xxxxxxxxxxxx xxxxxxxxxxxx
نتانياهو في وضع صعب في ملفاته في المحكمة بعد سنة ونصف من الدفاع عن نفسهحزب "معاً ننجح" يبارك قيام الحزب اليهودي العربي الجديد "لكلنا مكان" ويدعو للتعاون بين الحزبينحزب حزب "معاً ننجح" يبارك قيام الحزب اليهودي العربي الجديد "لكلنا مكان" ويدعو للتعاون بين الحزبينقانون التصوير الطبي يطيح بمئات فنيي الأشعة في المجتمع العربي الموجز

إيران: الفاتورة الباهظة لواشنطن

إيران: الدولة التي جعلت الكذبة الأمريكية باهظة الثمن

 إيران: الدولة التي جعلت الكذبة الأمريكية باهظة الثمن

بقلم : ناظم نصار / أستراليا
 

اختلقت الولايات المتحدة الروايات في فيتنام، والعراق، وأفغانستان، وليبيا، والصومال، وغيرها، وفي كل مرة كانت الكذبة تُعرض بملابس دبلوماسية أنيقة. أحياناً ترتدي بدلة الحضارة، وأحياناً تتلفع بالديمقراطية، وأحياناً تسير تحت راية مكافحة الإرهاب، أو احتياجات الإنسانية، أو حقوق النساء، أو الأمن القومي، أو أسلحة الدمار الشامل، أو أي عطر أخلاقي آخر يُرشّ بسخاء فوق رائحة النار والدم.

تغيّرت المفردات، لكن الآلة بقيت ثابتة إلى حدّ يثير الإحراج: اصنع المسرح الأخلاقي، اصنع الخوف، قدّس العدوان، اقصف، اغزُ، احتلّ، دمّر، انسحب، أنكر المسؤولية، ثم انشر مذكرات عن “القرارات الصعبة”.

هذه هي أناقة الإمبراطورية. تستطيع أن تقتل وهي تتحدث بلغة الإنقاذ. تستطيع أن تدمّر بلداً وتسمّي ذلك إعادة إعمار. تستطيع أن تحوّل ملايين البشر إلى أخطاء استراتيجية، ثم تصف نفسها بأنها حارسة النظام الدولي. لا بد أن نعترف لها، على الأقل، بالموهبة اللغوية المذهلة.

ومع ذلك، بقيت دولة واحدة خارج نص الغزو الكامل: إيران.

ليس لأن واشنطن اكتشفت الأخلاق فجأة. وليس لأن القانون الدولي أصبح مقدساً. وليس لأن الأمم المتحدة نبت لها عمود فقري أخيراً. وبالتأكيد ليس لأن إيران نقية أخلاقياً، أو مثالية سياسياً، أو خالية من التناقضات. نجت إيران من مصير العراق وليبيا لسبب أبسط وأقسى: لأنها جعلت ثمن الغزو باهضاً.

فهمت إيران لغة الإمبراطورية. رأت صدام حسين يسقط بعد العزلة وسوء التقدير. ورأت القذافي يسقط بعد نزع أدوات الردع والخديعة الغربية. ورأت أفغانستان تتحول إلى مختبر طويل الامد للاحتلال، والمقاولين، والطائرات المسيّرة، والفساد، والخطب، والفشل. ومن بين هذه الأنقاض، تعلّمت طهران الدرس المركزي في عالم القوة الحديثة: إذا لم تستطع أن تجعل نفسك محبوباً، فاجعل نفسك مكلفاً.

من هنا تأتي الثقة الإيرانية. إنها ليست خطاباً فقط. إنها مبنية على التكنولوجيا المتقدمه للصواريخ، والمسيّرات، والتحالفات الإقليمية، والقدرة على تعطيل الملاحة، والصبر الاستراتيجي، والتعبئة الداخلية، وجغرافيا مضيق هرمز. فعندما تهدد إيران، لا يبقى التهديد بين طهران وواشنطن. إنه يصل إلى أسواق النفط، والقواعد الخليجية، والسفن الأمريكية، والحسابات الإسرائيلية، والأنظمة العائليه الهشة، وشركات التأمين، والقلب العصبي للرأسمالية العالمية.

لذلك قد تستطيع أمريكا اختراع الذريعة، لكنها لا تستطيع دائماً تحمّل كلفة الحرب.

إن الروايات الأخيرة حول الرد الإيراني، سواء كانت مؤكدة بالكامل، أو مؤكدة جزئياً، أو مشكّلة بضباب الحرب، لا تهم فقط بسبب تفاصيلها العسكرية، بل بسبب الرسالة التي تحملها. إيران لا تقدّم نفسها كهدف سلبي ينتظر العقاب الأمريكي بأدب. إنها تقدّم نفسها كدولة قادرة على الرد السريع، وتوسيع ساحة الاشتباك، وتهديد القواعد الأمريكية، وإرباك الخليج، وتحويل الضربة المحدودة إلى أزمة إقليمية.

هذا هو الردع. ليس خطاباً. ليس شعاراً. وليس هتافاً متعباً أمام الكاميرات. الردع يعني أن العدو لا يسأل فقط: “هل نستطيع أن نهاجم؟” بل يسأل: “ماذا سيحدث في صباح اليوم التالي؟”

مع العراق، اعتقدت واشنطن أنها قادرة على التحكم في صباح اليوم التالي. كانت مخطئة، بل مخطئة بشكل كارثي، لكنها اعتقدت أن الكذبة قابلة للإدارة. ومع ليبيا، تخيّل الناتو أن الحرب يمكن أن تبقى نظيفة، وكأن القنابل حين تسقط من ارتفاع شاهق تكتسب تفوقاً أخلاقياً قبل أن تهبط على البشر. ومع أفغانستان، كان يمكن دفن الفشل تحت لغة مكافحة الإرهاب او بالقاء محاضرة مليئة بالتفاؤل. ومع الصومال، كان التدخل يختبئ داخل مفردات الدول الفاشلة والتهديدات الأمنية.

لكن إيران مختلفة. إيران قادرة على جعل صباح اليوم التالي فورياً، إقليمياً، مكلفاً، وسامّاً سياسياً.

وهناك بُعد آخر تفشل واشنطن وتل أبيب في فهمه مراراً: الرواية الإيرانية نفسها.

الخطأ الغربي الأساسي نابع من لب الفكر الاستشراقي - النظر إلى إيران كدولة غير "عقلانية"، وذلك لمجرد أن نظامها السياسي يتحدث بلغة مختلفة: لغة الإسلام، الثورة، الشهادة، الذاكرة الشيعية، المسؤولية الإلهية والمظلومية التاريخية. بالنسبة للعقل الاستراتيجي الغربي، يبدو هذا غريباً، عاطفياً، متخلفاً، أو غير منطقي. لكن هذه بالضبط هي عجرفة الإمبراطورية: أن تفترض أن لغتها وحدها هي العقلانية.

إيران ليست غير عقلانية. إنها عقلانية داخل روايتها الخاصة.

وهذا ما يجعل الحالة الإيرانية صعبة إلى هذا الحدّ. أمريكا وإسرائيل تعرفان كيف تتعاملان مع أنظمة تحسب بقاءها من خلال الحماية الأمريكية، صفقات السلاح، أسواق النفط، أمن القصور، القبول الدبلوماسي والصمت الفاخر. إنهما تفهمان حكاماً يمكن إخافتهم، أو شراؤهم، ابتزازهم، احتضانهم، تهديدهم، تصويرهم، أو دعوتهم إلى واشنطن لتلقي البركة الاحتفالية للطاعة.

كثير من الخليج إسلامي أيضاً، لكن منطقه السياسي ليس هو نفسه. الفرق ليس سنياً وشيعياً فقط بالمعنى اللاهوتي؛ فهذا تبسيط مريح أكثر من اللازم. الفرق الأعمق يكمن في الالتزام، والانتماء، والذاكرة السياسية، ومعنى السيادة. بعض الأنظمة تستخدم الدين كشعار مُقوّي للسلطة. أما إيران فتستخدم الدين كبنية معمارية للدولة. فهذه الأنظمة المتزينه بالدين تستورد أمنها من أمريكا وخوفها من إسرائيل. أما إيران فقد بنت عقيدة حول رفض التأديب من كليهما.

بالنسبة لإيران، السيادة ليست حدوداً فقط. إنها عقيدة. المقاومة ليست تكتيكاً عسكرياً فقط. إنها جزء من الهوية. والتضحية ليست كلفة فقط. إنها منسوجة في الوعي التاريخي، من كربلاء إلى الثورة، ومن الحرب العراقية الإيرانية إلى المواجهة الحالية مع أمريكا وإسرائيل.

هذه هي النقطة التي يرفض الغرب فهمها. إنه يرى الجمهورية الإسلامية سجينة لغة دينية، بينما تمنح هذه اللغة الدولة قدرة على الصمود، التعبئة، الثقة، وتحويل الألم إلى شرعية. تستطيع واشنطن أن تفهم الخوف، تستطيع أن تفهم الربح، تستطيع أن تفهم العقوبات وتستطيع أن تفهم الهزيمة العسكرية، لكنها تعجز عن فهم دولة قادرة على امتصاص الألم وتحويله إلى وقود سياسي.

هذا لا يجعل إيران دولة لا تُهزم. لا توجد دولة لا تُهزم. ولا يجعلها دولة اكثر أخلاقية، لدى إيران توترات داخلية، ضغوط اقتصادية، صراع أجيال، قمع سياسي واجتماعي، وتناقضات بنيوية. لكن هذه المشكلات الداخلية لا تتحول تلقائياً إلى قابلية استراتيجية للاستسلام أمام أمريكا أو إسرائيل. هذه فانتازيا غربية أخرى. يرون الاحتجاج فيتخيلون الانهيار. يخلطون بين تعقيد المجتمع وقرب الاستسلام.

إنها العجرفة نفسها والفكر الاستشرافي ذاته، اللذان أدّا إلى الاعتقاد أن العراق سيستقبل الاحتلال بالورود، وأن ليبيا ستتحول إلى "ديمقراطية" بعد التدمير، أن أفغانستان يمكن هندستها اجتماعياً بواسطة المقاولين وأن فلسطين وقضيتها ستختفيان إذا قُصفت بما يكفي.

إذن، لماذا غزت أمريكا دولاً كثيرة، لكنها لم تغزُ إيران؟

ربًما لأن الكذبة أصبحت باهظة الثمن.

في فيتنام، أمكن تمديد الكذبة لسنوات. في العراق، أمكن عرضها على التلفاز كتحرير. في أفغانستان، أمكن دفنها تحت مكافحة الإرهاب. في ليبيا، أمكن إسقاطها من السماء وتسميتها تدخلاً إنسانياً.

لكن مع إيران، تأتي الكذبة ومعها هرمز، معها الصواريخ، معها النار الإقليمية، معها القواعد المكشوفة، معها القلق الإسرائيلي، معها أسواق النفط وهي ترتجف قبل أن ينتهي أول مؤتمر صحفي. ومعها قبل كل ذلك، كل ما سبقها من أكاذيب تبريرات العدوانيات السابقة وضرائب انكشافها.

تستطيع أمريكا أن تُقنع البعض في الحرب، لكنها لا تستطيع دائماً أن تصنع حصانة من نتائجها.

لم يتوقف العدوان لأن الإمبراطورية اقتنعت بعدم أخلاقية الحرب، بل لأن اللاأخلاقية باتت أمرا خطيراً.

وفي عالم أصبح فيه القانون الدولي غالباً شعاراً زخرفياً تشحذ خلفه القوة سكاكينها، ربما تكون هذه هي الفضيحة الأخيرة: السيادة.

لذا، يبدو أن السيادة الوحيدة التي تحترمها الإمبراطورية حقاً هي السيادة القادرة على إيلامها.

ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة،  عن رأي الموقع
للمزيد : أرشيف القسم
 
WhatsApp تابعونا في الوتسأب تابعونا على الواتسأب
× انضم لمجموعة الكرمل عبرالواتساب
احصل على التحديثات والأخبار فورًا عبر واتساب.