xxxxxxxxxxxx xxxxxxxxxxxx
غولان يوجّه إنذارًا سياسيًا لآيزنكوت: “احسم موقفك فورًا”مؤشرات على دعم واسع في الرأي العام في غزة لنزع سلاح حماسلقاء في ميامي جمع رئيس وزراء قطر بويتكوف وروبيو ضمن مساعي إنهاء الحرب مع إيرانبن غفير يطالب بخطة عاجلة لترحيل المتسللين من إسرائيلترمب ينتظر ردّ إيران... وطهران تشكك في جدية واشنطن الموجز

الحكم ضد المحامي احمد خليفة ومحمد على جبارين

إدانة للمحكمة الإسرائيلية في شراكتها لإعادة هندسة المجال السياسي

إدانة للمحكمة الإسرائيلية في شراكتها لإعادة هندسة المجال السياسي

بقلم : المحامي مروان مشرقي- الناصرة

الناصرة: 07.04.2026

   في لحظات التوتر الأمني الحاد، تميل الأنظمة القانونية إلى إعادة رسم الحدود بين المسموح والممنوع، لا سيما في مجال التعبير السياسي. الحكم الصادر عن محكمة الصلح في حيفا بتاريخ 29 نيسان 2026، في ملف (ת"פ 11189-11-23) من قبل القاضي إحسان حلبي، يشكّل مثالًا بارزًا على هذا التحول، إذ أدانت المحكمة المحامي احمد خليفة ومحمد على جبارين، لمشاركتهما في مظاهرة في ام الفحم رُفعت خلالها شعارات بالنسبة للمؤسسة الإسرائيلية والمحكمة تشكل تحريضًا على الإرهاب وتماهيًا مع تنظيم إرهابي.

   هذا الحكم لا يطرح مجرد مسألة قانونية تقنية، بل يفتح نقاشًا أعمق حول سؤال جوهري:

متى يتحول الخطاب السياسي من تعبير مشروع إلى جريمة جنائية؟

   الميزة الأساسية لهذا الحكم تكمن في طبيعة النزاع الذي عالجه. فالمحكمة لم تكن أمام خلاف حول ما حدث فعليًا، إذ إن الوقائع كانت موثقة بتسجيل مصوّر، بل تمحورت القضية حول تفسير الشعارات نفسها: هل تعبّر عن موقف سياسي، أم تشكّل دعوة للعنف؟

   بهذا المعنى، انتقلت المحاكمة من فحص الأفعال إلى تأويل اللغة. لم تعد المسألة "ماذا قال المتهمون؟"، بل "ماذا تعني أقوالهم؟" في سياق معيّن. وهذا التحول يضع القاضي في موقع المفسّر السياسي، لا مجرد المطبّق للنص القانوني.

   لقد اعتمدت المحكمة على أحكام قانون مكافحة الإرهاب (الذي هو شرعنة قانونية لأنظمة الطوارئ الانتدابية سيئة الصيت)، الذي يجرّم ليس فقط الدعوة المباشرة للعنف، بل أيضًا الخطاب الذي قد يؤدي، وفق "إمكانية حقيقية" (האפשרות הממשית- بحسب نص القانون)، إلى عمل إرهابي. والأخطر من كل ذلك أن الإشكالية تكمن في كيفية تطبيق هذا المعيار. ففي قرار الحكم لم تُظهر ولم تشير المحكمة الى وجود خطر فعلي أو مباشر ناتج عن الشعارات، بل استندت إلى تقدير عام مستمد من السياق الأمني. وهنا يكمن الخطر: عندما تصبح "الإمكانية" مفهومًا مرنًا إلى هذا الحد، يمكن لأي خطاب سياسي حاد أن يقع تحت طائلة التجريم.

   القانون الجنائي، بطبيعته، يفترض الوضوح والتحديد. أما التوسع في التفسير، فيحوّله إلى أداة مفتوحة، يصعب على الأفراد التنبؤ بحدودها.

السياق الأمني كعامل حاسم

   افتتحت المحكمة حكمها باستعراض مطوّل لأحداث السابع من أكتوبر، رغم أن المظاهرة جرت بعد ذلك بأسبوعين وبعد اعلان حرب الابادة على غزة. هذا الربط لم يكن عرضيًا، بل شكّل الخلفية التي فُسرت من خلالها الشعارات.

   الإشكالية هنا لا تكمن في أخذ السياق بعين الاعتبار، بل في تضخيمه إلى حد يصبح فيه معيارًا بديلًا عن تحليل المضمون ذاته. فبدلًا من فحص الكلمات ضمن سياقها الخاص، جرى إسقاط سياق أوسع عليها، ما أدى إلى تضييق هامش التفسير الممكن.

   والنتيجة هي نقل عبء حدث أمني استثنائي إلى كل تعبير سياسي لاحق، وهو ما قد يفضي إلى تجريم واسع للخطاب، لا لخطورة مضمونه، بل لحساسية الظرف العام، وهذا ما شعرنا به ورأيناه بأم أعيننا عندما تم اعتقال الفنانة والممثلة ميسا عبد الهادي والفنانة دلال أبو امنة والمحاضرة الجامعية، بروفسور نادرة كيفوركيان شلهوب وغيرهم من معتقلي حرية الكلمة والاحتجاج السياسي.

حرية التعبير في الهامش

   لقد أشار خليفة وجبارين من خلال محامي الدفاع إلى أن الشعارات التي رُفعت هي جزء من خطاب سياسي متداول في المجتمع العربي، ولم تُعتبر، تاريخيًا، محل تجريم. إلا أن المحكمة لم تتعامل مع هذا الادعاء كمسألة مركزية، واكتفت بالتأكيد على أن حرية التعبير ليست حقًا مطلقًا.

غير أن هذا الطرح يتجاهل خصوصية حرية التعبير السياسي، خاصة لدى الأقليات، حيث يشكّل هذا الحق أداة أساسية للتعبير عن الهوية والموقف السياسي. إن تقييد هذا الحق دون فحص دقيق لمعيار الضرورة والتناسب يهدد بتقليص الحيز الديمقراطي المتاح، حتى ولو كان حيزا محجما ومقيدا كما هو طيلة الوقت.

نحو تجريم الخطاب

   أخطر ما في حكم الإدانة انه يؤشر إلى اتجاه أوسع يتمثل في انتقال القانون الجنائي من معاقبة الأفعال إلى ضبط الخطاب السياسي الاحتجاجي حيث يتم التدخل في مرحلة التعبير، استنادًا إلى احتمال مستقبلي.

   هذا التحول يحمل في طياته مخاطر جدية، أبرزها تسيس القانون الجنائي وتوسيع نطاقه ليشمل مجالات كانت تُعتبر جزءًا من النقاش العام المشروع.

   الحكم الصادر في قضية خليفة وجبارين لا يقتصر أثره على المتهمين فيه، بل يضع معيارًا جديدًا لتقييم الخطاب السياسي في ظل ظروف أمنية مشحونة. ومن خلال توسيع مفهوم التحريض، وتغليب السياق العام على التحليل الدقيق للمضمون، يفتح الباب أمام إعادة تعريف حدود حرية التعبير.

   جنبا الى جنب يكشف القرار ليس فقط إدانة متهمين على خلفية هتافات في مظاهرة، بل إعادة تعريف جوهر الفضاء السياسي ذاته داخل إسرائيل، وهنا أيضا تكمن خطورته. فالمحكمة لا تكتفي بتطبيق قانون "مكافحة الإرهاب"، بل تعيد صياغة العلاقة بين الفعل السياسي الفلسطيني والمنظومة الجنائية مع تجريم النشاط السياسي الفلسطيني في البلاد، حيث جرى تأويل خطير لمعنى الخطاب السياسي وحدود تجريمه.  وهنا يكمن التحول البنيوي: لم يعد السؤال "ماذا قيل؟" بل "كيف تفسره السلطة؟".

 من حرية التعبير إلى "خطر التجريم السياسي"

   المحكمة تتبنى تفسيرًا موسّعًا وخطيرًا لنصوص قانون مكافحة الإرهاب، حيث تعتبر أن الشعارات - حتى تلك التي تنتمي إلى "الشعار التقليدي" للاحتجاجات ضد جرائم الاحتلال وممارسات الإبادة ضد الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة - بدأت تشكل بمنطق المنظومة القضائية في إسرائيل تحريضًا، وتأويلها ضمن سياق أمني.

بهذا المعنى، يتم تفريغ شرط "الإمكانية الواقعية" (האפשרות הממשית- بحسب نص القانون) من مضمونه وتحويله إلى أداة مرنة تسمح بإدانة أي خطاب سياسي مناهض للاحتلال وسياسة الحكومات الإسرائيلية، خصوصًا إذا كان فلسطينيًا.

إسقاطات القرار على نضال جماهيرنا الفلسطينية في البلاد

أولا: السؤال الذي يُطرح أمام السياق السياسي الذي اعتمدته المحكمة في قرار الإدانة: هل التغييب متعمد أم انه إعادة بناء أيديولوجي؟

   رغم أن الدفاع أشار إلى أن المظاهرة جاءت بعد أحداث دامية في غزة، وأنها جزء من رد فعل شعبي على قتل مدنيين، الا أن المحكمة رفضت إعطاء هذا السياق وزنًا حقيقيًا، معتبرة أن وصف أحداث 7 أكتوبر يبرر الإطار التفسيري للائحة الاتهام.

   هذا ليس مجرد اختلاف في التقدير، بل إعادة بناء للسياق السياسي وفق الرواية الرسمية، حيث يُفصل الفعل الفلسطيني داخل البلاد عن أسبابه، ويُعاد إدخاله فقط ضمن منظومة "التهديد الأمني".

ثانيا: تطبيع القمع عبر القانون

   يكرّس القرار اتجاهًا أعمق: تحويل قانون مكافحة الإرهاب إلى أداة لضبط الحيز السياسي العربي الفلسطيني داخل إسرائيل. ويتجلى ذلك في:

•              توسيع تعريف "التحريض".

•              مساواة الشعارات السياسية مع ما يسمى ب " الدعوة المباشرة للعنف".

•              إضعاف الحماية الدستورية لحرية التعبير (حتى ولو كانت هذه الحماية صورية بكل ما يتعلق بالنشاط السياسي للأقلية القومية الفلسطينية في إسرائيل)، وهو ما يتناقض حتى مع اجتهادات المحكمة العليا التي أكدت أن تقييد حرية التعبير يجب أن يُفسر تفسيرًا ضيقًا.

ثالثا: إشكالية "التأويل الجنائي"

   القرار يعتمد على تأويل لغوي وسياسي للشعارات، بدلًا من معناها المباشر أو نية قائليها، وهذا جانب خطير جدا في هذا القرار، فشعارات مثل "المقاومة" أو "عدم الاستسلام" أو "الصمود" تُقرأ تلقائيًا كدعوة للعنف، دون فحص جدي وعميق لسياقها الثقافي والسياسي.

   هذا يخلق سابقة خطيرة: أي أن أي خطاب وطني فلسطيني أو رفع شعار وطني كشعار " من أم الفحم (أو الناصرة او سخنين) تحيّة، لغزّة الأبيّة" أو " وحدة شعبك يا فلسطين، شوكة بحلق المحتلين" او "غزّة هاشم ما يركع للدّبابة والمدفع" أو "ما في حل، ما في حل، إلّا بتقليع المحتل" أو " يا أهالينا انضموا إلينا، شعب غزّة غالي علينا" أو "يا أهالينا انضموا, شعب غزّة ضحّى بدمّه" وغيرها من شعارات رفعت في مظاهرة أم الفحم يمكن إعادة تأويلها جنائيً"، وهذه هي سابقة خطيرة لا يمكن المرور عليها مرور الكرام.

رابعا: الأثر السياسي: ردع جماعي

   القرار لا يستهدف المتهمين فقط، بل يوجه رسالة ردع إلى المجتمع العربي الفلسطيني في البلاد بأسره، حيث ان أي احتجاج قد يتحول إلى ملف جنائي والخطاب السياسي قد يُعاد تعريفه كـ "إرهاب" بالإضافة الى أن الفضاء السياسي العام يتحول الى فضاء مراقب ومؤطر أمنيًا وهذا ما سنراه لاحقا في ملفات لم تنته بعد وفي ملفات سوف تفتح لاحقا.

   في النهاية لا بد أن نؤكد أن هذا الحكم ليس مجرد تطبيق للقانون، بل هو تعبير عن تحول عميق في وظيفة القضاء الإسرائيلي من ضامن للحقوق (حتى ولو شكليا وبدون أي أوهام) إلى شريك في إعادة هندسة المجال السياسي، حيث تصبح "الأمننة" وتجريم الخطاب السياسي هي العدسة الوحيدة لفهم الفعل الفلسطيني داخل إسرائيل.

 

ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة،  عن رأي الموقع
للمزيد : أرشيف القسم
 
WhatsApp تابعونا في الوتسأب تابعونا على الواتسأب
× انضم لمجموعة الكرمل عبرالواتساب
احصل على التحديثات والأخبار فورًا عبر واتساب.