في اليوم الدولي لمنع استخدام البيئة في الحروب والصراعات المسلحة، لا تبدو البيئة الفلسطينية ضحية جانبية للحرب؛ فالأرض والمياه والأشجار وشبكات الصرف الصحي تتحول إلى عناصر تتعرض للتدمير والاستنزاف، فيما تتعثر جهود التوثيق وإعادة التأهيل بفعل استمرار الاعتداءات وغياب الوصول الميداني.
وأعلنت سلطة جودة البيئة الفلسطينية، أن قوات الاحتلال والمستوطنين، عملوا بشكل ممنهج على تدمير وتلويث البيئة الفلسطينية، وارتكبوا منذ مطلع العام 670 اعتداء، ما يهدد التنوع الحيوي والأمن المائي والغذائي، في وقت أدت حرب الإبادة على غزة إلى خلق «كارثة بيئية وإنسانية وتغير مناخي حاد»، وتراكم ما بين 61 إلى 68 مليون طن من الأنقاض والمباني المدمرة.
تجريف وحرق
واشتملت الهجمة على إتلاف الأشجار والغطاء النباتي بواقع 178 اعتداءً، طالت الثروة الحرجية والنباتية وتمثلت في اقتلاع آلاف الأشجار المثمرة والمعمرة، حيث اقتلع حتى نهاية أيلول/ سبتمبر 2026 حوالي 100 ألف شجرة زيتون، بخسائر وصلت لحوالي 67 مليون دولار.
حرقوا دمنا»
«حرّقوا دمنا، حرّقوا أرضنا، حرّقوا زيتوننا… هذا دمنا».
بهذه الكلمات تختصر سمية أسعد معطان، من بلدة برقة، شمالي الضفة الغربية، جانباً من علاقتها بأشجار الزيتون التي لا تمثل بالنسبة إليها مجرد محصول زراعي، بل أساس مشروعها ومصدر رزقها وانتظارها لموسم القطاف.
لم ترغب سمية في الحديث مطولاً، لكن كلماتها القليلة تكشف حجم الخسارة التي تتجاوز احتراق شجرة أو تلف محصول.
فمشروعها قائم على الزيتون وزيته، فيما يعني الاعتداء على الأشجار تعطيل موسم تنتظره، وتهديد مورد اقتصادي تعمل على بنائه.
وفي برقة، لا تنفصل حكاية الزيتون عن الاعتداءات المتكررة على الأراضي الزراعية.
يروي ليث بركات، صاحب أرض وناشط مجتمعي من البلدة، لـ»القدس العربي» أن الاعتداءات طالت الأشجار بالحرق والتكسير، إلى جانب إلقاء النفايات وإشعال الحرائق في الأراضي الزراعية والمناطق القريبة من منازل السكان.
ويقول بركات إن البلدة شهدت، خلال شهرين أو ثلاثة، نحو 15 اعتداءً على أشجار الزيتون، معظمها عبر الحرق، وفق ما وثقه أو عاينه. كما تحدث عن إلقاء نفايات المستوطنين بصورة شبه يومية قرب مدخل البلدة أو بين المنازل، في وقت تواجه فيه البلدية، بحسب إفادته، قيوداً ومصادرة متكررة لمعدات جمع النفايات ونقلها.
ولم تقتصر الاعتداءات على الأشجار، بل شملت إحراق منازل وأراضٍ زراعية مزروعة بالقمح والشعير، ومناطق تستخدم للرعي، فضلاً عن إشعال إطارات السيارات.
ويرى أن ما يجري يخلق مفارقة بين القيود المفروضة على الفلسطينيين بذريعة حماية البيئة، وبين ما يصفه بتلويث المستوطنين للأراضي والمناطق السكنية.
وتتخذ الخسارة في رواية بركات بعداً شخصياً. ففي عام 2023، تعرضت أرض يملكها وتبلغ مساحتها نحو 12 دونماً للتخريب، بعد أن كُسرت قرابة 400 شجرة فيها. أعاد زراعتها خلال أقل من شهر، وزاد عدد الأشجار إلى نحو 600 أو 630 شجرة، بحسب روايته. لكنه يقول إن المستوطنين عادوا في آب/أغسطس 2026 وقطعوا الأشجار مجدداً، فيما رعت الأغنام ما تبقى منها.
فقدان الشجر
«الشجرة إذا ما بتعادل الواحد من ولاده، بتعادل جزء كبير منه»، يقول بركات، مشيراً إلى أن الأشجار مصدر غذاء ودخل للعائلة، وأن بناء مشروع زراعي يتطلب سنوات من العمل والإنفاق قبل أن يبدأ بإنتاج عائد.
ويضيف أن فقدان الأشجار في ليلة واحدة يترك أثراً نفسياً مدمراً، لكنه لا يلغي إصرار المزارعين على إعادة الزراعة مرة بعد أخرى، لأن الارتباط بالأرض، كما يقول، «مسألة وجود».
وفي برقة، لا تبدو الاعتداءات على أشجار الزيتون مجرد خسارة لموسم زراعي، بل استهدافاً لمصدر رزق وعلاقة متجذرة بين الفلسطيني وأرضه.
ويقول ليث بركات، صاحب أرض وناشط مجتمعي من البلدة، إن الاعتداءات على الأشجار تكررت خلال الأشهر الأخيرة، موضحاً أن نحو 15 اعتداءً، بين الحرق والتكسير، طالت أشجار الزيتون خلال شهرين أو ثلاثة، كان معظمها عبر الحرق.
760 اعتداء بيئيا إسرائيليا على الضفة و68 طن أنقاض في غزة
ويستعيد بركات ما تعرضت له أرضه، التي تبلغ مساحتها 12 دونماً، في عام 2023، حين كُسرت قرابة 400 شجرة زيتون فيها.
ورغم الخسارة، أعاد زراعتها خلال أقل من شهر، وزاد عدد الأشجار إلى ما بين 600 و630 شجرة، قبل أن يتعرض، وفق روايته، لاعتداء جديد في آب/أغسطس 2026، أدى إلى قطع الأشجار مجدداً، فيما رعت الأغنام ما تبقى منها.
ولا يقتصر الضرر، وفق بركات، على الخسارة المادية؛ فالأشجار تمثل مصدر غذاء ودخل للعائلة، كما أن إنشاء مشروع زراعي يحتاج إلى سنوات من العمل والإنفاق قبل أن يبدأ بإنتاج عائد. ويقول إن خسارة الأشجار تترك أثراً نفسياً بالغاً، لكنه لا يدفع المزارعين إلى التخلي عن أرضهم.
ليث بركات، صاحب أرض لـ”القدس العربي”: الاعتداءات طالت الأشجار بالحرق والتكسير، إلى جانب إلقاء النفايات وإشعال الحرائق
«الشجرة إذا ما بتعادل الواحد من ولاده، بتعادل جزء كبير منه»، يقول بركات، مضيفاً أن ارتباط الفلسطيني بالأرض والزيتون «مش مسألة مادة… هي مسألة وجود».
ويشير إلى أن الأهالي في البلدة يحاولون توثيق الاعتداءات قدر الإمكان، لكن المهمة لا تكون متاحة دائماً، خصوصاً عندما تقع الحوادث ليلاً أو في أراضٍ بعيدة، أو عندما يمنع الجيش التصوير.
كما يتحدث عن إلقاء نفايات المستوطنين قرب مدخل البلدة وبين المنازل بصورة شبه يومية، في وقت تواجه فيه البلدية، بحسب إفادته، مصادرة متكررة لمعدات جمع النفايات ونقلها، وقيوداً على التخلص منها.
وتزداد صعوبة مواجهة هذه الاعتداءات بسبب تعقيدات التوثيق.
ويقول بركات إن الأهالي يحاولون تسجيل معظم الحوادث، لكن الوصول إلى الأراضي قد يتعذر عندما تقع الاعتداءات ليلاً أو في مناطق بعيدة، كما يمنع الجيش أحياناً التصوير.
ويعتبر أن التوثيق المتاح، رغم محدوديته، هو من الأدوات القليلة التي يملكها السكان لإثبات ما يتعرضون له.
تدمير التربة
ولا تقف آثار الاعتداءات عند حدود الأرض الزراعية. فحرق الأشجار والنفايات والإطارات يطلق ملوثات في الهواء، فيما قد يؤدي تدمير التربة والغطاء النباتي إلى إضعاف قدرتها على الاحتفاظ بالمياه وتجددها، ويهدد مصادر الغذاء وسبل العيش. وتصبح هذه الآثار أكثر تعقيداً عندما تتراكم مع تدمير البنى التحتية والخدمات الأساسية، كما في قطاع غزة.
في قطاع غزة، يصف مراد المدني، المتحدث باسم سلطة جودة البيئة ومستشارها القانوني، ما جرى بأنه يتجاوز مفهوم «الأضرار البيئية» إلى تدمير البنى البيئية وعناصر النظام البيئي.
ويقول ردا على أسئلة «القدس العربي» إن حجم التدمير واتساعه وآثاره الممتدة لعقود وأجيال، إلى جانب صعوبة تعافي البيئة من دون تدخل بشري، تجعل القطاع مثالاً بالغ الوضوح على ما تسميه منظمات ومبادرات قانونية دولية «الإبادة البيئية».
المتحدث باسم سلطة جودة البيئة لـ”القدس العربي”: حجم التدمير واتساعه وآثاره الممتدة لعقود وأجيال، تجعل غزة مثالاً على ما تسميه منظمات دولية “الإبادة البيئية”
ويشير المدني إلى أن هذا المصطلح لا يزال موضع نقاش قانوني دولي، إذ تدعو جهات مدنية إلى إدراجه جريمة مستقلة ضمن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب الجرائم الأربع القائمة.
لكنه يشدد على أن حجم الضرر في غزة يتطلب، في الوقت نفسه، توثيقاً منهجياً يتيح مساءلة المسؤولين عنه وفق القواعد القانونية ذات الصلة.
وتكشف التقييمات البيئية الدولية عن اتساع نطاق الضرر. ففي تقريرها الثاني بشأن الأثر البيئي للحرب، الصادر في أيلول/سبتمبر 2025، قالت الأمم المتحدة للبيئة إن صور الاستشعار عن بعد أظهرت، حتى أيار/مايو من العام نفسه، تضرر 97.1 في المئة من المحاصيل الشجرية في غزة، و82.4 في المئة من المحاصيل الحولية، و95.1 في المئة من الأراضي الشجيرية، و89 في المئة من الأراضي العشبية أو البور. كما حذرت من تلوث التربة بالذخائر والنفايات الصلبة ومياه الصرف الصحي غير المعالجة، ومن أن استعادة التربة والغطاء النباتي قد تستغرق عقوداً.
وتشير الأمم المتحدة للبيئة كذلك إلى أن تدمير مرافق الصرف الصحي وشبكات المياه يزيد تلوث الخزان الجوفي والمناطق الساحلية والبحرية. وبحسب تقييمها، لم تعد مرافق معالجة مياه الصرف الصحي في القطاع تعمل، فيما أدى تدمير البنية التحتية إلى تفاقم التلوث ومخاطر الصحة العامة. أما البيئة البحرية، فقد تعرضت للتلوث بالذخائر ومياه الصرف الصحي والنفايات، في وقت تضررت فيه سبل عيش الصيادين بشدة.
ويقول المدني إن سلطة جودة البيئة لا تمتلك طواقم ميدانية عاملة في غزة، وتعتمد في تقييم الأضرار على البيانات المتاحة، والمؤسسات المحلية والدولية، ومؤسسات المجتمع المدني، وغرفة العمليات الحكومية المشتركة. وتتركز الجهود الحالية، وفق حديثه، على التقييم البيئي لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وهي مهمة شاقة في ظل محدودية المعلومات وصعوبة الوصول إلى المواقع المتضررة.
أما في المسار القانوني، فيقر المدني بأن التوثيق الميداني لا يزال غير كافٍ لإعداد ملفات قضائية متكاملة، وأن المتاح يعتمد بدرجة كبيرة على ما تنشره وسائل الإعلام والتقارير المحلية والدولية ومنصات التواصل الاجتماعي. ويؤكد أن إقامة المسؤولية لا تتوقف على إثبات حجم الضرر فحسب، بل تتطلب توثيقه وفق منهجيات ومعايير مقبولة لدى الجهات الدولية والقضائية.
حرب صامتة
وفي الضفة الغربية، يصف المدني ما تتعرض له البيئة أنه «حرب بيئية صامتة»، تستنزف عناصر البيئة الفلسطينية وتستهدف، في نظره، أحد المكونات الأساسية للهوية الفلسطينية وعلاقة الإنسان بأرضه.
ويقول إن سلطة جودة البيئة تعمل، بالتعاون مع مؤسسات أخرى، على التشجير وإعادة الغرس وإعداد ملفات توثيق يمكن عرضها على الجهات الدولية.
وتعكس أرقام موسم الزيتون حجم التحدي.
فقد وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 409 اعتداءات نفذتها قوات الاحتلال والمستوطنون ضد المزارعين وأشجار الزيتون والأراضي والمعدات الزراعية بين الأول والحادي والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2026، منها 317 اعتداءً من المستوطنين و92 من قوات الاحتلال. وسجلت محافظة نابلس العدد الأكبر بواقع 166 اعتداءً، تلتها سلفيت بـ91، ورام الله والبيرة بـ69.
وفي تقرير آخر، قالت الأمم المتحدة إن ما يقارب 200 اعتداء مرتبطاً بموسم الزيتون سُجل في الضفة الغربية حتى منتصف تشرين الأول/أكتوبر، متجاوزاً إجمالي الاعتداءات المسجلة خلال موسم 2025، مع إصابة أكثر من 120 فلسطينياً وتضرر أكثر من 2500 شجرة أو غرسة. وتؤكد هذه الأرقام أن الاعتداء على البيئة الزراعية يتزامن مع منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وسرقة المحاصيل، وإتلاف الأشجار والمعدات.
ويشدد المدني على أن العلاقة بين الاعتداءات والضرر البيئي تحتاج إلى توثيق معتبر، لا إلى توصيف سياسي فقط، حتى تتحول إلى ملفات قابلة للاعتماد أمام المؤسسات الدولية.
لكنه يعرب عن محدودية الرهان على المجتمع الدولي في ظل عجزه عن وقف ما يجري في غزة، داعياً إلى تحرك يتجاوز بيانات الإدانة.
وفي اليوم الدولي لمنع استخدام البيئة في الحروب والصراعات المسلحة، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في السادس من تشرين الثاني/نوفمبر، تبدو البيئة الفلسطينية أمام اختبار يتجاوز إعادة زراعة شجرة أو إصلاح شبكة مياه. فاستعادة الأرض تحتاج إلى وقف الاعتداءات، وإتاحة الوصول إلى المواقع المتضررة، وتقييم مستقل للأضرار، وإزالة مخلفات الحرب، وإعادة تأهيل المياه والتربة والبنى التحتية، إلى جانب ضمان المساءلة.
وبين زيتون برقة الذي يعاود أصحابه زراعته رغم تكرار اقتلاعه، وبيئة غزة التي تحذر التقييمات الدولية من أن تعافيها قد يستغرق عقوداً، تتجسد خسارة لا تقاس بالمحاصيل وحدها؛ إنها خسارة في شروط الحياة نفسها، وفــــي قدرة الأرض على احتضان أهلها وإعالتهم.