفسية التي تُحكم الكتمان تتحول إلى سجون داخلية، تُثقل النفس وتُقيّدها. يلعب الفن هنا دور الحارس الذي يفتح أبواب هذه السجون. عندما يرسم طفل فلسطيني بيتاً كان قد تحطم، أو تُغني أم فقدت أبناءها لحنًا حزينًا، فإنهما يفرغان ما لا تستطيع الكلمات أن تصفه. هذه المساحة الإبداعية، وإن كانت صغيرة، تُتيح للجرح أن يلتئم وللصوت أن يُسمع.
الفن كمعالجة جماعية للصدمات
إن الصدمات الجماعية تحتاج إلى استجابة جماعية. هنا يصبح المسرح الفلسطيني على سبيل المثال أكثر من عرض فني. إنه منصة لطرح الأسئلة الكبرى التي تشغل المجتمع، و مجال عام لاستكشاف المعاني المشتركة، وإعادة بناء الهوية الجمعية التي يُهددها الاستعمار.
في فلسطين، حيث تبدو الحياة كأنها مسرح دائم للمآسي، يجد "مسرح المضطهدين" والذي أنشأه في البرازيل أوجاستو بوال، مكانه الطبيعي، يمكن للمسرح أن يتحول إلى ساحة لطرح الأسئلة، وإعادة صياغة الأدوار، وكسر دائرة العجز. في هذا الشكل من الفن، لا يبقى الجمهور متفرجًا سلبيًا؛ بل يصبح مشاركًا فاعلًا، يعيد بناء الواقع الذي يحاصره.
يقدم مسرح المضطهدين عروضا مسرحية تنبض بالحياة، حيث يعتلي الناجون من القصف أو الأسر خشبة المسرح ليرووا قصصهم، لا ليُعيدوا الألم فقط، بل ليقترحوا حلولًا ويشاركوا في تشكيل رواية بديلة. هنا يُصبح المسرح مساحة لتحرير الذات والجماعة، ومقاومة للصمت المفروض بالقوة. إنه أداة علاجية ونضالية، تصنع الأمل وسط أصعب الظروف وتُصبح المعاناة الفردية مرآة لمعاناة الشعب بأكمله، مما يُعيد للأفراد شعورهم بالانتماء والتضامن.
الفن حصن للكرامة
تحدث عالم النفس الذي عمل في الجزائر أثناء الاستعمار الفرنسي، فرانز فانون، عن دور الإبداع في استعادة الكرامة المفقودة تحت الاستعمار. الفن الفلسطيني يحقق ذلك بامتياز. عندما يرسم الفنانون جدرانهم برسائل تحدٍ، أو يُقيمون معارض تُوثق النكبة والنكسة، فإنهم يستعيدون مساحة من الكرامة المفقودة. هذه الأعمال تُعيد للفلسطيني إحساسه بأنه ليس مجرد ضحية، بل هو فاعل في صياغة روايته الخاصة. وقد لفت انتباهي اهتمام الصحفية المقدسية والأسيره المحررة لما غوشة في الرسم بعد تجربة الاعتقال، ويبدو أن هنالك تجارب عصية على التعبير السردي، يقدم الفن طريقة اكثر امانا للبوح بها.
الفن جسر من أمل
شاهدت في فيلم مجاهدات للمخرجه الفرنسيه الكسندرا دولس شهادات حول تنفيذ حكم الاعدام بالمقصلة في السجون الجزائريه أثناء الاستعمار الفرنسي، وكانت النساء تصدح بالأغاني الوطنية لتودع الأسير الذي يساق الى حتفه؛ لم تكن الأهازيج لتمنع الموت، ولكن لربما خففت من وحشته.
في ظل واقع مشبع بالعنف والإحباط، يلعب الفن دور الجسر الذي يربط الحاضر بالمستقبل. عندما يبتسم طفل وهو يشاهد مسرحية تسخر من الاحتلال، أو تُغني مجموعة من النساء أناشيد الحرية، فإنهم لا يعبرون فقط عن ألمهم، بل يُحيون الأمل بمستقبل مختلف. الأمل، كما يقول كارل يونغ، هو قدرة النفس على تصور ما هو أبعد من الواقع الراهن.
تحديات الفن الفلسطيني
لكن هذه المساحة الإبداعية ليست خالية من العوائق. القيود المفروضة على حرية التعبير، وشح الموارد، ومحاولات الاحتلال المستمرة لتشويه الثقافة الفلسطينية، كلها عقبات في وجه الفنانين. ومع ذلك، فإن الإبداع الفلسطيني يزدهر، متسلحًا بالإصرار على أن يكون الفن حارساً للذاكرة وجسراً إلى المستقبل.
في غزة؛ الفن يواجه الرماد
في غزة المنكوبة، حيث يغطي الرمادي الأفق ويختلط الغبار بالحزن، يمكن للفن أن يكون فعل مقاومة وشفاء. بين الأنقاض، يلتقط الأطفال أقلام التلوين ويرسمون شمسًا تشرق فوق بيوت مهدمة. على الجدران التي شهدت الموت، تندفع الألوان لتروي قصص الحياة. في مدينة اعتادت على صوت القصف، يعلو صوت الموسيقى كلحن شجي، تعزفه أيادٍ تعرف معنى الألم لكنها لا تتوقف عن العزف. الفن هنا طوق نجاة، يحمي الروح من الغرق في بحر اليأس. إنه رسالة تقول إن غزة، رغم رمادها، ما زالت تنبض بالحياة، وما زالت قادرة على الحلم بغدٍ أكثر إشراقًا.
الإبادة في غزة ليست نهاية القصة، بل بداية لخلق معانٍ جديدة وصياغة لوحات تنبض بالحياة. إنها شهادة أبدية على قدرة الفلسطيني، رغم كل محاولات الطمس والقهر، على تحويل القيد إلى أغنية ملهمة، والجدار إلى لوحة تخلد الشهداء، والألم إلى إبداع يروي صمود الناس. إنها رسالة للعالم بأن الفلسطيني لا يُهزم؛ فهو يصنع من جراحه جسورًا نحو الحرية ومن أحزانه رواية تُخلد الأمل والكرامة.
غزة تناشد الجميع بأن لا وقت للمناكفات واستمرار الصراع على التمثيل، وشرعية ترميم ما أرادته اسرائيل من ركام تُغرقنا جميعاً في وحله، كي تنفرد بمصير الأرض والهوية والقضية. لقد أجبر صمود الغزيين في مواجهة فاشية العدو جميع الأطراف للتوافق على كلمة سواء. فكان إعلان بكين لاستعادة الوحدة القادرة على إعادة فلسطين لجغرافية التاريخ. وهي، أي غزة لا تحتمل التلاعب بما كانت أثمانه دماءً غالية وآلاماً لا تحتمل . فإذا كان من نصر يُمكن أن تحققه غزة لاستعادة مكانتها، فإنه يكمن فقط في انطلاق عجلة قطار مؤسسات الوطنية الجامعة. فلا شرعية خارج التوافق حتى نصل معاً إلى محطة شرعية الصندوق ندق بها أبواب الحرية و زوال الاحتلال.لا مكان لاستمرار التردد والحسابات الفئوية الضيقة، ولا مكان للإقصاء أو التفرد والهيمنة. هذا هو درس صمود غزة وتضحياتها الكبرى .
شكراً لغزة التي فاضت علينا بحبها، ومعها وبهذا الحب الملئ بالدم والدموع علينا مسؤولية كسر بلادة الساسة وحساباتهم الضيقة . بهذا نهزم عنصرية آخر احتلال في هذا العصر من التاريخ . فلسطين أكبر من الجميع وأبواب حريتها قاب قوسين أو أدنى .