xxxxxxxxxxxx xxxxxxxxxxxx
سرائيل تتوعد: أسبوعان فقط لإنجاح مفاوضات لبنان.إسرائيل تعلن تدمير نفق تابع لـحزب الله في لبنان.ارتفاع أسعار النفط وهبوط في البورصات العالميةآن الأوان" - أكبر مؤتمر للدعوة للسلام في البلادحزب جديد في المغار: تحوّل سياسي محدود التأثير على خريطة الأحزاب العربية الموجز

غياب السلام

حين يُحذف “السلام” من الخريطة الإعلامية: صمتٌ ليس بريئًا

حين يُحذف “السلام” من الخريطة الإعلامية: صمتٌ ليس بريئًا

بقلم : جيهان حيدر حسن
 

ليس غريبًا أن تتجاهل وسائل الإعلام الإسرائيلية، الرسمية وغير الرسمية، تغطية أحد أكبر المؤتمرات الداعية للسلام داخل البلاد. الغريب حقًا أن يتحول هذا التجاهل إلى نمط ثابت، وكأن كلمة “سلام” نفسها أصبحت عبئًا لغويًا يُفضَّل عدم نطقه، لا في الإعلام، ولا في السياسة، ولا حتى في الفضاء العام.

ما جرى ليس تفصيلًا إعلاميًا هامشيًا، بل مؤشر صارخ على إعادة تشكيل الوعي الجمعي عبر الإقصاء المتدرج لفكرة التسوية. فعندما يُعقد مؤتمر واسع النطاق حول السلام ولا يجد طريقه إلى نشرات الأخبار، فنحن لا نتحدث عن “اختيار تحريري”، بل عن قرار سياسي غير مُعلن بإغلاق نافذة كاملة من النقاش العام.

هذا الصمت ينسجم بشكل مقلق مع المعطيات الاجتماعية. وفقًا لاستطلاع مركز “بيو” للأبحاث (2025)، فإن 21% فقط من الإسرائيليين اليوم يرون إمكانية واقعية للتعايش مع دولة فلسطينية مستقلة، مقارنة بنحو 50% قبل عقد واحد فقط. هذا الانحدار ليس رقمًا عابرًا، بل انعكاس مباشر لبيئة سياسية وإعلامية تُعيد إنتاج الشك بدل احتمالات الحل. وفي الاستطلاع نفسه، يرى 75% أن انعدام الثقة هو العائق الأساسي أمام أي تسوية، وكأن “الاستحالة” أصبحت قناعة عامة لا تحتاج إلى نقاش.

لكن الأخطر من الأرقام هو طريقة تحويلها إلى واقع سياسي وإعلامي مغلق: إذا كان الجمهور متشائمًا، فالإعلام يكرّس هذا التشاؤم بدل مساءلته. وإذا كانت السياسة مترددة، فالإعلام يتماهى معها بدل دفعها نحو فتح أفق مختلف. وهكذا، تتشكل دائرة مغلقة: لا سلام لأن لا أحد يتحدث عن السلام، ولا أحد يتحدث عن السلام لأن “لا جدوى منه”.

في هذا السياق، يبرز بُعد آخر لا يقل أهمية: البعد الاقتصادي. فتكاليف الحروب المستمرة، المباشرة وغير المباشرة، تستهلك الموارد العامة، وتضغط على الموازنات، وتؤثر على الاستقرار والاستثمار، في حين تشير تجارب دولية متعددة إلى أن مسارات التسوية السياسية، حين تستقر، تفتح المجال أمام نمو اقتصادي أعلى، وزيادة في الرفاه الاجتماعي، وتعزيز للاستثمارات طويلة الأمد. ومع ذلك، يظل هذا البعد شبه غائب عن الخطاب العام، وكأنه خارج الحسابات السياسية والإعلامية.

في المقابل، لا يمكن إغفال أن جزءًا من منطق الإعلام الحديث نفسه يساهم في هذا الاختلال. فوسائل الإعلام، في كثير من الحالات، تميل إلى ما يرفع نسب المشاهدة والتفاعل، حتى لو كان على حساب التوازن أو عمق الطرح. الأخبار الصادمة، الأمنية، والصراعية غالبًا ما تحقق “ريتنغ” أعلى من النقاشات المتعلقة بالحلول أو التسويات، ما يجعل السوق الإعلامي بحد ذاته غير محايد في تشكيل الأولويات. وهكذا، تتحول وظيفة الإعلام من البحث عن الحقيقة إلى ملاحقة ما يريده الجمهور أو ما يثير اهتمامه، لا ما يحتاج إلى نقاشه.

في هذا المناخ، يصبح تغييب مؤتمر سلام حدثًا طبيعيًا تقريبًا، بينما تغطى الأحداث الأمنية والسياسية الأخرى بكثافة واهتمام دائم. ليست المشكلة في وجود هذا التركيز، بل في غياب أي توازن مقابِل يسمح بوجود سردية أخرى، ولو على مستوى النقاش.

والأخطر أن هذا التحول لا يقتصر على الإعلام، بل يمتد إلى الخطاب السياسي والبرلماني، حيث تتراجع لغة الحلول لصالح لغة القوة وإدارة الصراع. وحين تختفي السياسة من كونها مساحة لابتكار الحلول، تتحول تلقائيًا إلى إدارة دائمة للأزمة.

في النهاية، ليست القضية أن الإعلام تجاهل مؤتمرًا واحدًا، بل أن هذا التجاهل يكشف حقيقة أعمق: هناك عملية هادئة لإزاحة فكرة السلام من المجال العام، واستبدالها بإجماع ضمني على أن لا شيء يستحق النقاش سوى إدارة الصراع نفسه.

وهنا تحديدًا يكمن الخطر الحقيقي: عندما يصبح الصمت على السلام أكثر حضورًا من الحديث عنه، لا يعود السؤال متى يتحقق السلام، بل هل بقي له مكان أصلًا في الوعي العام؟

 

xxxx

ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة،  عن رأي الموقع
للمزيد : أرشيف القسم
 
WhatsApp تابعونا في الوتسأب تابعونا على الواتسأب
× انضم لمجموعة الكرمل عبرالواتساب
احصل على التحديثات والأخبار فورًا عبر واتساب.