| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
|
|
| الموجز |
الحجاب في الأهليّة عكا: قضية رأي عام
|
|
أكتب هذه الكلمات بصفتي ابن عكّا، وابنًا يحبّ عكّا ويغار عليها، ويؤمن بقدرتها الأخلاقية والتاريخية على أن تقود لا أن تُقاد. وأكتبها أيضًا بصفتي باحثًا كرّست سنوات طويلة لدراسة المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، ولا سيّما المجتمع العربي المسيحي، في أطروحة الدكتوراه الوحيدة – بحسب معرفتي – التي تناولت هذا الموضوع بهذا العمق في إسرائيل. كما أن تخصّصي الأكاديمي يتناول دراسة الجماعات، وكيف تنجح الجماعات في الحفاظ على تمايزها دون أن تنزلق إلى الانفصال أو التراتبية أو القطيعة الداخلية. بعد أن استمعت، وقرأت، وفكّرت، هذه هي وجهة نظري المتواضعة. أولًا، لا ينبغي أن نخاف من مناقشة قضايا كهذه. بل العكس تمامًا. كيف ندير التعدد الديني والثقافي داخل شعب واحد هو من الأسئلة الكبرى التي يجب أن نملك الشجاعة لمواجهتها. الخوف من النقاش لا يحلّ المشكلة، بل يتركها معلّقة، ويجعلها عرضة للتأويل والتوظيف والاستغلال من قوى داخلية وخارجية لا تبحث عن المصلحة العامة، بل عن إشعال التوتر. كثيرًا ما نتعامل مع هذه القضايا وكأن مجرد الاقتراب منها قد يوقظ حساسيات نائمة، أو يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها. وكأن تسمية الأشياء بأسمائها قد تستدعي الانقسام بدل أن تمنعه. لكن الواقع يقول العكس: ما لا نناقشه بوعي ومسؤولية، يعود إلينا لاحقًا بصور أشد قسوة وأقل حكمة. الطائفية، كما أفهمها كباحث، ليست مجرد وجود اختلاف ديني بين جماعات، وليست مجرّد تنوّع. فالاختلاف بحد ذاته ليس مشكلة، بل قد يكون مصدر غنى وجمال. الطائفية تبدأ عندما يتحوّل الاختلاف إلى تراتبية؛ حين يُربط الانتماء الديني بقيمة اجتماعية أو أخلاقية أعلى أو أدنى؛ حين يصبح الفرق أداة تصنيف وتفاضل ومصدرًا للريبة أو الإقصاء بدل أن يكون تعبيرًا مشروعًا عن التعدد داخل الجماعة الواحدة. هي اللحظة التي يتحوّل فيها التنوع من تعدد مشروع إلى حدود رمزية تفصل بين أبناء البيت الواحد. ومن هنا، أرى في هذه الحادثة فرصة، لا أزمة فقط. فرصة تاريخية للمدرسة الأهليّة في عكّا كي تقول بوضوح، وبعد حوار داخلي هادئ ومحترم: إن الحجاب جزء أصيل وجميل من ثقافتنا العربية ومن نسيجنا الاجتماعي، وإن وجوده داخل المدرسة ليس أمرًا يُحتمل على مضض، بل تعبير طبيعي عن المجتمع الذي تنتمي إليه المدرسة، وعن الناس الذين قامت من بينهم ولأجلهم. هذه فرصة أيضًا لردّ الحجة التي تقول: "هذه قوانين المدرسة" بصيغتها الجمهورية الفرنسية الصلبة. هذه الحجة وُلدت في سياقات أوروبية مختلفة، واستُخدمت كثيرًا في مواجهة المهاجرين المسلمين هناك. وهي تفترض ضمنًا وجود "صاحب بيت" يضع القواعد، و"ضيف" عليه أن يتكيّف معها. أما هنا، في عكّا، فالأمر مختلف جذريًا. هنا لا ضيوف بيننا. نحن لسنا في علاقة مضيف وزائر. لسنا أصحاب بيت من جهة، وضيوفًا من جهة أخرى. نحن جميعًا أبناء هذا المكان، وأصحابه، وشركاء في صنع معناه ومؤسساته ومستقبله. وقد وصف جاك دريدا العلاقة بين المضيف والضيف بوصفها علاقة تكشف ميزان القوة: من يملك المفتاح؟ ومن يفتح الباب؟ ومن يحدّد شروط الدخول؟ لكن في حالتنا، لا أحد يحتكر المفتاح. ولا أحد يقف على الباب ليمنح الشرعية للآخر. المفتاح بين أيدينا جميعًا. والمكان لنا جميعًا. والمؤسسات الاجتماعية والثقافية التي بنيناها هي ملك جماعي لنا جميعًا. لذلك فإن إدارة الاختلاف بيننا لا يجب أن تنطلق من منطق التسامح البارد، ولا من منطق الاستثناء، بل من منطق أعمق: الاعتراف والمحبة والانتماء المشترك. ليس المطلوب فقط أن نتحمّل مظاهر بعضنا البعض الدينية والثقافية. المطلوب أن نراها جزءًا من جمالنا الجماعي. أن نفهم أن تنوّعنا ليس تهديدًا لوحدتنا، بل أحد شروطها. أن نفهم أن دقّة كل مكوّن في تعريف نفسه وحماية رموزه لا تُضعف الكلّ، بل تقوّيه. وأن نفهم أن المدرسة الأهليّة في عكّا ليست مجرّد مؤسسة موجودة في هذا المحيط، بل هي جزء أصيل منه، نابعة منه ومعبّرة عنه. فهي من هذا النسيج العربي الفلسطيني العكّي، بتاريخها ورسالتها وناسها. ولذلك فإن احتضانها لهذا التعدّد ليس تنازلًا مفروضًا عليها، بل امتداد طبيعي لهويتها، وانعكاس صادق للمكان الذي خرجت منه وللمجتمع الذي تنتمي إليه. لهذا أعتقد أن عكّا تحديدًا مؤهلة أكثر من أي مدينة أخرى لقيادة هذا النقاش. مدينة بهذا العمق، وهذا التنوع، وهذه الذاكرة المشتركة، تعرف جيدًا كيف تعيش الاختلاف دون أن تتحوّل إلى جماعات مغلقة. تعرف كيف تنتج "نحن" واسعة ودقيقة في آنٍ واحد. وربما حان الوقت أن نصوغ، بوعيٍ أكبر، ما تعيشه عكّا أصلًا في حياتها اليومية. لا أن نبتكر شيئًا من خارجها، بل أن نمنح لغةً وتأملًا وصياغةً أوضح لما هو قائم فيها بالفعل كإحساس، وكعلاقة، وكطريقة عيش بين أبناء المكان. فهذه الروح العكّية موجودة ومتحركة في تفاصيل الحياة اليومية، لكنها تحتاج أحيانًا إلى لحظة تأمل وصياغة واعية تعيد تسميتها وتوضيحها. ولعلّ هذه الحادثة نفسها تكشف حاجتنا إلى ذلك — إلى تحويل ما نعرفه ونعيشه بالفطرة إلى رؤية مشتركة ومعلنة لكيفية إدارة الشبه والاختلاف بيننا تحت سقف "نحن" واحدة، واسعة، وعادلة. أعتقد أن هذه اللحظة يمكن أن تتحوّل من سجال عابر إلى فرصة تأسيسية. ليس فقط لعكّا. بل ربما إلى نموذج يُحتذى به في سائر بلادنا، وربما أيضًا في المنطقة كلّها، حيث تنشغل مجتمعات كثيرة بإدارة التعدد، وتفشل فيه للأسف في كثير من الأحيان. أرجو أن نختار النقاش المحترم بدل الانفعال، والحوار بدل التراشق، والبناء بدل الجرح. لأن "كلّنا" — هذا الـ"كلّنا" الواسع، المركّب، الجميل — هو الحصن الأقوى لمجتمعنا. وهو أيضًا الحماية الأكثر صدقًا لمستقبلنا المشترك.
|
|
|
| ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة، عن رأي الموقع |
|
|