| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
|
|
| الموجز |
|
|
في خضم الفوضى، والاستقطاب، والانقسام الداخلي في إسرائيل، يختبئ تحول عميق يغفل عنه كثيرون في التيار اليهودي السائد، وخاصة في معسكر الوسط–اليسار: المجتمع العربي في إسرائيل مرّ بتحول سياسي متسارع. فبدل الانغلاق في مواجهة حكومة يمين متطرف تُعتبر معادية له، بات الجمهور العربي يريد الانخراط أيضًا في قضايا السياسة الخارجية، ويطالب بمقعد حول طاولة صنع القرار. استطلاع أجراه مؤخرًا البروفيسور جلعاد هرشبرغر والبروفيسور سيفان هيرشهوفلر من مجموعة الأبحاث "تمارور بوليتوغرافيا"، يشير إلى اندماج مدني عملي وتغيرات اجتماعية، إلى جانب مواقف قومية راسخة وانتقادات لطريقة إدارة الصراع من قبل قيادة الدولة. “الشبح الديمغرافي”، الذي استخدمه سياسيون لعقود كأداة تخويف، بدأ يتلاشى. نسبة المواطنين العرب استقرت عند 21.1% من مجمل سكان إسرائيل. وبالتوازي مع انخفاض معدلات الولادة، تجري ثورة في التعليم العالي. العرب يشكلون اليوم نحو 19% من طلاب اللقب الأول، وهناك أكثر من ألف طالب دكتوراه عربي من أصل نحو 12 ألفًا. جيل جديد، متعلم، واثق بنفسه، وطموح نحو الحراك الاجتماعي، يعيد تشكيل المجتمع العربي. أحد أبرز التغييرات يتعلق بالموقف من السياسة، وخاصة المشاركة في الائتلافات الحكومية. رغم مشاعر الاغتراب تجاههم من قبل السلطة، فإن 70% من المشاركين في الاستطلاع يقبلون بحكم الأغلبية ويفضلون حكومة منتخبة ديمقراطيًا، حتى لو لم تعجبهم سياساتها. لكن التحول الحقيقي يتعلق بالرغبة في التأثير: في الماضي، كان الحديث عن المشاركة في حكومة صهيونية من المحرمات. أما اليوم، فإن 55.7% من المستطلعين يصرحون بأنهم "بالتأكيد لن" يصوتوا لحزب عربي يعلن مسبقًا رفضه الانضمام إلى الائتلاف الحكومي. الناخب العربي سئم من بقاء الأحزاب العربية في مقاعد المعارضة، ويطالبها بالبراغماتية. نحو 58% من المشاركين يريدون إقامة حكومة وسط–يسار بمشاركة أحزاب عربية. الدعم للاندماج المدني لا ينبع من تجاهل لوضع الديمقراطية الإسرائيلية، ولا يعني تراجعًا عن القضية الفلسطينية. فغالبية الجمهور العربي ترى أن الديمقراطية في خطر طالما استمر الاحتلال في الضفة الغربية. وعلى عكس كثيرين في الوسط اليهودي الذين يفضلون تجاهل الموضوع، يرى معظم المواطنين العرب أنه لا يمكن أن توجد ديمقراطية ليبرالية حقيقية إلى جانب احتلال مستمر، ومن المتوقع أن يؤثر هذا الموقف على تصويتهم. أعمق فجوة إدراكية بين التيار اليهودي السائد والعربي ظهرت في الموقف من السابع من أكتوبر. فالاستطلاع يعكس موقفًا يجب الاعتراف به: نحو 90% من الجمهور العربي لا يؤيد المجزرة التي نفذتها حماس، لكن قرابة 70% يحمّلون الاحتلال المسؤولية الأساسية عنها. وعلى عكس التصور السائد لدى اليهود، الذي يعتبر أن الانفصال عن غزة أنهى الاحتلال هناك، يرى العرب أن سياسة الحصار وفصل القطاع عن الضفة الغربية تمثل استمرارًا للسيطرة الإسرائيلية على غزة. في الماضي، كانت المشاركة في الحكومة تُعتبر من المحرمات. اليوم، نحو 58% من الجمهور العربي يريدون حكومة وسط–يسار بمشاركة أحزاب عربية. هنا أيضًا يكمن مفتاح الحل. فالجمهور العربي لا يزال المعسكر الفكري الأكثر ثباتًا واتساقًا في دعمه للسلام: التأييد لحل الدولتين واسع ويتجاوز 75%. ومع ذلك، وكما هو الحال لدى اليهود، ينظر الجمهور العربي إلى الانفصال الأحادي عن غزة كتجربة فاشلة. لكنه، بخلاف الجمهور اليهودي، يميل إلى تحميل الحكومة الإسرائيلية مسؤولية الفشل، لأنه يرى في سياسة الانفصال الأحادي حلًا لا يلبّي الاحتياجات الأساسية للفلسطينيين: الاستقلال وحرية الحركة. إلى جانب الاهتمام بالنقاش السياسي–الأمني، يطالب الجمهور العربي اليوم بشراكة في إدارة القضايا الوطنية: أكثر من ثلثي المشاركين يرون أن على السلطة الفلسطينية إدارة قطاع غزة في “اليوم التالي” للحرب، وغالبيتهم يتوقعون من ممثليهم في الكنيست أن يشاركوا بفاعلية في صياغة السياسة المتعلقة بذلك. المطالبة بالتأثير توسعت من قضايا الميزانيات والعنف داخل المجتمع العربي، إلى السعي للمشاركة أيضًا في صياغة سياسات الأمن والخارجية. أما القضية الحساسة الأخرى فهي الحرم الشريف (جبل الهيكل). نحو 95% من المستطلعين يؤكدون بشكل قاطع أن الحرم يجب أن يبقى تحت السيادة الإسلامية. هذا الرقم يوضح خلفية الانفجارات العنيفة السابقة، من أحداث أكتوبر 2000 وحتى عملية “حارس الأسوار” عام 2021، التي اندلعت بالتوازي مع فرض قيود على المسجد الأقصى. لكن عندما طُلب من المشاركين التفكير في إقامة دولة فلسطينية تنتقل إليها السيادة على الحرم الشريف — وهو ما قد يفرض على المواطنين العرب في إسرائيل عبور حدود دولية للصلاة في المسجد — انخفض التأييد إلى 63.5%. هذا المعطى يظهر أنه رغم هويتهم الدينية العميقة، فإن غالبية المواطنين العرب في إسرائيل يشعرون بارتباط قوي بالواقع الإسرائيلي، ولا يسارعون للتخلي عن حرية الوصول إلى الحرم الشريف التي يمنحها لهم كونهم مواطنين في الدولة. حتى فيما يتعلق بالحرب مع إيران، يُظهر الجمهور العربي قراءة واقعية للمشهد: ففي حين ينقسم تقريبًا بالتساوي حول ما إذا كانت الحرب ستساهم في استئناف عملية السلام مع الفلسطينيين، فإن أغلبية واضحة تعتقد أن المواجهة الحالية ستؤدي إلى توسيع “اتفاقيات أبراهام” مع الدول العربية. بمعنى أن الجمهور العربي يقدّر بدقة قوة التحالفات الإقليمية لإسرائيل مع العالم العربي البراغماتي، حتى لو بقي متشككًا في إمكانية تحقيق إنجازات على الساحة الفلسطينية نتيجة الحرب. هذا الاستطلاع يحطم سلسلة طويلة من الأساطير: المجتمع العربي ليس منفصلًا عن الواقع، وليس مجتمعًا مغلقًا يرفض وجود دولة إسرائيل، وبالتأكيد ليس “طابورًا خامسًا”. إنه مجتمع يمر بعمليات تعليم متسارعة، ويعارض الإرهاب، لكنه يتمسك بمطلب إنهاء الاحتلال باعتباره الضمانة الوحيدة للديمقراطية الإسرائيلية. وأكثر من أي شيء، إنه مجتمع يطالب بوضوح بأن يكون شريكًا كاملًا في قيادة الدولة. إذا كان معسكر الوسط–اليسار، أو المعسكر الديمقراطي بأكمله في إسرائيل، يريد العودة يومًا ما إلى الحكم وضمان مستقبل الدولة، فعليه أن يتوقف عن التعامل مع الجمهور العربي كخزان أصوات يُستخدم فقط كشبكة أمان، أو كتهديد ينبغي احتواؤه. وعليه أن يبدأ بالنظر إليه كشريك استراتيجي وسياسي لبناء بديل سلطوي — من خلال توزيع عادل للموارد الداخلية، وصياغة تصور “اليوم التالي” في غزة، وإعادة حل الدولتين إلى النقاش العام. إنها لحظة تاريخية يمد فيها الناخب العربي يده نحو شراكة ائتلافية فعلية. ومن سيواصل تجاهل هذه اليد الممدودة، سيحكم على نفسه بسنوات طويلة أخرى في صفوف المعارضة. |
|
|
| ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة، عن رأي الموقع |
|
|