وقفت سيدة، منذ يومين، في جلسة مجلس البلدية في حيفا.
اسمها سالي عبد. عضوة منتخبة في المجلس البلدي.
تحدثت.
لم تصرخ.
لم تٌهِّن.
لم تستفز.
تحدثت فقط بالعربية.
وفجأة، انفجرت القاعة.
غالباً ما نسيء فهم لحظات كهذه.
نختزلها في السياسة، أو العاطفة، أو توتر عابر.
لكنها ليست كذلك.
إنها لحظات تشخيصية.
تكشف البنية النفسية والتاريخية للسلطة بوضوح يفوق أي سياسة أو قرار رسمي.
على السطح، يبدو الأمر كتعصّب.
لكن في العمق، هناك ما هو أكثر تنظيماً:
اضطراب في النظام الرمزي.
لأن اللغة ليست حيادية.
ولم تكن كذلك يوماً.
فهم فرانز عمر فانون، طبيبًا نفسيًا وفيلسوفًا سياسيًا من جزر الهند الغربية الفرنسية الواقعه في المحيط الهادئ، هذا بوضوح مقلق.
فالتحدث بلغة ما ليس مجرد تواصل،
بل هو سكن عالم كامل،
حمل تاريخه، كرامته، وحقه في الوجود.
اللغة ليست صوتاً.
إنها حضور.
لذلك، حين تحدثت سالي عبد بالعربية في مجلس بلدية حيفا،
لم يكن ما حدث مجرد كلام.
دخلت ذاكرة تاريخية مختلفة إلى القاعة
وأصبح ادعاء مختلف بالانتماء مسموعاً.
وفي تلك اللحظة،
تصدّع وهم الفضاء الواحد غير المتنازع عليه.
هنا تبدأ ردّة الفعل.
ليس من جهل، بل من إدراك ووعي كامل الحضور.
ما حدث لا يمكن فهمه إلا من خلال عدسة تاريخية أوسع:
استمرارية المنطق الاستعماري.
فالأنظمة الاستعمارية لا تسيطر على الأرض فقط،
بل تنظّم الصوت.
تحدد أي لغة يحق لها أن تكون في موقع السلطة،
وأي لغة تُقبل في الخاص،
وأي لغة يجب أن تبقى غير مسموعة كي يستقر النظام.
هكذا تُحافظ الهرمية على نفسها،
ليس فقط عبر القوانين، بل عبر الصوت.
وعندما يُخَلّ بهذا التوازن، ولو قليلاً
نادراً ما تكون الاستجابة هادئة.
من منظور نفسي، هذا ما نسمّيه التهديد الرمزي.
لم يكن هناك خطر حقيقي.
لم تتغير سياسة.
لكن شيئاً دقيقاً تغيّر:
صوت الشرعية.
وبالنسبة لأنظمة اعتادت، بوعي أو بدونه،
على الحفاظ على إيقاع ثقافي مهيمن،
يمكن لهذا التغيير أن يكون مقلقاً.
ليس على مستوى العقل.
بل على مستوى أعمق.
لهذا كانت ردّة الفعل فورية.
عاطفية.
غير مفلترة.
"اذهبي إلى غ..زة".
هذه العبارة تُفهم غالباً كعداء سياسي.
لكنها أدق من ذلك.
إنها ترسيم للحدود.
محاولة نفسية لإعادة النظام.
وكأنها تقول:
وجودك قد يُحتمل،
لكن صوتك يجب ألا يعيد تعريف المكان.
هذه ليست حالة معزولة.
بل نمط يتكرر عبر التاريخ والجغرافيا:
في الجزائر الاستعمارية، كانت الفرنسية لغة السلطة،
ودُفعت العربية إلى الهامش.
وفي سياقات أخرى، تصبح اللغة المهيمنة بوابة الشرعية،
بينما تُحصر اللغات الأخرى في الخاص واليومي.
والقاعدة تبقى:
يُقبل الاختلاف… حتى يتحدث بلغة السلطة:
ما حدث في حيفا لم يكن انهياراً في السلوك.
بل لحظة انكشاف لشروط النظام.
فالمجتمعات الواثقة لا تخاف من اللغة.
ولا ترى التعدد تهديداً.
بل تتسع له.
أما الأنظمة الهشّة فتتصرف بشكل مختلف.
تعتمد على التكرار،
وعلى الألفة،
وعلى استمرارية هوية غير مُساءَلة.
وعندما يُقطع هذا الإيقاع، حتى بلغة
لا تكون الاستجابة تفكيراً.
بل مقاومة.
ما يجعل هذه اللحظة كاشفة ليس وجود العداء،
فالعداء موجود في كل مكان.
بل سهولة ظهوره.
غياب التوقف.
انعدام المقاومة الفكرية له.
وهنا يكمن القلق الأعمق.
عندما تحلّ ردّة الفعل مكان التفكير،
وعندما تصبح الهوية صلبة إلى حد أن اللغة تبدو اقتحاماً،
يبدأ شيء ما في الانكماش.
ليس جغرافياً.
بل فكرياً.
حذّر فانون من هذا.
ليس فقط من عنف السيطرة،
بل من البُنى النفسية التي تستمر بعدها.
فالمنطق الاستعماري لا يختفي.
بل يتكيّف.
يتسلل إلى المؤسسات،
إلى التوقعات،
إلى ما يُعتبر “طبيعياً".
وما يُنظر إليه كـ“غريب".
وأحياناً، يظهر بأبسط صورة:
في طريقة استجابة غرفة
لامرأة
تتحدث بلغتها.
لم يعد السؤال عن سالي عبد،
أو عن اجتماع واحد،
أو عن لغة واحدة.
بل هو أبسط وأعمق:
أي نوع من المجتمعات يشعر بالاهتزاز
من صوت انتماء لا يسيطر عليه؟
لأن الأمر لم يكن يوماً عن العربية.
بل عن السلطة.
عن من يُسمح له أن ينتمي
بصوتٍ مسموع،
وحضورٍ واضح،
ودون اعتذار,
ومن يُتوقع منه أن ينتمي بصمت.