xxxxxxxxxxxx xxxxxxxxxxxx
>
استقالة جديدة في «يش عتيد»: كارين إلهرار لن تخوض الانتخابات المقبلة عن الحزب جورج وأمل كلوني يتصدران نجوم هوليوود في مهرجان البندقية السينمائي استطلاع «أفكار»: تحالف «لكلّنا مكان» مع القائمة المشتركة قد يرفع تمثيل العرب إلى 16 مقعدًا ثلاثة قتلى بإطلاق النار في الناصرة : نور نفافعة ، نور حلو ومصطفى بدرة الولايات المتحدة وإيران تتبادلان الضربات العسكرية في تصعيد جديد الليلة الموجز

حين يذوب الفرد في الجماعة: كيف أعاد منصور عباس تشكيل وعي جمهور الموحدة؟

حين يذوب الفرد في الجماعة: كيف أعاد منصور عباس تشكيل وعي جمهور الموحدة؟

بقلم : د. فلح سمارة

 


ليس السؤال الأهم في تجربة منصور عباس والقائمة العربية الموحدة: كيف غيّر حزب سياسي مواقفه؟ بل السؤال الأعمق هو: كيف أمكن إقناع جمهور نشأ داخل حركة إسلامية فلسطينية، وارتبط لعقود بثوابت وطنية ودينية واضحة، بقبول خطاب سياسي كان سيعدّه قبل سنوات قليلة تنازلا خطيرا عن هويته وروايته وحقوقه؟
كيف يستطيع إنسان مثقف، طبيب أو مهندس أو أستاذ جامعي، أن يعترض في داخله على موقف ما، ثم يدخل اجتماعا حزبيا فيخرج منه مدافعا عنه بحماسة، وربما أشد اندفاعا من الذين صاغوه؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها السياسة وحدها، بل يقودنا فهمها إلى علم نفس الجماهير، وتحديدا إلى كتاب غوستاف لوبون الشهير «سيكولوجية الجماهير»، الذي صدر سنة 1895 في مرحلة شهدت صعود الجماهير إلى الحياة السياسية، وتراجع نفوذ الطبقات الأرستقراطية، واتساع أثر الثورات والأفكار الاشتراكية والتنظيمات الشعبية.
لكن القيمة الحقيقية في كتاب لوبون لا تكمن في وصف الحشود التي تتجمع في الشوارع فقط، بل في تحليله لما سماه «الجمهور النفسي». فالجمهور، عنده، قد يكون حزبا أو طائفة أو حركة دينية أو جماعة انتخابية، وقد لا يجتمع أفراده في مكان واحد. يكفي أن توحدهم هوية واحدة، ورمز واحد، وقائد واحد، وقصة سياسية واحدة، حتى يبدأوا بالنظر إلى العالم من خلال عقل جماعي مشترك.
نحن نميل إلى الاعتقاد أن الإنسان يمتلك شخصية ثابتة وعقلا واحدا يعمل بالطريقة نفسها في البيت والعمل والاجتماع الحزبي والمظاهرة والملعب. لكن التجربة الإنسانية تقول غير ذلك.
فالإنسان حين يكون منفردا يشعر بأن قراره يعود إليه وحده، ولذلك يحاسب نفسه، ويتردد، ويفكر في النتائج، ويستمع إلى الاعتراضات، ويمارس شيئا من النقد الذاتي. أما حين يدخل في جماعة شديدة التماسك، فإن الشعور بالمسؤولية الفردية يتراجع، ويحل محله شعور بالقوة والانتماء والحماية.
هنا لا تختفي المعرفة، ولكن تتغير وظيفتها. فصاحب الشهادة لا يعود بالضرورة أكثر استقلالا؛ وقد يوظف ذكاءه للدفاع عن موقف الجماعة بدلا من فحصه. والتعليم يمنح الإنسان أدوات التفكير، لكنه لا يضمن له الشجاعة النفسية لمخالفة الجماعة التي تمنحه هويته ومكانته وشعوره بالأمان.
يلخص لوبون هذه الحالة بعبارة قاسية: «اختفاء الشخصية الواعية وسيطرة الشخصية اللاواعية». ثم يصف الفرد داخل الجمهور بأنه قد يتحول إلى شخص تقوده العدوى والإيحاء أكثر مما تقوده إرادته المستقلة. 
وهذا لا يعني أن كل جماعة جاهلة، أو أن كل من ينتمي إلى حزب يفقد عقله. فالأبحاث النفسية الحديثة تجاوزت تعميم لوبون القائل إن الجماهير غير عقلانية بطبيعتها؛ وأظهرت أن الجماعات تستطيع أيضا إنتاج التضامن والانضباط والحكمة والعمل الأخلاقي. المسألة تتوقف على نوع الهوية المشتركة، وبنية القيادة، وحرية النقاش، وطريقة التعامل مع المخالف. 
لكن تحذير لوبون يبقى صالحا حين تتحول الجماعة من مساحة للنقاش إلى منظومة مغلقة، وحين يصبح الولاء للقائد أهم من محاسبة الفكرة.
يحدد لوبون ثلاث وسائل رئيسية للتأثير في الجماهير: «التأكيد، والتكرار، والعدوى».
التأكيد هو طرح الفكرة بصورة حاسمة من دون الدخول في تعقيداتها. والتكرار يحولها مع الزمن إلى حقيقة مألوفة. ثم تأتي العدوى النفسية، فيكررها الأعضاء بعضهم أمام بعض، حتى يشعر المتردد أن الجميع مقتنعون بها، فيخشى أن يكون هو المخطئ أو الخارج عن الصف.
يقول لوبون إن العبارة كلما كانت موجزة وخالية من البرهان بدت، في نظر الجمهور، أكثر قوة. وعندما تتكرر بالصيغة نفسها، تستقر في منطقة عميقة من الوعي إلى أن يجري التعامل معها كأنها حقيقة مثبتة. 
من هنا نفهم سر الشعارات السياسية البسيطة:
«نريد أن نؤثر».
«الناس تريد ميزانيات لا شعارات».
« جربنا المعارضة ولم نحصل على شيء».
«مشكلتنا الحقيقية هي الجريمة والعنف».
«نحن واقعيون والآخرون يعيشون في الأوهام».
هذه الجمل ليست باطلة كلها. فالجريمة مشكلة حقيقية، والتمييز الاقتصادي واقع مؤلم، والتأثير السياسي ضرورة، وتحسين حياة الناس واجب لا يجوز الاستخفاف به. لكن الخطر يبدأ حين تختزل قضية شعب كاملة في مشكلة واحدة، وحين يتحول مطلب التأثير من وسيلة إلى عقيدة، ومن أداة لتحقيق الحقوق إلى مبرر للتنازل عنها.
هنا تكمن براعة خطاب منصور عباس: لم يطلب من جمهوره أن يتخلى دفعة واحدة عن هويته الفلسطينية أو مرجعيته الإسلامية. لقد أعاد ترتيب الأولويات تدريجيا، ووضع أمامه صورة ذهنية بسيطة: مجتمع عربي غارق في العنف، وقائد عملي…

ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة،  عن رأي الموقع
للمزيد : أرشيف القسم
 
× انضم لمجموعة الكرمل عبرالواتساب
احصل على التحديثات والأخبار فورًا عبر واتساب.