| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
|
|
| الموجز |
ترامب ونتنياهو... علاقة تتجاوز السياسة
|
|
يقول المثل العربي القديم: “الكذّاب خرّب بيت الطمّاع”. وربما لا يوجد مثل يختصر بعض جوانب العلاقة التي نشأت بين رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكثر من هذا المثل. فالعلاقة بين الرجلين لم تكن علاقة عادية بين رئيس حكومة ورئيس دولة حليفة، بل تحولت مع مرور الوقت إلى علاقة شخصية وسياسية استثنائية، قامت على الثقة المتبادلة والمصالح المشتركة، وعلى قناعة ترامب بأن نتنياهو هو الحليف الأقرب والأقدر على تنفيذ رؤية مشتركة للشرق الأوسط. منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، حصلت إسرائيل على دعم أمريكي واسع النطاق شمل الدعم السياسي والدبلوماسي والعسكري والمالي. وقد وقف ترامب في معظم المراحل إلى جانب نتنياهو، مؤمنًا بأن ما يطرحه الأخير من تقديرات ورؤى يعكس حقيقة الأوضاع في المنطقة، وأن السياسات التي يقودها ستقود إلى نتائج استراتيجية كبيرة. لكن السياسة، كما يعلم التاريخ، لا تقوم على النوايا وحدها، بل على النتائج. ولعل أكثر ما يلفت النظر في هذه العلاقة أن ترامب لم يكتف بالدعم التقليدي الذي تقدمه الولايات المتحدة لحليف استراتيجي، بل تجاوز ذلك في بعض الأحيان إلى مواقف اعتبرها كثيرون غير مسبوقة في العلاقات بين الدول. كلنا نعلم بان نتنياهو يواجه أزمات سياسية وقضائية داخل إسرائيل، خرج ترامب بتصريحات علنية داعمة له، ودعا إلى التعامل معه بصورة مختلفة، بل تدخل إعلاميًا بصورة مباشرة في قضية اعتبرها كثيرون شأنًا إسرائيليًا داخليًا. فعلى سبيل المثال ، ناشد ترامب من على منصة الكنيست رئيس الدولة ، مطالبا اياه بالعفو عن رئيس الوزراء نتنياهو وأسقاط الإجراءات القانونية ضده. ورأى مراقبون أن هذا السلوك عكس حجم الثقة التي وضعها ترامب في نتنياهو، ومدى اقتناعه بأن استقرار موقعه السياسي يخدم المصالح التي يؤمن بها الطرفان. في المقابل، كان نتنياهو يقدم نفسه لواشنطن باعتباره الرجل القادر على إعادة تشكيل الواقع الإقليمي، وصاحب الرؤية الأوضح تجاه التحديات الأمنية في المنطقة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول التقديرات السياسية إلى وعود غير قابلة للتحقق. فخلال فترات التصعيد الإقليمي، سادت تقديرات في بعض الأوساط السياسية والأمنية بأن توجيه ضربات قوية لإيران قد يؤدي خلال فترة قصيرة إلى اضطرابات داخلية واسعة أو إلى إضعاف النظام الإيراني بصورة كبيرة، حتى قلب النظام بموجب تقديرات مخابراتية قوية حسب ادعاء نتنياهو التي اقنعت ترامب لدخول الحرب. ويعتقد عدد من المحللين أن هذه التقديرات ساهمت في بناء توقعات متفائلة لدى بعض دوائر صنع القرار الأمريكية، وأن صورة رُسمت مفادها أن النتائج السياسية ستكون سريعة وحاسمة. غير أن الواقع أثبت مرة أخرى أن الشرق الأوسط لا يسير وفق السيناريوهات النظرية. فالأنظمة لا تسقط بالسرعة التي يتوقعها البعض، والشعوب لا تتحرك دائمًا وفق الحسابات الاستخباراتية، والحروب كثيرًا ما تفتح أبوابًا جديدة من التعقيد بدل أن تقدم حلولًا سريعة. وهنا بدأت الفجوة تظهر بين التوقعات والواقع. فكلما طال أمد الأزمات، وكلما تراجعت النتائج الموعودة، بدأت الثقة تهتز، وبدأت الأسئلة تطرح نفسها بقوة: هل كانت التقديرات دقيقة؟ وهل بُنيت بعض القرارات على معلومات متفائلة أكثر من اللازم؟ وهل كان صانع القرار الأمريكي يرى الصورة كاملة؟ هذه الأسئلة لا تخص إيران وحدها، بل تمتد إلى مجمل ملفات المنطقة. ففي أكثر من محطة أُعلن عن تحقيق أهداف كبرى أو عن إضعاف خصوم إسرائيل بصورة حاسمة، لكن الأحداث اللاحقة أظهرت أن الوقائع على الأرض أكثر تعقيدًا بكثير من التصريحات السياسية والإعلامية. ومن هنا يمكن فهم التحول التدريجي الذي طرأ على العلاقة بين الرجلين. فترامب الذي منح نتنياهو دعمًا استثنائيًا، ووقف إلى جانبه في أصعب الظروف، بدأ مع مرور الوقت يكتشف أن كثيرًا من الملفات التي قُدمت له على أنها قابلة للحسم السريع ما زالت مفتوحة، وأن المنطقة ما زالت تعيش حالة من عدم الاستقرار. وفي السياسة، عندما يشعر القائد أن الثقة التي منحها لم تحقق النتائج التي وُعد بها، تبدأ المراجعة وإعادة الحسابات. لهذا فإن جوهر المشكلة، في نظر كثير من المحللين، لم يكن في وجود خلاف شخصي بين نتنياهو وترامب، بل في الفجوة بين الوعود والنتائج، وبين التقديرات والوقائع. لقد قامت العلاقة بينهما على ثقة كبيرة، وربما على رهان متبادل. نتنياهو رأى في ترامب داعمًا استثنائيًا لم يحصل عليه أي رئيس حكومة إسرائيلي من قبل، وترامب رأى في نتنياهو شريكًا سياسيًا قادرًا على تحقيق إنجازات تاريخية. لكن التاريخ يعلمنا أن العلاقات السياسية التي تقوم على الثقة الشخصية وحدها تصبح معرضة للاهتزاز عندما تصطدم بالواقع. وهنا يعود المثل العربي القديم ليطرح نفسه من جديد: “الكذّاب خرّب بيت الطمّاع”. فإذا بالغ أحد الأطراف في رسم صورة متفائلة للواقع، وصدق الطرف الآخر تلك الصورة دون تمحيص كافٍ، فإن النتيجة تكون خيبة أمل متبادلة، مهما كانت قوة العلاقة في بدايتها. ويبقى السؤال مفتوحًا أمام المؤرخين والسياسيين: هل كانت العلاقة بين نتنياهو وترامب نموذجًا لتحالف استراتيجي ناجح بين زعيمين متقاربين في الرؤية، أم أنها كانت مثالًا على كيف يمكن للثقة الشخصية المفرطة أن تتحول مع الوقت إلى مصدر للتباعد وخيبة الأمل؟ السنوات القادمة وحدها كفيلة بتقديم الإجابة الكاملة.
|
|
|
| ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة، عن رأي الموقع |
|
|