|
صوتنا في زمن الصمت حين تصبح المشاركة مسؤولية، ويصبح الحفاظ على الإنسان فعل مقاومة هناك لحظات في التاريخ لا يُقاس فيها موقف الإنسان بما يقوله فقط، بل بما يرفض أن يصمت عنه. نعيش اليوم واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ منطقتنا. غزة التي تحمل في ذاكرتها وجعًا لا يشبهه وجع، والضفة الغربية التي تواجه تصعيدًا وعنفًا متواصلًا، ومجتمعات بأكملها تعيش بين الخوف والقلق وفقدان اليقين بالمستقبل. وفي قلب هذا المشهد الثقيل، يجد الإنسان نفسه أمام سؤال يتجاوز السياسة اليومية: ماذا نستطيع أن نفعل حتى لا يتحول الألم إلى استسلام؟ ربما تكون البداية من أبسط الأشياء وأكثرها أهمية: أن نحافظ على صوتنا. فالصوت ليس مجرد كلمات تُقال، ولا مجرد موقف عابر في لحظة سياسية. الصوت هو إعلان عن الوجود، وعن الكرامة، وعن الحق في أن يكون للإنسان رأي في القضايا التي تمس حياته ومستقبل أبنائه. وعندما ينسحب الناس من المجال العام، لا تختفي القضايا التي تؤلمهم، ولا تتوقف القرارات التي تؤثر في حياتهم. الذي يحدث فقط هو أن الآخرين يصبحون أكثر قدرة على الحديث باسمهم. لهذا فإن الصمت في أوقات التحولات الكبرى ليس دائمًا حيادًا. أحيانًا يكون غيابًا عن لحظة تحتاج إلى الحضور. لكن الحضور لا يعني الصراخ، ولا يعني الكراهية، ولا يعني تحويل الاختلاف إلى عداوة. المشاركة الحقيقية هي أن نتمسك بحقنا في التعبير، وأن نختلف دون أن نلغي بعضنا بعضًا، وأن نبحث عن المشترك الإنساني حتى عندما تبدو المسافات السياسية شاسعة. نحن بحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى خطاب جديد؛ خطاب لا تغذيه الكراهية، ولا يتغذى على الخوف، ولا يرى في المختلف عدوًا لمجرد أنه يختلف. فالمنطقة دفعت ثمنًا باهظًا للعنف، والأجيال الجديدة تستحق أن ترث شيئًا مختلفًا عن الخوف والدمار والانقسام. تستحق أن ترث الكرامة والمساواة والأمان والعدالة والحرية. وهذه القيم لا تتحول إلى واقع بمجرد أن نتحدث عنها. إنها تحتاج إلى مجتمعات حية، وإلى مواطنين يؤمنون بأن وجودهم في المجال العام مهم، وأن الدفاع السلمي عن الحقوق ليس ترفًا، وأن الاختلاف يمكن أن يكون مصدر قوة بدل أن يتحول إلى سبب للانقسام. لقد علمتنا التجارب أن المجتمعات لا تخسر قوتها فقط عندما تُهزم عسكريًا أو اقتصاديًا؛ قد تخسر قوتها أيضًا عندما يفقد أفرادها الثقة بقدرتهم على التأثير، وعندما يعتقدون أن لا شيء يمكن أن يتغير. وهنا تكمن المعركة الأعمق: معركة الأمل. أن تقنع الإنسان بأن صوته لا قيمة له هو أن تدفعه خطوة نحو العزلة واليأس. أما أن يستعيد الإنسان إحساسه بأنه قادر على المشاركة والتأثير، فهذا يعني أن المجتمع ما زال حيًا. ولذلك، فإن مسؤوليتنا اليوم ليست فقط أن نتذكر الضحايا، بل أن نسأل أنفسنا: أي مستقبل نريد أن نبنيه من بين هذا الركام؟ هل نريد مستقبلًا يستمر فيه الخوف؟ هل نريد أن يرث أبناؤنا لغة الكراهية؟ هل نريد أن يصبح العنف هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع؟ أم نريد مستقبلًا يستطيع فيه الإنسان أن يعيش بكرامة، وأن يشعر بالأمان، وأن يختلف دون خوف، وأن يرى في العدالة أساسًا للسلام؟ إن السلام الحقيقي لا يعني نسيان الألم، ولا يعني التخلي عن الحقوق. السلام الحقيقي يبدأ عندما ندرك أن العدالة والكرامة الإنسانية ليستا امتيازًا لشعب دون آخر، وأن حياة الإنسان لا تصبح أقل قيمة بسبب هويته أو موقعه أو انتمائه. وفي هذه اللحظة تحديدًا، نحن بحاجة إلى استعادة معنى المسؤولية الجماعية. مسؤولية تجاه من فقدوا حياتهم. مسؤولية تجاه من فقدوا بيوتهم وأحلامهم. ومسؤولية أكبر تجاه الأطفال الذين لم يختاروا هذه الحرب، لكنهم سيدفعون ثمنها لسنوات طويلة. ربما لا نستطيع تغيير كل شيء دفعة واحدة، وربما لا نملك الإجابة عن كل الأسئلة الصعبة. لكننا نملك شيئًا لا ينبغي أن نتنازل عنه: قدرتنا على أن نكون حاضرين، وأن نعبر، وأن نختلف، وأن نرفض الكراهية، وأن نتمسك بإنسانيتنا. الصوت أمانة. وحين نحافظ على أصواتنا، فإننا لا نحافظ فقط على حقنا في التعبير؛ نحن نحافظ على جزء من مستقبلنا. فلا تسمحوا لسنوات الألم أن تقنعكم بأنكم عاجزون. ولا تسمحوا للانقسام أن يمحو ما يجمعكم. ولا تسمحوا للكراهية أن تصبح اللغة الوحيدة المتاحة. قد يبدو صوت الإنسان ضعيفًا أمام ضجيج الحرب، لكنه يصبح قويًا عندما يتحول إلى وعي، ومشاركة، ومسؤولية، وإصرار على مستقبل أفضل. وفي النهاية، ربما لا نستطيع أن نختار الزمن الذي نعيش فيه، لكننا نستطيع أن نختار كيف نعيش داخله، وما الذي نتركه وراءنا للأجيال القادمة. فالتاريخ لا يتذكر فقط من امتلك القوة، بل يتذكر أيضًا من امتلك الشجاعة ليقول: نريد مستقبلًا مختلفًا. نريد حياةً تليق بالإنسان. نريد عدالةً لا تستثني أحدًا. ونريد سلامًا لا يقوم على الخوف، بل على الكرامة والحرية والانصاف.
|