| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
|
|
| الموجز |
حين تُسرق الطفولة باسم الزواج
|
|
لا تزال ظاهرة زواج القاصرات واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية حساسية وتعقيدًا في المجتمع العربي، رغم القوانين التي تحظر الزواج دون سن الثامنة عشرة، ورغم التحذيرات المتواصلة من تداعياتها النفسية والاجتماعية والاقتصادية والصحية. فالقضية لم تعد مجرد موروث اجتماعي أو عادة متوارثة من زمن مضى، بل تحولت إلى أزمة حقيقية تمس بنية المجتمع ومستقبله، وتنعكس بصورة مباشرة على مكانة المرأة وفرص التعليم والتنمية والاستقرار الاجتماعي. وقد عاد هذا الملف إلى واجهة النقاش العام في أعقاب المعطيات التي عرضتها عضوة الكنيست ميراف كوهين، والتي كشفت عن فجوات مقلقة بين بيانات سلطة السكان والهجرة ومعطيات الشرطة الإسرائيلية بشأن حالات زواج القاصرين. وهذه الفجوات لا تعكس فقط ضعف التنسيق بين المؤسسات الرسمية، بل تثير تساؤلات جدية حول مدى تطبيق القانون والإرادة الحقيقية في مواجهة الظاهرة بصورة فعالة وشاملة. غير أن تحميل الدولة وحدها المسؤولية لا يكفي. فالمجتمع العربي نفسه مطالب اليوم بإجراء مراجعة صريحة وشجاعة لهذه الظاهرة، بعيدًا عن التبريرات التقليدية أو الحساسية الاجتماعية التي تحول دون مناقشتها بصورة علنية. فكيف يمكن الحديث عن التقدم والنهضة فيما تُحرم فتيات في عمر الدراسة من حقهن في الطفولة والتعليم واختيار مستقبلهن بحرية؟ التعليم... الضحية الأولى يُعد التعليم أول وأكبر ضحايا الزواج المبكر. فالفتاة التي تُدفع إلى الزواج في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمرها غالبًا ما تنقطع عن الدراسة، وتفقد فرصة استكمال تعليمها الأكاديمي أو المهني، ما يحد من فرصها في بناء مستقبل مستقل وآمن. ولا يقتصر الضرر على الفتاة وحدها، بل يمتد إلى الأسرة والمجتمع بأكمله. فكل فتاة تُحرم من التعليم تمثل خسارة لرأس مال بشري كان يمكن أن يسهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومن هنا فإن حماية حق الفتيات في التعليم ليست قضية فردية فحسب، بل مصلحة مجتمعية عليا ترتبط بمستقبل المجتمع كله. الفقر والعادات الاجتماعية في كثير من الحالات يرتبط الزواج المبكر بالضائقة الاقتصادية التي تعاني منها بعض الأسر، حيث يُنظر إلى تزويج الفتاة باعتباره وسيلة لتخفيف الأعباء المعيشية. إلا أن التجارب والدراسات تؤكد أن الزواج المبكر لا يشكل حلًا للفقر، بل يؤدي في كثير من الأحيان إلى إعادة إنتاجه داخل أجيال جديدة، ويعمق دوائر التبعية والحرمان. كما تلعب بعض الموروثات الاجتماعية دورًا في استمرار الظاهرة، إذ لا تزال هناك بيئات تنظر إلى الفتاة باعتبارها مسؤولية يجب التخلص منها مبكرًا، أو تحصر دورها في الزواج والإنجاب، متجاهلة حقها الطبيعي في التعليم والعمل وتحقيق الذات والمشاركة في بناء المجتمع. بين الدين والعرف ومن أكثر الجوانب حساسية استمرار بعض الجهات أو الشخصيات الدينية في توفير غطاء اجتماعي أو شرعي لزيجات القاصرات، رغم مخالفتها للقانون ومناقضتها للمفاهيم الحديثة المتعلقة بحقوق الطفل. ولا يتعلق الأمر بحرية دينية أو اختلاف فقهي، بل بحماية أطفال وقاصرات من قرارات قد تترك آثارًا نفسية واجتماعية طويلة الأمد. ولذلك فإن أي محاولة للالتفاف على القانون أو تبرير هذه الممارسات تستوجب المساءلة القانونية والمجتمعية على حد سواء. الميراث والسيطرة الاقتصادية ثمة جانب آخر لا يحظى بالنقاش الكافي، ويتمثل في العلاقة بين الزواج المبكر وقضايا الميراث والممتلكات. ففي بعض البيئات التقليدية يُستخدم تزويج الفتيات مبكرًا كوسيلة للحفاظ على الأراضي والأملاك داخل العائلة أو العشيرة، أو للحد من استقلالية المرأة الاقتصادية. كما تتعرض بعض النساء لضغوط اجتماعية وعائلية تدفعهن إلى التنازل عن حقوقهن في الميراث، ما يجعل الزواج المبكر جزءًا من منظومة أوسع من الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية على النساء، ويحول دون تمكينهن واستقلالهن المالي. مسؤولية جماعية لا تقتصر على السياسة إذا كانت ظاهرة زواج القاصرات نتاجًا لتشابك عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية وقانونية، فإن مواجهتها لا يمكن أن تقتصر على جهة واحدة أو تُختزل في دور مؤسسة بعينها. فالمشكلة أعمق من أن تُعالج عبر القوانين والمحاكم وحدها، لأنها ترتبط بمنظومة متكاملة من الممارسات والتصورات والعلاقات الاجتماعية التي ساهمت في استمرار هذه الظاهرة لعقود طويلة. ومن هنا، فإن المسؤولية تقع على عاتق الدولة والمجتمع معًا. فالنواب العرب مطالبون بالعمل على تطوير التشريعات، وتشديد العقوبات، ومراقبة تطبيق القانون، وإبقاء القضية حاضرة على جدول الأعمال العام. غير أن دورهم، على أهميته، يبقى جزءًا من منظومة أوسع بكثير. فالسلطات المحلية مطالبة بالانتقال من مرحلة ردود الفعل إلى مرحلة المبادرة، من خلال إعداد خطط واضحة لحماية الفتيات المعرضات للخطر، وتفعيل أقسام الشؤون الاجتماعية وأقسام الشباب، وتوفير أطر احتواء وإرشاد للعائلات التي تواجه أزمات اقتصادية أو اجتماعية قد تدفعها إلى اتخاذ قرارات تمس مستقبل بناتها. كما تتحمل المدارس والمؤسسات التربوية مسؤولية مركزية في هذا الملف، لأن التربية لا تقتصر على نقل المعرفة الأكاديمية، بل تشمل ترسيخ قيم المساواة وحقوق الإنسان وحقوق الطفل، وتعزيز مكانة الفتاة وثقتها بنفسها، وتوفير مساحات آمنة للحوار والتوجيه والإرشاد النفسي والاجتماعي. أما الجمعيات الأهلية والمؤسسات الاجتماعية، فهي مطالبة بلعب دور أكثر فاعلية في الوصول إلى العائلات المعرضة للخطر، وتقديم برامج توعية ومرافقة ودعم للفتيات وأسرهن، والعمل على كسر دائرة الصمت التي تحيط بهذه القضية. ولا تقل مسؤولية وسائل الإعلام والمواقع الإخبارية أهمية عن بقية الأدوار. فالإعلام لا يكتفي بنقل الأخبار، بل يساهم في تشكيل الوعي العام وصناعة الرأي العام. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تغطية مهنية ومسؤولة لهذه الظاهرة، بعيدًا عن الإثارة أو التبرير أو التطبيع معها، مع إعطاء مساحة أكبر للقصص الإنسانية ولأصوات الفتيات اللواتي دفعن ثمن الزواج المبكر من طفولتهن وتعليمهن ومستقبلهن. كما أن المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي يمتلكون اليوم قدرة واسعة على الوصول إلى الأجيال الشابة والتأثير في وعيها وسلوكها، الأمر الذي يجعلهم شركاء في مسؤولية نشر الوعي ومواجهة الأفكار التي تبرر الزواج المبكر وتعزيز ثقافة التعليم والتمكين والاستقلال الشخصي. ولا يمكن إغفال دور القيادات الدينية والمجتمعية، التي تملك تأثيرًا مباشرًا على الرأي العام ومنظومة القيم السائدة. فهذه القيادات مطالبة بتبني خطاب واضح وصريح يرفض زواج القاصرات، ويؤكد أن حماية الأطفال وتعليمهم وصون كرامتهم تتقدم على أي اعتبارات اجتماعية أو تقاليد موروثة. معركة على مستقبل المجتمع إن نجاح أي خطة لمواجهة هذه الظاهرة يتطلب شراكة حقيقية بين القانون والتربية والإعلام والثقافة والعمل الاجتماعي. فالمجتمع الذي يريد حماية فتياته لا ينتظر وقوع المأساة كي يتحرك، بل يبني منظومة متكاملة تمنع حدوثها من الأصل، وتوفر للفتيات بيئة آمنة تضمن لهن حقهن في التعليم والاختيار والحياة الكريمة. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تشديد العقوبات على كل من يشارك في تزويج القاصرات خلافًا للقانون، وتعزيز الرقابة على تطبيق القوانين القائمة، وتوفير برامج حماية للفتيات المهددات بالزواج القسري، ودعم التعليم ومحاربة التسرب المدرسي، وإطلاق حملات توعية مجتمعية واسعة، وتوفير دعم اقتصادي للعائلات الفقيرة، وحماية حق النساء في الميراث والاستقلال الاقتصادي، والاستثمار في التمكين التربوي والاجتماعي للفتيات. في جوهرها، ليست قضية زواج القاصرات قضية نسوية فحسب، بل قضية مجتمعية تمس حاضر المجتمع العربي ومستقبله. فالمجتمع القاصر الذي لا يحمي طفلاته، ولا يضمن لهن التعليم والحرية والكرامة، لن يستطيع بناء مستقبل مستقر ومزدهر. إن الصمت على هذه الظاهرة لم يعد ممكنًا، والتعامل معها باعتبارها شأنًا عائليًا أو خصوصية اجتماعية هو مساهمة غير مباشرة في استمرارها. المطلوب اليوم شجاعة سياسية ومجتمعية ودينية تعترف بأن حماية الفتيات ليست ترفًا أخلاقيًا، بل شرطًا أساسيًا لبقاء المجتمع نفسه وتقدمه.
|
|
|
| ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة، عن رأي الموقع |
|
|