الكرمل للإعلام

ليبرمان يرفع الفيتو عن الأحزاب الحريدية.. ومباحثات لتشكيل حكومة بالتناوب مع آيزنكوت مقتل شاب وإصابة ثلاثة آخرين بجريمتين في طمرة والناصرة المشتركة توصي بتكليف آيزنكوت بتشكيل الحكومة لمنع عودة نتنياهو أيمن عودة يختصر إجازته ويعود إلى البلاد اليوم التوصيات لدى رئيس الدولة: الموحدة ستوصي على آيزنكوت والمشتركة لم تقرر بعد الموجز
-

حين يستَخدم اسم الله لتبرير ما لا يرضاه الله

حين يستَخدم اسم الله لتبرير ما لا يرضاه الله

بقلم : د. ايمن الديراوي

 


حين تتحول الرسالات من دعوة إلى الرحمة إلى وسيلة للسيطرة
لم تأتِ الرسالات السماوية لتزرع الكراهية أو تقسم البشر إلى معسكرات متناحرة، ولم يكن الدين يوما مبررا لإراقة الدماء أو انتهاك الكرامة الإنسانية. فقد حملت الأديان، في جوهرها الأخلاقي، دعوات إلى العدل والرحمة والإحسان، وجعلت من الإنسان وكرامته ومسؤوليته تجاه الآخرين محورا أساسيا في بناء الحياة والمجتمعات.
غير أن المأساة تبدأ عندما يتقدم بعض المنتفعين من الدين إلى الواجهة، فيتحدثون باسم السماء بينما تحركهم مصالح الأرض؛ يرفعون شعارات التقوى، ويسعون إلى السلطة والنفوذ، ويعظون الناس عن الفضيلة فيما تدار خلف الأبواب صفقات المصالح والامتيازات. عندها يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن لرسالة تدعو إلى الارتقاء بالإنسان أن تتحول على أيدي بعض أبنائها إلى وسيلة للهيمنة عليه.
لقد شهد التاريخ مراحل استخدمت فيها الرموز الدينية لتبرير الحروب، وتثبيت عروش الحكام، وإضفاء الشرعية على الاستبداد. وكثيرا ما اختلطت الشعارات المقدسة بمنافسات على الأرض والثروة والنفوذ، حتى بدا الصراع في ظاهره دفاعا عن العقيدة، بينما كانت المصالح السياسية والاقتصادية تحرك جانبا من أحداثه. وهكذا قد تتحول الكلمات التي يفترض أن توقظ الضمير إلى غطاء يحجب حقيقة الأطماع.
وتزداد خطورة هذا الاستغلال عندما تحتكر جماعة أو حزب أو حاكم حق تفسير الحقيقة، وتقدم نفسها بوصفها الممثل الوحيد للقيم الدينية. عندئذ يصبح الاختلاف تهمة، والنقد تشكيكا في النوايا، والمطالبة بالعدالة خروجا على الثوابت. ويجد الإنسان نفسه أمام خطاب يطالبه بالطاعة أكثر مما يدعوه إلى التفكير، ويخشى فيه بعض الناس مساءلة أصحاب النفوذ خشية أن يتهموا بالتقصير في إيمانهم أو الإساءة إلى معتقداتهم.
لكن من منح أي إنسان حق احتكار الحديث باسم الله. ومن أعطى صاحب السلطة حصانة أخلاقية تعفيه من المحاسبة. إن قداسة المبادئ لا تنتقل تلقائيا إلى الأشخاص الذين يرفعون شعاراتها، والانتماء الديني لا يحول الأخطاء إلى فضائل، ولا يجعل أصحاب النفوذ فوق القانون. فالمعيار الحقيقي لأي خطاب أخلاقي هو ما يتركه في حياة الناس من عدل وأمان وكرامة.
ولعل أخطر صور الاستبداد تلك التي تستمد قوتها من إضفاء القداسة على قرارات البشر، إذ لا تكتفي بتقييد حرية الاعتراض، بل تحاول إقناع الناس بأن الصمت فضيلة، والخوف حكمة، والخضوع واجب. وهنا تصبح المشاعر الدينية، التي يمكن أن تكون مصدرا للتراحم والتكافل، وسيلة لإغلاق أبواب الحوار وتقييد حق المجتمع في السؤال والمحاسبة.
وتتجلى المفارقة بوضوح في الخطاب الذي يطالب الفقراء بالصبر والتضحية، بينما يحافظ أصحابه على امتيازاتهم، أو يحث الناس على الأمانة في الوقت الذي تهدر فيه الأموال العامة بعيدا عن الشفافية والرقابة. وقد يصل الأمر إلى تصوير كشف الفساد باعتباره استهدافا للقيم، ومساءلة المسؤولين إساءة إلى الثوابت، فتمنح بعض الممارسات غطاء اخلاقيا يحول دون محاسبة مرتكبيها.
إن المجتمع الذي يقيس صلاح الإنسان بانتمائه، لا بأفعاله، يعرض نفسه لاختلال خطير في منظومة العدالة. فالعدل لا يتغير بتغير هوية الظالم، والسرقة لا تصبح أمانة لأن مرتكبها يتحدث بلغة دينية، وكرامة الضحية لا تقل قيمة لأن من انتهكها يدعي الدفاع عن قضية مقدسة. وحين تختلف معايير المحاسبة باختلاف الأشخاص والجماعات، تتراجع الثقة العامة، ويصبح الانتماء وسيلة لتبرير الأخطاء بدلا من أن يكون دافعا إلى تحمل المسؤولية.
والأكثر إيلاما أن الذين يستغلون إيمان الناس قد يدفعونهم إلى صراعات يتحملون هم أثمانها الباهظة، بينما يجني آخرون ثمارها السياسية أو الاقتصادية. فالفقير الذي يطلب منه أن يضحي قد يكون أول من يفقد بيته وأمنه ومصدر رزقه، فيما تبقى مصالح أصحاب النفوذ بمنأى عن الخسائر نفسها.
وحين تهدأ الصراعات، تظل الأسئلة معلقة: من ربح حقا. ومن خسر بيته وأبناءه ومستقبله. ومن دفع ثمن قرارات لم يشارك في صنعها. وأي مصلحة يمكن أن تبرر تحويل آلام البشر إلى سلم يصعد عليه الطامعون نحو السلطة. إن كرامة الإنسان ليست ثمنا مشروعا لتحقيق المصالح الخاصة، ولا يجوز أن يصبح الإيمان وسيلة لتجميل المعاناة أو إقناع ضحاياها بأن مساءلة المتسببين فيها أمر غير مقبول.
ومن هنا، فإن استعادة المعنى الإنساني للأديان تبدأ بإعادة الاعتبار إلى القيم التي تدعو إليها: العدل، والرحمة، والأمانة، والتواضع، وصون حقوق الآخرين. فالإيمان الذي لا ينعكس على السلوك، ولا يدفع إلى نصرة المظلوم وحماية الضعيف ومقاومة الفساد، يفقد أثره الأخلاقي في الحياة العامة، مهما بلغت فصاحة الخطاب الذي يرافقه.
ولا يعني ذلك الانتقاص من المعتقدات أو التشكيك في المؤمنين، بل حماية المجال الديني من الاستغلال السياسي والمصلحي. فالأديان تستحق أن تفهم من خلال قيمها ومبادئها، لا من خلال أخطاء من يوظفونها لمآربهم. كما أن احترام المعتقدات لا يستلزم منح أي شخص أو جماعة سلطة مطلقة، أو إعفاءهما من النقد والمساءلة.
إن الأوطان لا تبنى بإقصاء المختلفين أو تخوينهم، وإنما بإرساء العدالة والمواطنة وسيادة القانون واحترام التنوع. ويظل من حق الإنسان أن يعتز بعقيدته ويدافع عن قناعاته، ما دام ذلك لا يتحول إلى مبرر لمصادرة حقوق الآخرين أو الانتقاص من كرامتهم. فالتعايش لا يتطلب تطابق المعتقدات، بل يحتاج إلى الاعتراف المتبادل بحق الجميع في الحياة والأمان والاحترام.
وفي مجتمعات أنهكتها الحروب والانقسامات، تبدو الحاجة ملحة إلى خطاب يعيد وصل الأخلاق بالحياة اليومية، ويجعل من الاختلاف فرصة للحوار لا ذريعة للصراع. خطاب يرفض الانتقام، ويشجع المصالحة، ويحمي حق الإنسان في الاعتراض، ويؤكد أن المسؤولية العامة لا تسقط بالتذرع بالمقدسات أو الاحتماء بالشعارات.
إن الدفاع عن الدين يبدأ من رفض استغلاله، ومن التمييز بين قداسة القيم ومصالح من يتحدثون باسمها. فليس من الإنصاف أن تحمل الرسالات مسؤولية ممارسات تتناقض مع مبادئ العدل والرحمة التي تدعو إليها، كما ليس من المقبول أن تتحول مكانة الدين في وجدان الناس إلى وسيلة تمنح بعض الأفراد نفوذًا لا يخضع للمحاسبة.
ولعل السؤال الأهم الذي ينبغي أن يواجهه كل مجتمع هو: إذا كانت القيم الدينية تحث على العدل، فلماذا يبرر الظلم أحيانا باسمها. وإذا كانت تدعو إلى الأمانة، فلماذا يتسامح مع الفساد حين يصدر عن أصحاب النفوذ؟ وإذا كانت تحث على الرحمة، فكيف يمكن تبرير القسوة وإهدار كرامة الإنسان باسمها.
إن طرح هذه الأسئلة لا ينتقص من الإيمان، بل يضع الممارسة البشرية أمام مسؤوليتها الأخلاقية. فالمقدسات ليست حصانة للمخطئين، والخطاب الديني لا ينبغي أن يكون بديلًا عن القانون، والانتماء لا يمنح أحدا حق الإفلات من المحاسبة.
لقد آن الأوان لأن تدرك المجتمعات أن قوتها لا تأتي من احتكار الحقيقة، بل من قدرتها على حماية الإنسان، وأن استقرار الأوطان لا يتحقق بإسكات الأصوات الناقدة، وإنما بإقامة العدل وصون الحقوق وتعزيز الثقة بين الناس ومؤسساتهم.
فلا تجعلوا اسم الله طريقا إلى السلطة، ولا تحولوا الدين إلى غطاء للمصالح، ولا تستخدموا المقدسات سلاحًا في معارككم الخاصة.
إن الرسالات التي تدعو إلى الخير والرحمة أسمى من أن تختزل في صراع على النفوذ، والإنسان أكرم من أن يصبح أداة في أيدي المتاجرين بمشاعره. وحين تتعارض الممارسات مع العدل والكرامة، فإن مساءلتها مسؤولية أخلاقية لا يجوز التنازل عنها.
فحين يستخدم الدين ستارا للفساد، تصبح مقاومة الفساد دفاعا عن القيم، وتغدو كلمة الحق حماية لكرامة الإنسان.

ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة،  عن رأي الموقع
للمزيد : أرشيف القسم
 
 
....