ليس فقط إذا تجاوز نسبة الحسم، بل إذا نجح في تغيير اللغة السياسية التي اعتدنا عليها؛ إذا استطاع أن يثبت أن اليهود والعرب ليسوا مضطرين للظهور في مواجهة بعضهم بعضًا بوصفهم مشكلة، أو تهديدًا، أو موضع شك دائم، بل يمكنهم أن يقفوا معًا باعتبارهم شركاء متساوين في وطن واحد، وفي مجتمع واحد، يجمعهم مستقبل أفضل. حزب ينضم إلى خارطة الأحزاب القائمة، مع كامل الاحترام لها، كخيار إضافي، وبيتٍ لكل من يؤمن بهذه الرؤية.
ومن باب الشفافية، أُذكّر بأنني كنت من بين الموقعين، قبل نحو ستة أشهر، على بيان دعم فكرة إقامة حزب عربي–يهودي/يهودي–عربي (وأرفقت الرابط في التعليق الأول، حيث أجبت أيضًا عن كثير من الأسئلة التي طُرحت عليّ في المنشور السابق).
من يعرفني جيدًا لم يفاجأ بذلك؛ فلم أوقّع بدافع نزوة عابرة، وإنما انطلاقًا من قناعة رافقتني طوال حياتي، مفادها أن مستقبل هذه البلاد يتوقف على قدرتنا على بناء شراكة عربية–يهودية كاملة، متساوية وشجاعة؛ شراكة لا تكون مجرد زينة أو مجاملة، بل مسؤولية مشتركة عن هذا البيت الذي نتقاسمه.
وكعادتي، آنذاك كما اليوم، دعمت الفكرة، وفي المقابل تعرضت لسيل من الانتقادات والغضب والتجريح.
فالحزب العربي–اليهودي، أو اليهودي–العربي، ليس بالنسبة إلي مجرد مشروع انتخابي، بل هو جزء من رؤية أوسع بكثير لحياة مشتركة علينا أن نواصل بناءها في جميع مجالات حياتنا، وأن نطوي صفحة الفصل والتقسيم البغيض، لنقيم معًا فضاءً جديدًا.
ومن خلال الكم الكبير من التعليقات التي تلقيتها، بدا لي أن من المناسب التوقف عند عدد من المخاوف المركزية. والمفارقة أن معظم هذه المخاوف لا ترفض فكرة الشراكة العربية–اليهودية، بل تنبع في الحقيقة من قلق مشروع وصادق على مستقبلنا جميعًا بعد الانتخابات.
وسأحاول هنا، بقدر استطاعتي، التطرق إليها، ليس لحسم النقاش، بل لجعله أكثر دقة ووضوحًا.
---
هل فات الأوان؟ وهل المخاطرة الانتخابية كبيرة جدًا؟
الرؤية لا تعفي من المسؤولية السياسية. فمن يسعى إلى إقامة إطار سياسي جديد، عليه أن يثبت أنه ليس مجرد حلم جميل، بل مشروع قابل للتطبيق، يستند إلى قاعدة جماهيرية، ومعطيات موثوقة، وآلية مسؤولة، وفرصة حقيقية لتجاوز نسبة الحسم.
لكن، إلى جانب الحذر المطلوب، ينبغي أيضًا الحذر من الوقوع في فخ العبارة المعتادة: *"الآن ليس الوقت المناسب."*
في إسرائيل، وفي السياسة الإسرائيلية تحديدًا، هناك دائمًا حالة طوارئ: الانتخابات دائمًا مصيرية، والمخاطر دائمًا كبيرة، وهناك دائمًا سبب لتأجيل مشروع الشراكة إلى وقت لاحق. لكن ذلك "الوقت اللاحق" لا يأتي في الغالب أبدًا. فما إن تنتهي الانتخابات حتى تبدأ مفاوضات تشكيل الحكومة، ثم تتوالى الأزمات، ثم تأتي انتخابات جديدة، ومخاطر جديدة، وتأجيل جديد. وهكذا تُؤجل الرؤية مرة بعد أخرى لصالح إدارة اليوميات.
لذلك، فالسؤال ليس إن كان ينبغي تجاهل التوقيت؛ بالطبع لا. وإنما السؤال هو: هل يجعل التوقيت الصعب محاولة إقامة هذا المشروع غير شرعية؟ أم أنه يذكّرنا بأن انتظار اللحظة المثالية يعني أننا لن نبدأ أبدًا ببناء ما يحتاجه الحاضر؟
---
كيف نمنع ضياع الأصوات وتكرار صدمات الماضي؟
أي حزب لا يستطيع أن يثبت وجود فرصة حقيقية لتجاوز نسبة الحسم، لا يحق له أن يختبئ خلف الشعارات أو الرؤية، مهما كانت نبيلة. فلا يجوز أن يعرّض إمكانية إسقاط حكومة يعتبرها كثيرون خطيرة للخطر.
لذلك، تقع على عاتق مؤسسي أي حزب، وبخاصة حزب يحمل رؤية بهذا الحجم، مسؤولية كبيرة تتمثل في فحص الواقع بصدق، وتقديم معطيات موثوقة، وإثبات وجود قاعدة جماهيرية حقيقية. وإذا اتضح، لا قدّر الله، أنه لا توجد إمكانية واقعية وآمنة لعبور نسبة الحسم، فعليهم أن يعلنوا انسحابهم من السباق بشكل واضح وفي الوقت المناسب.
لكن المسؤولية لا تقع على المؤسسين وحدهم، بل أيضًا على الناخبين والناخبات. فمن واجبهم أن يسألوا، ويدققوا، ويطالبوا باستطلاعات جدية، وبيانات شفافة، ومؤشرات حقيقية على تصاعد الدعم. فلا ينبغي ملاحقة أحلام مستحيلة، لكن في المقابل لا يجوز دفن كل فكرة جديدة قبل أن تولد.
إن دروس الماضي لا ينبغي أن تمنعنا من تجربة نموذج جديد، بل أن تذكرنا بأن الرؤية من دون مسؤولية قد تتحول إلى مخاطرة، كما أن الخوف من دون رؤية قد يتحول إلى قدر.
---
هل يجب أولًا إسقاط الحكومة، ثم الحديث عن الرؤية؟
لا شك أن وقف الخطر القائم هو مهمة عليا. لكن السؤال هو: ما الذي يُعد جزءًا من عملية الإنقاذ؟
فالمواطنون العرب الذين يعانون التهميش والعنف لا يستطيعون انتظار أن "تنقذ الدولة نفسها". إنهم ليسوا ملحقًا بالدولة، ولا جمهورًا يمكن دعوته لاحقًا إن أُريد له ذلك. إنهم جزء من الجسد الذي ينزف.
لذلك، فالشراكة العربية–اليهودية ليست مرحلة تأتي بعد الإنقاذ، بل هي أحد شروطه الأساسية. فالديمقراطية التي تحاول إنقاذ نفسها بينما تستمر في النظر إلى خُمس مواطنيها باعتبارهم عنصرًا مشروطًا أو مشبوهًا أو خارجيًا، لا تنقذ نفسها حقًا، وإنما تؤجل الأزمة المقبلة، التي ستأتي – كما علمتنا التجارب – أكبر وأكثر دموية.
---
لماذا لا ينضم أصحاب الفكرة إلى حزب قائم بدل تأسيس حزب جديد؟
الانضمام إلى حزب قائم خيار مشروع، وقد يكون خطوة مهمة. لكن ينبغي التمييز بين *التمثيل* و*الشراكة*.
فهناك فرق عميق بين بيت يهودي يخصص غرفة للعرب، أو بيت عربي يخصص غرفة لليهود، وبين بيت شُيّد منذ البداية على أيدي اليهود والعرب معًا.
ليس كزينة وطنية، ولا كتحالف تكتيكي، ولا كحضور رمزي يهدف إلى تهدئة الضمير، وإنما كإطار سياسي يتحدى من جذوره المنطق الإثني الذي اعتدنا عليه، والذي يصور اليهود والعرب وكأنهم محكومون بالوقوف دائمًا على طرفي المتراس.
لا نريد بعد اليوم "حزبًا عربيًا فيه عدد قليل من اليهود"، ولا "حزبًا يهوديًا يسمح بحضور عربي محدود". لقد حان الوقت لتخيّل معسكر مدني مشترك يقوم على تقاسم متساوٍ للسلطة.
---
هل من الأفضل أن تبقى المبادرة حركة شعبية لا حزبًا سياسيًا؟
إن الشراكة السياسية من دون جذور مدنية ستبقى ضعيفة، وقد تتحول إلى شعار انتخابي بدل أن تكون عملية اجتماعية عميقة.
لكن المجتمع المدني، إذا بقي بلا قوة سياسية، سيظل محدود التأثير، خاصة إذا كان يريد إحداث تغييرات جوهرية. ففي نهاية المطاف، القوانين، والميزانيات، والشرطة، والتخطيط، والأراضي، والتعليم، والحرب والسلام، كلها تُحسم في الساحة السياسية.
لذلك، فالسؤال ليس: حركة أم حزب؟ بل: كيف نبني الاثنين معًا؟ حركة مدنية عميقة تعزز الثقة، إلى جانب قوة سياسية مسؤولة قادرة على الوصول إلى دوائر صنع القرار. فالشراكة يجب أن تنمو من القاعدة، لكن لا يجوز أن تبقى محصورة فيها.
---
هل فشل حزب كهذا سيضر بفكرة الشراكة كلها؟
برأيي، ينبغي الفصل بين الفكرة التاريخية وبين تجربة سياسية بعينها. ففشل حزب واحد لا يعني فشل الشراكة العربية–اليهودية، تمامًا كما أن فشل حزب ليبرالي لا يعني نهاية الليبرالية.
لكن حتى لا يتحول أي فشل محتمل إلى انهيار في الثقة، يجب العمل بشفافية، وتواضع، ومسؤولية. فلا يجوز تقديم وعود باليقين حيث لا يوجد يقين، ولا اعتبار النقد خيانة، ولا تحويل الرؤية الكبرى إلى حصانة من الأسئلة الجدية.
من يريد بناء الثقة، عليه أن يتصرف وكأن الثقة نفسها هي أثمن ما يملك، وأن تكون الحقيقة بوصلته.
---
هل المجتمع العربي شريك فعلًا في هذه الفكرة؟
معظمنا ليس معاديًا لفكرة الشراكة، بل نؤمن بها بطرق مختلفة، لكننا نختلف حول كيفية تحقيقها، وشروطها، ومع من.
هناك جمهور واسع يريد أن يجلس إلى طاولة اتخاذ القرار، لا أن يبقى متفرجًا من المدرجات؛ يريد أن يكون شريكًا في رسم جدول الأعمال، لا مجرد هدف لوعود انتخابية.
لكن الشكوك عميقة، وهي وليدة عقود من المساواة المؤجلة، والمواطنة المشروطة، والوعود التي لم تُنفذ، والتمثيل الرمزي، والسياسة التي تطلب الصوت العربي لكنها تتردد في الاعتراف به كشريك متساوٍ.
ولذلك، فإن الجهد لا يجب أن يقع على الحزب العربي–اليهودي أو على المجتمع العربي وحدهما، بل أيضًا على المعسكر اليهودي الليبرالي، الذي ينبغي أن يقول بوضوح: *العرب ليسوا كتلة مانعة تُستدعى وقت الحاجة، بل شركاء كاملون في بناء البيت.*
وسيُقاس نجاح هذا الحزب ليس بالشعارات عن الحياة المشتركة، بل بقدرته على التعامل مع القضايا الأكثر إيلامًا: الجريمة، والأمن الشخصي، والتخطيط، والإسكان، والأراضي، والتعليم، والعمل، والشرطة، والميزانيات، والاعتراف بالهوية الفلسطينية. فمن دون ذلك، ستبقى الشراكة مجرد فكرة جميلة، أما إذا تحقق ذلك، فقد تتحول إلى بيت سياسي حقيقي.
---
هل يمكن أن تتحول هذه الشراكة إلى تطبيع مع اللامساواة؟
الشراكة التي تخفي اللامساواة هي بالفعل شكل من أشكال التطبيع معها. أما الشراكة التي تطلب من الفلسطيني أن يصمت عن ألمه كي يكون "شريكًا مريحًا"، فليست شراكة، بل إلغاء لوجوده.
الشراكة الحقيقية لا تخفي الظلم، بل تكشفه وتواجهه. وهي لا تطلب نسيان الفجوات، بل تدعو إلى قوة مدنية وسياسية مشتركة قادرة على معالجتها، لا لتجميل الواقع، بل لتغييره.
---
كيف نتجنب الوصاية وإعادة إنتاج علاقات القوة؟
الشراكة الحقيقية لا يمكن أن تكون ديكورًا أخلاقيًا لحلم طرف واحد.
فاليهود لا ينبغي أن يتحدثوا باسم العرب بدلًا من العرب، والعرب لا ينبغي أن يتحولوا إلى دليل على "حسن نية" الليبراليين اليهود.
المعيار الحقيقي ليس من يظهر في ملصقات الانتخابات، بل من يملك السلطة، ومن يكتب البرنامج السياسي، ومن يحدد الأولويات، ومن يقود، ومن يملك حق الاعتراض، ومن يستطيع أن يقول: *لا*.
فإذا لم يكن هناك تقاسم حقيقي للسلطة، فلا توجد شراكة حقيقية.
---
ماذا عن النساء، ومجتمع الميم، والشرقيين، وسكان الأطراف، وبقية الفئات؟
هذا سؤال في مكانه.
فالبيت السياسي الجديد يجب ألا يسأل فقط: من دخل إليه؟ بل أيضًا: من بقي خارج بابه، حتى وهو يرفع شعار "الشراكة"؟
إذا اقتصرت الشراكة على رجال من الشعبين، أو على النخب المتعلمة في المركز، أو على من يجيدون اللغة السياسية السائدة، فلن تكون شراكة جديدة بالمعنى الحقيقي.
فالشراكة العربية–اليهودية العميقة يجب أن تكون أيضًا نسوية (حتى على مستوى التمثيل العددي)، واجتماعية، وطبقية، وحساسة تجاه الأطراف، ومنفتحة على الشباب، وعلى مجتمع الميم، وعلى جميع المجموعات، بمعنى الاعتراف بكرامة الإنسان وحريته، أيًا كان.
---
كيف نضمن الشفافية في الانتقال من حركة مدنية إلى حزب سياسي؟
هذه الأسئلة مشروعة، ولا تُعد هجومًا على فكرة الحزب العربي–اليهودي، بل شرطًا لنضجه.
فمن يريد بناء سياسة جديدة، لا يستطيع أن يستخدم أدوات السياسة القديمة القائمة على الغموض، والانغلاق، واتخاذ القرارات خلف الأبواب المغلقة.
ولأن الحديث يدور عن مجتمعات مجروحة ومليئة بالشكوك، فإن مستوى الشفافية يجب أن يكون أعلى من المعتاد. والفصل الواضح بين الحركة المدنية والإطار الحزبي، واعتماد آليات ديمقراطية، وتقديم تقارير للجمهور، والاستعداد لتقبل النقد، ليست تفاصيل تقنية، بل جزء أساسي من جوهر المشروع نفسه.