| xxxxxxxxxxxx | xxxxxxxxxxxx |
| الموجز |
|
|
في المقالين السابقين، كتبتُ أولًا عن الأرض المسروقة، والمكتبات المنهوبة، والذاكرة التي تعرّضت للحصار، ثم تلاه المقال الاخير عن الإخفاق التعليمي والفكري الذي سمح لهذه السرقة أن تستمر وأن تتطبع وتبدو وكأنها جزء طبيعي من التاريخ. وبذلك حاولت من خلال هذين المقالين تتبّع الجريمة في صورتها الخارجية، والضعف في صورته الحالة الداخلية. لكن هناك مرحله أخيرة، أخطر من الاثنين معًا.
إن أعمق سرقة ليست حين تُنتزع الأرض.
ولا حين تُصادر الكتب.
ولا حتى حين يُعاد كتابة التاريخ.
إنها حين تبدأ الضحية بالتكلم بلغة السارق.
تلك هي المرحلة الأخيرة والأشد فتكًا من الهزيمة: حين لا تعود المصادرة مفروضة من الخارج فقط، بل تبدأ بالاستقرار داخل وعي المُصادَر. حين يبدأ المَسْلوب في وصف جرحه بالمفردات التي صُممت أصلًا لتصغيره. حين يستعير الإطار الأخلاقي والسياسي، بل وحتى النبرة الشعورية، من السردية التي بُنيت لمحو حقه وتخفيف حجم مأساته.
عندها تكتمل السيطرة.
فأعظم انتصارات القوة ليست دائمًا عسكرية. بعض الانتصارات تكون فكريا او مفاهمياً. بعضُها لا يتحقق عبر تحطيم الإنسان جسديًا، بل عبر إعادة تشكيل الطريقة التي يفهم بها نفسه. وعندما يحدث ذلك، لا تعود المعركة على الأرض أو الأرشيف أو السيادة فقط، بل تصبح معركة على اللغة، والذاكرة، والمعنى.
والمعنى هو المكان الذي تنجو فيه الأمم أو تنهار.
قد تنجو الشعوب من الاحتلال وتبقى حيّة في التاريخ. وقد تنجو من الفقر والقمع والمنفى. لكن حين تفقد القدرة على تسمية حالتها بصدق وواقعيه، فإن شيئًا أعمق يبدأ في الانكسار. تبدأ في إساءة فهم آلامها. وتبدأ في اختزال الجرائم التاريخية الكبرى إلى مجرد “نزاعات”، والاستعمار إلى “صراع”، والسرقة إلى “ادعاءات متنافسة”، والمحو إلى “تعقيد".
وهذا ليس اعتدالًا.
إنها هزيمة متنكرة في هيئة رصانة.
فالكلمات ليست مجرد أوصاف للواقع؛ إنها أدوات ترتّبه وتشرعنه. إنها تمنح الوزن الأخلاقي لمكوناته. وهي التي تحدد ما هو مركزي وما هو هامشي. وما إن يبدأ شعب في الحديث عن اغتصابه بلغة ملساء ومستعارة، حتى يفقد تدريجيًا الوضوح اللازم لمقاومته. يبقى الجرح، لكن معناه يتشوّش. وتستمر الإصابة، لكن اللغة تصبح معقّمة. ويستمر الضحية في المعاناة، لكنه يعبّر عنها بمصطلحات تجعلها قابلة للتفاوض، أو إدارية، أو ضبابية تاريخيًا.
وهنا تتجلى إحدى أكبر مآسي الحالة العربية الحديثة.
فلفترة طويلة، جرى التعامل مع القضية الفلسطينية، ومع الأزمة العربية الأوسع، بمنطق إداري لا حضاري. استُبدلت لغة العدالة بلغة الإجراءات. واستُبدلت لغة التحرر بلغة التهدئة. واستُبدلت لغة الحقيقة التاريخية بالعبارات الدبلوماسية، وكأن الكارثة مجرد ملف يُدار، لا جرح ييحتاج الى علاج.
لكن الأمم لا يحميها الخطاب التقني وحده.
إنما يحميها الوعي.
ولهذا السبب فإن التاريخ والفلسفة أهم بكثير مما سمحت به مجتمعاتنا لأنفسها. فالتاريخ ليس ركامًا من التواريخ والأسماء، بل هو البنية التذكّرية التي يفهم بها الشعب ما الذي حدث له، وكيف حدث، ولماذا يهم. أما الفلسفة فليست زينة فكريه نخبوية، بل هي التمرين الذي يعلّم العقل كيف يسأل، ويميّز، ويحلّل، ويقاوم الخداع الفكري. من دون التاريخ تضعف الذاكرة، ومن دون الفلسفة يضعف الحكم، ومن دونهما معًا يصبح الشعب عرضة لا للاحتلال وحده، بل لاختطاف السردية أيضًا.
تلك هي السرقة الأخيرة.
ليس فقط أن يُسرق البيت، بل أن يتبدّل معنى البيت.
ليس فقط أن يُنتزع الأرشيف، بل أن تضعف الغريزة التي تدافع عنه.
ليس فقط أن يُجرح شعب، بل أن يُدرَّب هذا الشعب على إساءة فهم جرحه.
لهذا فإن الأزمة التي نواجهها أكبر من السياسة. إنها أزمة أخلاقية، وتربويه، وفلسفية، وحضارية. قد تُنتج الأمة أعدادًا كبيرة من الأطباء والمهندسين والعلماء، ومع ذلك تبقى ضعيفة إذا لم تُنتج عقولًا تمتلك عمقًا تاريخيًا، وتفكيرًا نقديًا، وقدرة على التعرف إلى ذاتها الحضارية. فالتعليم الذي يُخرج مهنيين ولا يُخرج حرّاسًا للمعنى، لا يستطيع أن يحمي شعبًا من التشويه.
وهنا يجب أن تنتهي هذه السلسلة.
كانت سرقة الأرض نكبه.
وكانت سرقة الذاكرة فادحة.
وكانت سرقة التاريخ فاضحه.
لكن السرقة الأخيرة فاجعه، فقد كانت محاولة التسلل إلى عقل المُصادَر، إلى الحد الذي يجعله يومًا ما يصف اغتصابه بلغة مغتصِبه.
فالأمم لا تسقط فقط حين تخسر الأرض.
إنها تسقط حين تخسر القدرة الداخلية على تسمية خسارتها بوضوح، وتذكّرها بصدق، والدفاع عن معناها بلا اعتذار.
إن خط الدفاع الأخير عن الشعوب ليس عند الحدود فقط.
إنه في العقل.
|
|
|
| ملاحظة: مسؤولية المقالات هي على عاتق كاتبيها ، ولا علاقة للموقع بالمحتوى المكتوب فيها، وهي لا تعبر، بالضرورة، عن رأي الموقع |
|
|