| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
|
|
| الموجز |
|
|
إن أزمة العرب مع الهيمنة لا تبدأ من ولا تقتصر على الخليج، ولا قصور النفط. دعونا نلقي نظرة على الداخل الفلسطيني، حيث يعيش الفلسطينيون داخل إسرائيل مواطنين في القانون، لكنهم مضطرون دائمًا إلى الدفاع عن معناهم، وهويتهم، وانتمائهم في وطنهم نفسه.
هنا، لا تدور المعركة فقط على الأرض، البيوت، اللغة والذاكرة. إنها معركة على الوعي ذاته: محاولة لصناعة "العربي الجيد"؛ العربي الذي يستجدي الميزانيات بلا ذاكرة، والحقوق بلا قضية وطنية، ومكانًا في السياسة الإسرائيلية بشرط تركه لهويته الفلسطينية عند الباب. من هنا المدخل نحو اشكالية منصور عباس وقائمته الموحدة مع القائمة المشتركة.
القضية ليست شخصية، وليست عداءً لرجل لأنه متدين أو لانتمائه إلى الحركة الإسلامية. القضية سياسية وأعمق بكثير: فأي سياسة هذه التي تطلب من الأحزاب العربية أن تدخل قائمة انتخابية واحدة، ثم تطلب منها مسبقًا تفويضًا مفتوحًا لدعم حكومة إسرائيلية لا نعرف رئيسها، ولا وزراءها، ولا برنامجها، ولا موقفها من الحرب، والاحتلال، وقانون القومية، وهدم البيوت، والجريمة في مجتمعنا؟ أو بالأصح يمكننا بسهولة توقّع ذلك، وأغلب الظنّ لن نجد ما يرضينا.
إذا كانت ما تسمى "القائمة التقنية" تقنية حقًا، فمعناها بسيط: تخوض الأحزاب العربية الانتخابات معًا كي لا تضيع الأصوات العربية، مع احتفاظ كلّ حزب بمواقفه السياسية بعد الانتخابات. لكن حين يتحول هذا الترتيب إلى التزام مسبق بدعم حكومة مجهولة، فإنه يكفّ عن كونه تقنية انتخابية. يصبح شيكًا سياسيًا مفتوحًا. ومن يطلب هذا الشيك لا يريد شراكة؛ يريد غطاءً. لا يريد وحدة؛ يريد أن يحمل الآخرين إلى مشروعه الخاص ويحمّلهم معه مسؤولية وتبعات مغامرته الخاصة.
ما يثير القلق أكثر أن عباس يبدو غير مستعد حتى للبقاء داخل الإطار التقنيّ الذي كان، نظريًا، أساس النقاش. فبدل أن يتعامل مع المفاوضات كمسار بين شركاء متساوين، يبدو أنه يقدّم شروطًا جاهزة ويطلب من الآخرين قبولها كما هي: خذوها أو اتركوها. هذه ليست لغة بناء ائتلاف؛ إنها لغة إنذار وابتزاز سياسي.
أي تحالف، خصوصًا إذا كان هشًا ومتنوعًا كتحالف انتخابي لفلسطينيّي الداخل، لا يستطيع أن يعيش إلا بالتفاهم، والحوار، والاحترام المتبادل. وحين يتخلّى طرف عن التفاوض لصالح فرض الشروط، يصبح السؤال لا مفرّ منه: هل الهدف ما زال الوصول إلى اتفاق، أم جعل الاتفاق مستحيلًا؟
طرحنا هنا لا يفترض إن عباس عميل للأحزاب الصهيونية، وليس إطلاقا لاتهامات بلا دليل. لكن السياسة تُقاس بنتائجها أيضًا، لا بالنوايا المعلنة فقط. فإذا كانت نتيجة هذه التكتيكات هي إضعاف الوحدة الفلسطينية في الداخل وتفتيت القوة السياسية الجماعية، فإن المستفيدين واضحون، مهما كانت الدوافع. في السياسة، قد تخدم الأفعال مصلحة خارجية بشكل غير مباشر حتى لو لم يكن ذلك هدفها المعلن. ولهذا السبب وحده، يجب فحص نتائج هذا النهج بجدية.
هذا ليس خلافًا شخصيًا ولا نزاعًا عاديًا على المقاعد. الرهان أكبر من أي قائد أو زعيم فرد. في لحظة يواجه فيها الفلسطينيون داخل إسرائيل تحديات سياسية خطيرة، فإن التدمير المتهور أو المتعمد لتحالف عربي واسع سيكون هدية استراتيجية للقوى التي فضّلت دائمًا مشهدًا عربيًا منقسمًا. سواء حدث ذلك بقصد أو كنتيجة، فإن تقويض الوحدة يخدم مصالح تناقض القوة الجماعية لمجتمعنا.
المشكلة ليست فقط في العلاقة مع الأحزاب الصهيونية. فهذه الأحزاب، من أقصى اليمين إلى الوسط، إلى أشباه اليسار، قد تختلف في اللغة والمظهر، لكنها في اللحظات الحاسمة تخضع للمنطق نفسه: أمن إسرائيل أولًا، يهودية الدولة أولًا، السيطرة أولًا، والفلسطيني بعد ذلك ملف إداري، أمني أو انتخابي. لذلك، حين يُنتزع عباس من المعادلة العربية الأوسع، ويُفصل عن الجبهة والتجمع والعربية للتغيير، يصبح ذلك مكسبًا كبيرًا للأحزاب الصهيونية؛ لا لأنه قويّ وحده، بل ذلك لأن الجماعة تَضعف وتُضرَب من داخلها.
ما يجعل هذا النهج أكثر خطورة أنه يستخدم أيضًا لغة ناعمة وحديثة ليحمي نفسه من النقد. تُستدعى مفاهيم مثل "الرأي والرأي الآخر'، و"التعددية"، و"تقبل المختلف"، لا لتوسيع النقاش العام، بل لإغلاقه. كل اعتراض يُصوَّر كأنه رفض للاختلاف. كل نقد سياسي يصبح تعصبًا. وكل محاولة لمحاسبة القيادة تُحوَّل ديماغوغيًا إلى خلل أخلاقي في الناقد، بدل أن تكون سؤالًا حول خطورة القرار المطروح.
هنا تكمن الحيلة: أدوات يفترض أن تساعد الناس على التفكير الحر تُستخدم لإضعاف الفكر النقدي نفسه. بدل أن تصبح التعددية مساحة لكشف الأخطاء وتصحيح المسار، تتحول إلى ستار يحمي الخطايا السياسية من المحاسبة. وبدل أن يكون "الرأي الآخر" حقًا للجميع، يصبح حصانة خاصة لمن يريد تمرير مشروعه دون أن يُسأل: إلى أين تأخذ الناس؟ وباسم من تتحدث؟ ومن فوّضك أن تحوّل الخلاف السياسي إلى اتهام أخلاقي ضد من يعترض؟
هذه ليست حداثة سياسية. إنها ديماغوغيا متقنة: استخدام لغة الانفتاح لإغلاق النقاش، ورفع راية التعددية لمنع المحاسبة، ومطالبة الناس باحترام الآراء الأخرى، بينما يُحرمون من حق معرفة إلى أين تُقاد أصواتهم.
ثم يأتي الغطاء الديني. فالتدين لا يمنح صاحبه حصانة من النقد السياسي. على العكس، من يتحدث باسم الأخلاق، الدين ومحدودي الحال، يجب أن يكون أكثر التزامًا بالوضوح، وأكثر ابتعادًا عن المناورة، وأكثر صدقًا مع شعبه. لا يليق بمن يقدّم نفسه صاحب مرجعية دينية وأخلاقية أن يساوم على مصير جماعي بالابتزاز ولغة الغموض، أو أن يطلب تعهدات لا يستطيع هو نفسه ضمان نتائجها.
وهناك بُعد اجتماعي أعمق. هذه الحركة لا تعمل فقط في زمن الانتخابات أو عبر المساومات البرلمانية. إنها تعمل بصبر ومثابرة بين الناس، خصوصًا من خلال حاجات العائلات والأطفال: الحضانات، الدعم التعليمي، دورات التقوية في الرياضيات واللغات والمواد الأساسية والخدمات الاجتماعية التي تبدو، في ظاهرها، استجابة لحاجات حقيقية في مجتمعات كثيرًا ما أهملتها الدولة.
الخطر ليس في التعليم طبعًا، ولا في رعاية الأطفال، ولا في مساعدة العائلات. هذه حاجات نبيلة. الخطر يبدأ حين تُوضع هذه الحاجات داخل وعاء أيديولوجي مغلق، حيث تتحول الرعاية إلى تشكيل، والتشكيل إلى تبعية، والتبعية إلى ولاء سياسي. قد يكبر الطفل قويًا في الرياضيات والعلوم، لكنه يتعلم أن يرى المجتمع من خلال عدسة ضيقة واحدة؛ عدسة تحدّ مجال الرؤية، وتفلتر الانتماء، وتفصله عن المكونات الوطنية والثقافية والسياسية الأخرى للشعب نفسه.
هكذا لا يُقنَع الأتباع فقط، بل يُصنَعون. يُحتضن الإنسان اجتماعيًا، ويُعلَّم انتقائيًا، ويُحاط عاطفيًا، ثم يُوجَّه سياسيًا. وعندما يأتي موسم الانتخابات، لا يعود الصوت مجرد اختيار؛ يصبح جزءًا من مسار طويل من الانتماء، والواجب، وإدارة الهوية. وهذا أخطر من أي شعار، لأنه يبني نوعًا من الذات السياسية المستعدة لأن تتبع، وتدافع، وتبرر للقائد قبل أن تسأل إلى أين يأخذها.
قد يسمي البعض هذا واقعية. لكن الواقعية شيء، وتحويل الهوية إلى ورقة مساومة شيء آخر. الواقعية تعني تحصيل الميزانيات والاهتمام بتوزيعها بشكل عادل وحيث يجب، وحماية الناس ومواجهة الجريمة دون التنازل عن الكرامة الوطنية. أما قبول أن تصبح السياسة العربية لدى فلسطينيي الداخل أداة لتثبيت أي حكومة إسرائيلية، مقابل وعود ومقاعد وفتات اعتراف، فهي مفارقة مأساوية لا نضجًا سياسيًا. إنه إعادة إنتاج لنموذج عربي قديم: أنظمة وحركات تبيع المعنى باسم المصلحة، ثم يكتشف الناس لاحقًا أن المصلحة كانت مصلحة الزعيم، لا مصلحة الأمة.
هنا تكمن المفارقة الأعمق. فحركة تقدّم نفسها بوصفها أخلاقية ودينية، لا تستطيع أن تدّعي تحرير الناس وهي تضيّق آفاقهم. لا تستطيع أن تتحدث باسم الخدمة وهي تحوّل الحاجة الاجتماعية إلى تبعية أيديولوجية. ولا تستطيع أن تتحدث باسم المجتمع وهي تعزل أجزاء منه عن النسيج الوطني الفلسطيني الأوسع. حين يصبح التعليم نفقًا بدل أن يكون نافذة، وتصبح الرعاية وسيلة ضبط بدل أن تكون تمكينًا، فإننا لا نكون أمام سياسة عادية. نحن نشهد صناعة بطيئة للطاعة.
ما نحتاجه نحن، كفلسطينيين داخل إسرائيل، ليس شعارات فارغة ولا رومانسية عاجزة. نحتاج وحدة تحمي الصوت العربي، نعم، لكننا نحتاج أيضًا وحدة ذات كرامة تحت مظلّة سياسية جامعة. وحدة لا تطلب من الجبهة أن تتخلى عن تاريخها النضاليّ، ولا من التجمع أن يتخلى عن موقفه الوطني، ولا من العربية للتغيير أن تتخلى عن دورها، ولا من الناس أن يتحولوا إلى جمهور صامت يُقاد باسم "المصلحة والتأثير" إلى حيث يريد شخص واحد أن يأخذهم.
المعركة الآن ليست على شكل القائمة ومكوناتها فقط. إنها معركة على معنى أن تكون فلسطينيًا داخل إسرائيل: هل يكون الفلسطيني مواطنًا صاحب حقوق وذاكرة وهوية، أم مجرد رقم انتخابي في يد سياسي يبحث عن مقعد على طاولة السلطة؟
لهذا يجب أن نقول لمنصور عباس، بوضوح واحترام، ولكن بلا خوف: لا أحد فوّضك أن تعيد تعريفنا. لا أحد فوّضك أن تفصلنا عن بعضنا وعمقنا الفلسطيني. ولا أحد فوّضك أن تحوّل وحدتنا إلى جسرٍ نحو مشروعك الخاص. إذا أردت قائمة تقنية، فلتكن تقنية حقًا. وإذا أردت طريقك السياسي الخاص، فاسلكه علنًا، ودع الحكم للناس والأيّام.
|
|
|
| ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة، عن رأي الموقع |
|
|