| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
|
|
| الموجز |
الخلفيات النفسية والسلوكية للمسؤولين
|
|
في مسيرتي المهنية كمدرب ذاتي ومستشار تنظيمي، والتي امتدت لأكثر من خمسة وعشرين عاما، رافقت مدراء وأصحاب مؤسسات وشركات كبيرة يعمل فيها مئات الموظفين والعمال، وتعاملت مع أنماط مختلفة من الشخصيات القيادية والإدارية. وخلال هذه التجربة الطويلة، لاحظت أن أسلوب الإدارة واتخاذ القرار لا يتشكل فقط من خلال التعليم أو الخبرة العملية، بل يتأثر أيضا بصورة عميقة بالخلفية النفسية والبيئة العائلية والتجارب التي عاشها الإنسان في طفولته ومراحل تكوين شخصيته. ومن هذا المنطلق، فإن هذا المقال لا يهدف إلى مهاجمة أشخاص أو إصدار أحكام قاطعة على أحد، بل إلى تقديم قراءة تحليلية مهنية ومحايدة لفهم العلاقة بين التجارب المبكرة للإنسان وبين طريقة قيادته للمؤسسات وتعاطيه مع السلطة والمسؤولية. في عالم الإدارة وقيادة المؤسسات، نلاحظ أحيانا وجود مسؤولين يتبعون أسلوبا مختلفا تماما عن المؤسسات المشابهة لهم، رغم أنهم يعملون ضمن نفس الإطار أو البيئة الاجتماعية أو التنظيمية. فقد نجد مؤسسة تتسم بالمرونة والعمل الجماعي والمشاركة، بينما نجد مؤسسة أخرى مشابهة تُدار بعقلية فردية صارمة، تكثر فيها القرارات الأحادية والتشدد في التعامل مع الناس. وهنا يبرز السؤال المهم: هل يمكن أن تكون طفولة الإنسان وتجربته الحياتية عاملا مؤثرا في تكوين هذا النمط الإداري؟ علم النفس الحديث وعلم السلوك التنظيمي يريان أن الإنسان يحمل معه إلى مواقع القيادة كثيرا من المشاعر والتجارب التي تشكلت في طفولته. فالطفل الذي نشأ في بيئة يسودها التسلط أو الحرمان أو القسوة أو غياب الأمان العاطفي، قد يكبر وهو يحمل داخله خوفا دائما من فقدان السيطرة أو من التهميش، فيحاول التعويض عن ذلك عبر التشدد والتمسك المفرط بالسلطة. فالأب المتسلط أو البخيل، والبيت الذي يفتقد للاحتواء والدعم، قد يزرعان داخل الطفل شعورا دائما بالنقص أو عدم الأمان. وعندما يصل هذا الطفل لاحقا إلى موقع قيادة، قد يتحول المنصب بالنسبة له إلى وسيلة لإثبات الذات أو لتعويض سنوات الحرمان بصورة غير واعية. وفي بعض الحالات، نرى أن المسؤول الذي عاش ظروفا صعبة أو اعتمد في شبابه على الآخرين لتأمين احتياجاته، يصبح أكثر حساسية تجاه النفوذ والقرار والمكانة الاجتماعية. لذلك يميل أحيانا إلى احتكار القرار، أو فرض السيطرة، أو رفض مشاركة الآخرين في الإدارة، لأنه يعتبر أن التخلي عن جزء من السلطة قد يعيده نفسيا إلى حالة الضعف التي عاشها سابقا. كما أن بعض الشخصيات التي تربت في بيئة فقيرة ماديا أو عاطفيا تطور ما يسمى “عقلية الندرة”، أي الشعور الدائم بالخوف من فقدان المكانة أو النفوذ أو الموارد. وهذه العقلية قد تنعكس على أسلوب إدارة المؤسسة من خلال التشدد الزائد، أو بناء دائرة مغلقة من الأشخاص الموالين، أو رفض الشفافية والمشاركة الواسعة. لكن من المهم جدا التأكيد على أن الطفولة الصعبة ليست حكما نهائيا على الإنسان، وليست مبررا للأخطاء أو التجاوزات. فهناك كثير من القادة والمصلحين خرجوا من ظروف قاسية، لكنهم استطاعوا تحويل معاناتهم إلى مصدر حكمة ورحمة وعدالة. الفرق الحقيقي يكمن في وعي الإنسان لنفسه، وقدرته على معالجة جراحه النفسية، واستعداده لتطوير ذاته بصورة مستمرة. كما أن المشكلة لا تكون دائما في الشخص وحده، بل أحيانا في النظام الإداري المحيط به. فالمؤسسات التي تغيب فيها المحاسبة والرقابة والعمل الجماعي، وتُترك فيها السلطة لفرد واحد لفترات طويلة دون توازن أو مشاركة، قد تساهم في إنتاج نمط إداري فردي ومتصلب حتى لو كانت النوايا في البداية جيدة. ولهذا فإن الإدارة الناجحة لا تقوم فقط على قوة الشخصية أو كثرة الأوامر، بل على بناء مؤسسة تحترم الإنسان، وتشجع الشراكة، وتوازن بين الحزم والمرونة، وبين السلطة والمسؤولية. فالقائد الحقيقي ليس من يفرض الخوف، بل من يبني الثقة، وليس من يحتكر القرار، بل من يعرف كيف يصنع فريقا قادرا على الاستمرار والتطور. إن فهم الخلفيات النفسية والسلوكية للمسؤولين لا يجب أن يُستخدم للتشهير أو الإدانة، وإنما لفهم أعمق للسلوك الإنساني، ولمساعدة المؤسسات على بناء أنظمة أكثر عدلا وتوازنا واستقرارا. فالمؤسسة التي ترتبط بشخص واحد فقط تبقى معرضة للاهتزاز، أما المؤسسة التي تقوم على الشفافية والعمل الجماعي واحترام الناس، فهي الأقدر على خدمة المجتمع والاستمرار بصورة صحية وسليمة. ومن هنا، أرى أن المؤسسات التي تتعامل مع قيادة الناس وإدارة شؤونهم، تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تطوير آليات اختيار القيادات والمسؤولين فيها، بحيث لا يعتمد التعيين فقط على الوراثة أو العلاقات أو الأقدمية، بل على معايير مهنية واضحة وشفافة تراعي الكفاءة والقدرة القيادية والتوازن النفسي والسلوكي. فالمسؤول الذي يقود مؤسسة تؤثر على حياة الناس وقراراتهم، من المفترض أن يخضع لامتحانات ملاءمة مهنية ونفسية وسلوكية، إضافة إلى آليات اختيار عادلة تقوم على المنافسة والمعايير الموضوعية، تماما كما هو متبع في كثير من المؤسسات الحديثة الكبرى. لأن الإدارة ليست مجرد منصب أو سلطة، بل مسؤولية إنسانية وأخلاقية وتنظيمية تتطلب شخصية متوازنة وقادرة على القيادة الحكيمة والتعامل الصحي مع الناس والاختلاف والسلطة. فكلما كانت معايير الاختيار أكثر شفافية ومهنية، كانت المؤسسات أكثر استقرارا وعدالة وقدرة على خدمة المجتمع بصورة سليمة ومتوازن
|
|
|
| ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة، عن رأي الموقع |
|
|