التقينا عضو الكنيست السابق ورئيس الحزب القومي العربي محمد حسن كنعان في مدينة الناصرة، في حوار صحفي خاص أجراه تميم أبو خيط وجيهان حيدر حسن، تناول خلاله أبرز القضايا السياسية والوطنية التي تشغل المجتمع العربي، ورؤيته لمستقبل العمل السياسي العربي في إسرائيل، وإمكانية بناء شراكات وتحالفات جديدة في المرحلة المقبلة.

 
أبرز النقاط في المقابلة :

1. تأسيس الحزب القومي العربي • تأسس الحزب عام 2001 إثر خلافات داخل الحزب الديمقراطي العربي. • الخلاف كان حول احترام الدستور الداخلي وتداول القيادة، وليس حول الثوابت الوطنية أو البرنامج السياسي. • دعا كنعان إلى العمل المؤسسي والاحتكام لقرارات اللجنة المركزية والمؤسسات المنتخبة. 2. الحزب القومي العربي اليوم • الحزب ما زال ينشط رغم غيابه عن الكنيست. • يواصل عقد اجتماعات اللجنة المركزية والمكتب السياسي. • يشارك في لجنة المتابعة والنشاطات الوطنية المختلفة. • يعتمد على العمل التطوعي والإمكانات الذاتية المحدودة. 3. الإنجازات البرلمانية • استغلال الحاجة إلى الأصوات العربية لانتزاع مكاسب للمجتمع العربي. • المساهمة في إلغاء ضريبة الأملاك عن شرائح واسعة. • تحسين مخصصات وتأمين الأطفال العرب. • إعادة نحو 5000 دونم من أراضي الروحة. • المساهمة في بناء نحو 300 غرفة تدريسية. • تحسين أوضاع السجناء الأمنيين العرب. • 4. المشاورات حول قائمة عربية يهودية • جرت لقاءات مع "كل مواطنيها" و"معًا ننجح". • لا يوجد حتى الآن اتفاق نهائي أو قائمة معلنة. • ما زالت الخلافات قائمة حول شكل الشراكة السياسية. • يرى أن الحزب القومي العربي يشكل القوة التنظيمية الأكبر بين الأطراف المتحاورة. 5. الشراكة العربية اليهودية • يؤمن بأن التأثير السياسي الحقيقي يكون عبر المشاركة في صنع القرار. • يعتبر أن البقاء في المعارضة وحده لا يحقق إنجازات كافية للمجتمع العربي. • يدعو إلى بناء قوة سياسية عربية يهودية قادرة على التأثير في الحكومة المقبلة. 6. القضية الفلسطينية • يؤيد حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران 1967. • القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية. • إذا تعذر تطبيق حل الدولتين، فإن البديل هو دولة ثنائية القومية تقوم على المساواة الكاملة. • ينتقد عدم تطبيق قرارات الشرعية الدولية واستمرار الاستيطان. 7. أولويات المجتمع العربي • مكافحة العنف والجريمة المنظمة. • حل أزمة السكن وهدم البيوت. • دعم الشباب والمؤسسات الثقافية والاجتماعية. • زيادة الميزانيات المخصصة للسلطات المحلية العربية. 8. تمثيل النساء والشباب • الحزب يضم نساء وشبابًا في المكتب السياسي واللجنة المركزية. • يؤكد أن أبواب الحزب مفتوحة لجميع شرائح المجتمع العربي. • يدعو إلى تجديد القيادات وإعطاء فرصة للأجيال الشابة. 9. موقفه من الانتخابات المقبلة • يؤكد دعمه لخوض الانتخابات وعدم مقاطعتها. • أعلن أنه إذا ترشح للكنيست وفاز، فسيكون ذلك لدورة واحدة فقط. • يربط ذلك بقناعته بضرورة تداول المسؤولية وتجديد القيادات. 10. تقييم حكومة نتنياهو • يعتبر أن الحكومة فشلت في تحقيق أهدافها في غزة ولبنان. • يرى أنها أضرت بعلاقات إسرائيل الإقليمية والدولية. • يؤكد أن الولايات المتحدة ما زالت صاحبة التأثير الأكبر على القرارات الإسرائيلية. • يرى أن الشعب الفلسطيني هو المتضرر الأكبر من استمرار الصراع. .

 

 

الكرمل  : كيف تأسس الحزب القومي العربي؟

محمد كنعان :  يعود تأسيس الحزب القومي العربي إلى عام 2001، في أعقاب خلافات تنظيمية وسياسية داخل الحزب الديمقراطي العربي الذي أسسه عضو الكنيست الراحل عبد الوهاب دراوشة. إن الخلاف لم يكن حول الثوابت الوطنية أو البرنامج السياسي، بل تمحور أساسًا حول احترام الدستور الداخلي وآليات تداول القيادة داخل الحزب. ويوضح أنه انضم إلى الحزب الديمقراطي العربي على أساس دستور ينص على تحديد مدة رئاسة الحزب بدورتين، ثم جرى تعديلها إلى ثلاث دورات كحد أقصى، بهدف ضمان تداول المسؤولية وإتاحة المجال أمام قيادات جديدة. التعديلات اللاحقة أفرغت هذا المبدأ من مضمونه، وأتاحت عمليًا استمرار الرئاسة دون سقف زمني واضح، الأمر الذي أثار اعتراضات واسعة داخل الحزب وأدى إلى تصاعد الخلافات التنظيمية. شغلت منصب الأمين العام للحزب الديمقراطي العربي لمدة أحد عشر عامًا، وكان من بين القيادات التي طالبت بالالتزام بالمؤسسات الحزبية وقرارات اللجنة المركزية. كما شارك إلى جانب قيادات أخرى في دعم تعديل يتيح لعبد الوهاب دراوشة ولاية إضافية، انطلاقًا من تقديرهم لدوره التاريخي، إلا أن الخلافات استمرت لاحقًا حول طريقة إدارة الحزب وآليات اتخاذ القرار. إحدى القضايا التي عمّقت الأزمة كانت محاولات التوصل إلى تفاهمات وتحالفات سياسية خارج الأطر التنظيمية للحزب، دون العودة إلى اللجنة المركزية والمؤسسات المنتخبة. ويؤكد أنه رفض هذه الآلية، وأصر على أن أي قرار مصيري يجب أن يحظى بموافقة المؤسسات الحزبية الشرعية. هذا المسار أدى في نهاية المطاف إلى انقسام داخل الحزب وخروج عدد كبير من كوادره وأعضائه، ما دفعه مع مجموعة واسعة من الناشطين إلى تأسيس الحزب القومي العربي عام 2001. وقد جاء الحزب الجديد استجابة لحاجة سياسية وتنظيمية تهدف إلى ترسيخ العمل المؤسسي والديمقراطي، وإعطاء دور أكبر للكوادر الشابة، وتعزيز المشاركة الجماهيرية في اتخاذ القرار، مع الحفاظ على الثوابت الوطنية والقومية والدفاع عن حقوق المجتمع العربي الفلسطيني في البلاد. الخلاف الذي أدى إلى تأسيس الحزب القومي العربي لم يكن خلافًا على برنامج سياسي أو على المواقف الوطنية، بل كان خلافًا حول أسلوب إدارة الحزب واحترام مؤسساته الداخلية. كنت أؤمن بأن الحزب يجب أن يُدار وفق الدستور وقرارات اللجنة المركزية، لا من خلال تفاهمات أو ترتيبات تتم بعيدًا عن المؤسسات الشرعية. جئت إلى الحزب على أساس أن المسؤوليات محددة بزمن وأن هناك فرصة حقيقية لتجديد القيادة، وليس لتحويل المواقع الحزبية إلى مناصب دائمة.

 

الكرمل : هناك من يقول إن الحزب القومي العربي غاب عن المشهد السياسي خلال السنوات الأخيرة، وإن الجمهور العربي لم يعد يسمع كثيرًا عن نشاطه. كيف تردون على هذا الادعاء؟

 

محمد كنعان : هذا الانطباع ليس دقيقًا. صحيح أن الحزب القومي العربي لم يكن ممثلًا في الكنيست خلال السنوات الأخيرة، لكن ذلك لا يعني أنه توقف عن العمل أو اختفى من الساحة السياسية. على العكس، الحزب واصل نشاطه التنظيمي والجماهيري رغم محدودية الإمكانيات والموارد. ففي الوقت الذي أغلقت فيه أحزاب عديدة غير ممثلة في الكنيست مكاتبها أو جمدت نشاطها، حافظ الحزب القومي العربي على استمرارية عمله التنظيمي. وما زالت مؤسساته المختلفة، من اللجنة المركزية والمكتب السياسي والهيئات الحزبية، تعقد اجتماعاتها بصورة منتظمة وتتابع نشاطها السياسي والجماهيري. كما يشارك الحزب في أعمال لجنة المتابعة العليا وفي مختلف المناسبات الوطنية والنشاطات الجماهيرية بقدر ما تسمح به إمكانياته. والحقيقة أن الحزب يعمل منذ سنوات طويلة بموارد ذاتية محدودة جدًا، ودون الاستفادة من الميزانيات الكبيرة التي تحصل عليها الأحزاب الممثلة في الكنيست. وأقول بصراحة إنني شخصيًا أواصل خدمة الحزب بصورة تطوعية كاملة ومن دون أي مقابل مادي، بل أتحمل أحيانًا جزءًا من النفقات من حسابي الخاص. كما أن الحزب لا يعتمد على جباية مالية منتظمة من الأعضاء، الأمر الذي يجعل الاستمرار في النشاط تحديًا دائمًا. ورغم هذه الظروف، نجح الحزب على مدار السنوات في تنظيم عدد من الفعاليات الجماهيرية والاجتماعية، وفي مقدمتها موائد الإفطار الرمضانية التي جمعت شخصيات وفعاليات من مختلف التيارات السياسية والاجتماعية. وقد شهد بعضها مشاركة مئات الأشخاص، وشكلت منصة للحوار والتواصل بين مكونات المجتمع العربي المختلفة. كما بادر الحزب إلى تكريم شخصيات وطنية واجتماعية بارزة من اتجاهات متعددة، من بينها شخصيات سياسية ودينية ومجتمعية، انطلاقًا من قناعة بأن العمل الوطني يجب أن يجمع ولا يفرق. وبطبيعة الحال، فإن حجم الحضور الإعلامي لأي حزب يرتبط أيضًا بحجم إمكانياته المادية. فالأحزاب الممثلة في الكنيست تحصل على ميزانيات كبيرة تتيح لها تشغيل أجهزة إعلامية وتنظيمية واسعة. أما الأحزاب التي تعمل خارج البرلمان، فتعتمد أساسًا على جهود أعضائها ونشاطهم الميداني. ومع ذلك، أعتقد أن الجمهور يعرف الحزب القومي العربي بقدر ما يرى نشاطه على الأرض. وعندما كنا ممثلين في الكنيست كان أثر الحزب وإنجازاته أكثر وضوحًا لدى الناس، لكننا لم نتوقف يومًا عن العمل، وما زلنا نواصل نشاطنا السياسي والجماهيري وفق الإمكانيات المتاحة، إيمانًا منا برسالتنا ودورنا الوطني.

 

 

الكرمل : هناك من يرى أن قيام قائمة عربية واسعة قد يدفع في النهاية نحو حكومة يطرح البعض تساؤلات حول جدوى العمل البرلماني العربي وقدرته على تحقيق إنجازات ملموسة للمجتمع العربي. من خلال تجربتكم في الكنيست، ما هي أبرز الإنجازات التي تمكنتم من تحقيقها؟

 

محمد كنعان خلال فترة عضويتي في الكنيست، وفي إطار العمل المشترك مع زملائي، سعينا إلى استثمار الوزن البرلماني المتاح لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب للمجتمع العربي. ففي عدد من المحطات السياسية كانت الحكومات بحاجة إلى دعم أو أصوات إضافية لتمرير الميزانيات أو بعض القوانين، واستغللنا هذه الحاجة لطرح مطالب واضحة تخدم المواطنين العرب. كنا ندرك أن التصويت إلى جانب الحكومة ليس أمرًا بسيطًا، ولذلك وضعنا مجموعة من الشروط والمطالب مقابل أي تعاون برلماني. ومن بين أبرز الإنجازات التي تحققت في تلك الفترة إلغاء ضريبة الأملاك عن شريحة واسعة من المواطنين، وهو مطلب عملنا عليه بشكل مباشر مع وزير المالية آنذاك، وتم تثبيت هذه التفاهمات ضمن الإجراءات الرسمية للكنيست. كما نجحنا في تحقيق مساواة أكبر في مخصصات وتأمين الأطفال العرب مقارنة بالأطفال اليهود، ودفعنا باتجاه تحسين عدد من الحقوق الاجتماعية التي كانت تعاني من فجوات وتمييز لسنوات طويلة. ومن الإنجازات المهمة أيضًا إعادة تفعيل الاتفاق المتعلق بأراضي الروحة، الأمر الذي أسفر عن إعادة نحو خمسة آلاف دونم من الأراضي، إلى جانب المساهمة في بناء ما يقارب 300 غرفة تدريسية جديدة للمجتمع العربي، وتحسين أوضاع السجناء الأمنيين العرب في الداخل. وأؤمن أن العمل البرلماني لا يقتصر على إلقاء الخطابات أو رفع الشعارات، بل يقوم على القدرة على استغلال موازين القوى السياسية لتحقيق إنجازات عملية وملموسة. فعندما تكون هناك حاجة لأصواتك في الكنيست، يجب أن تعرف كيف توظف هذه القوة لخدمة مجتمعك وانتزاع حقوقه. هذا النهج لم يقتصر على حكومة واحدة، بل كان قائمًا في مراحل مختلفة ومع حكومات متعاقبة، حيث حاولنا دائمًا تحويل التأثير البرلماني إلى مكاسب حقيقية يشعر بها المواطن العربي في حياته اليومية.

 الكرمل : عن اجتماعكم بالأمس الحزب القومي العربي مع كل مواطنيها ، معا ننجح حدثنا,هل اسفر عن تشكيل قائمه موحده عربيه يهودية? هل هنالك احتمال لاجتياز نسبه الحسم؟

 

محمد كنعان : هناك بالفعل لقاءات ومشاورات جرت خلال الفترة الأخيرة بين عدد من الأطر السياسية. لقد عقدنا عدة اجتماعات مع أطراف مختلفة، إلا أن هذه اللقاءات لم تسفر حتى الآن عن تقدم ملموس أو اتفاق نهائي يمكن البناء عليه. وما زالت هناك تباينات في الرؤى والمواقف بين الأطراف المشاركة في هذه الحوارات. ومن بين القضايا التي كانت محل نقاش مسألة الشراكة العربية اليهودية، حيث تمسكت بعض الأطراف، وفي مقدمتها حزب "كل مواطنيها"، بضرورة أن يكون أي تحالف سياسي مستقبلي قائماً على هذا المبدأ، وهو ما لم يحظَ حتى الآن بإجماع جميع المشاركين في المشاورات. ورغم استمرار الاتصالات واللقاءات، فإن الحديث لا يزال يدور حول تبادل وجهات النظر واستكشاف إمكانيات التعاون، وليس حول اتفاق نهائي أو صيغة سياسية مكتملة. أما فيما يتعلق بالعلاقة بين الحزب القومي العربي وبعض القوى الأخرى، فهناك تقارب في بعض القضايا، وخصوصًا في الموقف الداعي إلى خوض الانتخابات وعدم مقاطعتها، لكن لا يمكن الحديث عن توافق كامل أو تحالف سياسي قائم بين الأطراف المختلفة في هذه المرحلة. لذلك أستطيع القول إن المشاورات ما زالت مستمرة، لكن أي قرار نهائي أو إعلان رسمي يحتاج إلى مزيد من الحوار والتوافق بين جميع الأطراف المعنية. أما مسألة اجتياز نسبة الحسم، فهي مرتبطة في نهاية المطاف بحجم التوافقات التي يمكن الوصول إليها، وبقدرة القوى المختلفة على بناء مشروع سياسي مقنع يجذب الجمهور ويوسع قاعدة المشاركة السياسية والانتخابية.

 

الكرمل :  كيف تصفون تركيبة الحزب القومي العربي اليوم؟ وإلى أي مدى ينجح الحزب في تمثيل مختلف شرائح المجتمع العربي؟

 

 محمد كنعان : نحن نعتبر الحزب القومي العربي حزبًا مفتوحًا أمام جميع أبناء المجتمع العربي بمختلف مكوناته وانتماءاته. فالحزب يضم أعضاء وناشطين من مختلف الطوائف والشرائح الاجتماعية، ونحرص على أن يعكس هذا التنوع داخل مؤسساته وهيئاته القيادية. لدينا حضور فاعل للشباب والنساء في الحزب، سواء في المكتب السياسي أو في اللجنة المركزية، كما أن هناك كوادر شابة بدأت نشاطها الحزبي في سن مبكرة واستمرت في العمل والتطور داخل الأطر التنظيمية للحزب. وأبواب الحزب مفتوحة أمام كل شخص يؤمن بمبادئه ويرغب في الانضمام إليه والمساهمة في العمل العام. فنحن لا نغلق الباب أمام أحد، بل نشجع على المشاركة السياسية والتنظيمية، ونؤمن بأن تجديد العمل الحزبي لا يكون إلا من خلال استقطاب طاقات جديدة ومنحها الفرصة للمساهمة وتحمل المسؤولية. كما يعمل الحزب وفق دستور داخلي واضح ينظم آليات العمل الحزبي والعلاقة بين المؤسسات المختلفة، ويضمن العمل الديمقراطي وتداول المسؤوليات داخل الحزب.

 

الكرمل : الناخب العربي يعيش اليوم حالة من الإحباط وفقدان الثقة، سواء تجاه القيادات العربية أو تجاه الحكومة الإسرائيلية، في ظل استمرار العنف والجريمة وهدم البيوت. كيف تخاطبون هذا الشارع الغاضب؟ ما الذي يميز مشروعكم السياسي عن الوعود التي سمعها الناخب العربي مرارًا ولم تتحقق؟

محمد كنعان
أنا أتفهم حالة الإحباط الموجودة لدى الجمهور العربي، لكنني أعتقد أن المسؤولية لا تقع على طرف واحد. فكل حزب أو إطار سياسي يجب أن يُقيَّم وفق قدرته على التأثير وحجم الأدوات المتاحة له. الأحزاب الممثلة في الكنيست تمتلك إمكانيات سياسية ومادية أكبر، وتستطيع أن تطرح برامج وتعالج قضايا تهم المواطن العربي، مثل السكن، والعنف والجريمة، والبنية التحتية، وميزانيات السلطات المحلية، وقضايا الشباب والمؤسسات الثقافية والاجتماعية. نحن كنا وما زلنا نؤمن بأن المطلوب هو بناء إطار عربي واسع وشامل يضم مختلف القوى السياسية. وقد تمنينا أن تكون هناك قائمة عربية جامعة تضم الجميع، لكن الواقع أن الأحزاب الممثلة في إطار المشتركة لم تتوجه إلينا بشكل جدي للمشاركة في هذا المشروع، رغم أننا أبدينا استعدادنا للحوار والانخراط في أي إطار وحدوي يخدم المجتمع العربي. حتى عندما طُرحت أفكار تتعلق بقوائم أو شراكات أوسع، أوضحنا أن طرحنا السياسي، بما فيه الانفتاح على الشراكة العربية اليهودية، لا يتناقض مع الانضمام إلى قائمة عربية واسعة إذا توفرت الإرادة لذلك. ورغم التحديات، فإننا نرى أن هناك جمهورًا يبحث عن بدائل جديدة. وقد أظهرت استطلاعات رأي أُجريت مؤخرًا مؤشرات أولية مشجعة لإمكانية بناء مشروع سياسي مختلف، لكن تحويل هذه المؤشرات إلى قوة سياسية حقيقية يحتاج إلى عمل طويل ومتواصل وإلى تواصل مباشر مع الناس وقضاياهم اليومية. لذلك نحن لا نقدم وعودًا سحرية، بل ندعو إلى عمل سياسي جاد ومتراكم يعيد ثقة الناس بالمشاركة السياسية ويضع مصالح المجتمع العربي فوق الحسابات الحزبية الضيقة.

 

الكرمل :   أنتم تطرحون فكرة الشراكة العربية اليهودية والمشاركة في مراكز صنع القرار. كيف ترون دور الأحزاب العربية في المرحلة المقبلة؟ وهل تعتقدون أن البقاء في صفوف المعارضة وحده قادر على تحقيق إنجازات حقيقية للمجتمع العربي؟

 

محمد كنعان  :  برأيي، ومن خلال تجربتي البرلمانية، فإن الاكتفاء بالبقاء في صفوف المعارضة لا يكفي لتحقيق إنجازات ملموسة للمجتمع العربي. فالمعارضة مهمة في الرقابة وطرح المواقف السياسية، لكنها تبقى محدودة التأثير إذا لم تكن جزءًا من عملية صنع القرار أو قادرة على التأثير المباشر في السياسات الحكومية. نحن نعيش اليوم في ظل حكومة متطرفة وعنصرية وعدائية تجاه المجتمع العربي والشعب الفلسطيني، وقد رأينا كيف تراجعت الميزانيات المخصصة للسلطات المحلية العربية، وكيف بات التعامل مع المجتمع العربي يتم في كثير من الأحيان باعتباره خصمًا أو طرفًا معاديًا بدلًا من كونه جزءًا أصيلًا من هذه الدولة. لذلك نحن نؤمن بأن المطلوب ليس فقط رفع الشعارات، بل العمل على بناء قوة سياسية قادرة على التأثير في القرار الحكومي والمشاركة في تغييره. ومن هنا تنبع أهمية فكرة الشراكة العربية اليهودية، ليس كهدف بحد ذاته، وإنما كوسيلة لبناء أغلبية سياسية بديلة قادرة على إسقاط نهج اليمين المتطرف وإحداث تغيير حقيقي في السياسات تجاه المواطنين العرب وقضايا السلام والمساواة. نحن نرى أن أي حكومة مستقبلية تسعى إلى استبدال نهج بنيامين نتنياهو وحلفائه يجب أن تضم قوى تؤمن بالشراكة والمساواة، وأن يكون للعرب دور وتأثير داخل عملية صنع القرار، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وفي هذا السياق أجرينا حوارات مع عدد من القوى والأحزاب السياسية المختلفة. فقد طرحنا على أطراف عربية متعددة فكرة إقامة إطار سياسي واسع يضم قوى عربية ويهودية ديمقراطية، واعتبرنا أن مثل هذا المشروع يمكن أن يشكل بديلاً سياسيًا جديدًا يساهم في تعزيز التأثير العربي في الحياة السياسية. كما أكدنا استعدادنا للانضمام إلى أي إطار وحدوي واسع يخدم المجتمع العربي ويعزز حضوره السياسي، سواء كان ذلك ضمن قائمة عربية موسعة أو ضمن شراكات سياسية أوسع. فبالنسبة لنا، الأولوية ليست للأطر التنظيمية بحد ذاتها، بل لقدرتها على خدمة المجتمع العربي وتعزيز مكانته وتأثيره في مراكز صنع القرار.

 

 

الكرمل : ما هو اقتراحكم، كحزب يؤمن بالشراكة العربية اليهودية، لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني؟ وما هي رؤيتكم للتسوية السياسية في ظل الواقع القائم اليوم؟


محمد كنعان :   نحن في الحزب القومي العربي نؤمن بشكل أساسي بحل الدولتين، أي قيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب دولة إسرائيل على حدود الرابع من حزيران عام 1967، على أن تكون القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية. ونرى أن هذا الحل ما زال يشكل الإطار السياسي الأكثر واقعية وعدالة لإنهاء الصراع وتحقيق السلام بين الشعبين. لكن إذا استمرت إسرائيل في تقويض فرص تطبيق هذا الحل من خلال توسيع الاستيطان وفرض الوقائع على الأرض وعرقلة تنفيذ الاتفاقيات الموقعة، فإنها عمليًا تدفع المنطقة نحو واقع آخر يتمثل في دولة ثنائية القومية يعيش فيها الشعبان ضمن إطار سياسي واحد وبحقوق متساوية. ونعتقد أن جوهر الأزمة لا يكمن في غياب الحلول السياسية، بل في غياب الإرادة لتنفيذها. فقرارات الشرعية الدولية موجودة، والاتفاقيات الموقعة قائمة، لكن المشكلة تكمن في عدم تطبيقها على أرض الواقع. وحتى الاتفاقيات التي تم التوصل إليها سابقًا، وعلى رأسها اتفاق أوسلو، لم تُنفذ بالشكل الذي كان من المفترض أن يقود إلى تسوية سياسية شاملة. كما نرى أن المجتمع الدولي يتعامل أحيانًا بمعايير مزدوجة، إذ يفرض قراراته ويتابع تنفيذها في مناطق مختلفة من العالم، بينما يغيب هذا الحزم عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية. وهذا الواقع ساهم في استمرار الصراع وتعميق معاناة الشعب الفلسطيني. للأسف، يمر العالم العربي والإسلامي بمرحلة من الضعف والانقسام، فيما يبقى الشعب الفلسطيني، في الداخل والضفة الغربية والقدس وقطاع غزة ومخيمات اللجوء، الطرف الأكثر تضررًا من استمرار هذا الوضع. لذلك فإننا نرى أن أي حل مستقبلي يجب أن يستند إلى العدالة والمساواة والاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، سواء من خلال حل الدولتين أو، إذا أصبح ذلك مستحيلاً، من خلال صيغة سياسية تضمن الحقوق الكاملة والمتساوية لجميع المواطنين.

 

الكرمل : تحدثتم عن الاتصالات التي جرت مع "كل مواطنيها" و"معًا ننجح" لإقامة إطار سياسي عربي يهودي. كيف تتصورون تركيبة هذه القائمة إذا تشكلت؟ وهل ستكون قائمة قائمة على الأحزاب أم على الشخصيات؟ وما هو الجمهور الذي تراهنون على استقطابه؟

 

محمد كنعان نحن نعتقد أن هناك فراغًا سياسيًا حقيقيًا في الساحة الإسرائيلية، خصوصًا بعد غياب ميرتس كحزب مستقل كان يمثل، إلى حد ما، التيار اليساري الإسرائيلي والقضايا الاجتماعية والمدنية. اليوم توجد شخصيات تحمل مواقف يسارية وديمقراطية، لكن لا يوجد إطار سياسي واسع يمثل بصورة واضحة قضايا المساواة والسلام والعدالة الاجتماعية والطبقات الضعيفة. من هنا جاءت فكرة إقامة قائمة عربية يهودية مشتركة، تكون قادرة على مخاطبة جمهور يبحث عن بديل سياسي مختلف، ويؤمن بالشراكة العربية اليهودية وبضرورة إحداث تغيير في الواقع السياسي القائم. أما بالنسبة لتركيبة هذه القائمة، فما زالت الفكرة قيد النقاش، ولم يتم التوصل إلى صيغة نهائية سواء من حيث تمثيل الأحزاب أو الشخصيات المستقلة. لكن الفكرة الأساسية هي بناء إطار واسع يجمع قوى وشخصيات تتفق على المبادئ الأساسية، بعيدًا عن الحسابات الحزبية الضيقة. وأعتقد أن الحزب القومي العربي يشكل اليوم القوة التنظيمية الأكبر بين الأطر الثلاثة التي تدور بينها هذه المشاورات. لكن في حال توحدت هذه القوى ضمن إطار سياسي واحد، فإن المشروع سيصبح أقوى بكثير من مجموع أجزائه، وسيكون قادرًا على استقطاب شرائح أوسع من الناخبين العرب واليهود على حد سواء. كما أن هذا المشروع يطرح رؤية مختلفة تقوم على تجديد الحياة السياسية وإفساح المجال أمام قيادات جديدة. وتشير بعض استطلاعات الرأي الأولية إلى أن مثل هذا المشروع قد يحظى بدعم ملحوظ، ليس فقط في الشارع اليهودي، بل أيضًا داخل المجتمع العربي، وربما بنسبة أكبر مما يتوقعه البعض. لكن نجاح أي مشروع من هذا النوع سيعتمد في النهاية على نوعية الشخصيات التي ستقوده، وعلى قدرته على تقديم برنامج سياسي واجتماعي مقنع يعالج القضايا الحقيقية التي تشغل المواطنين. وفي هذا السياق، أؤكد شخصيًا أنني إذا قررت خوض الانتخابات المقبلة وترشحت للكنيست، فإن ذلك سيكون لدورة برلمانية واحدة فقط، ولن أترشح لدورة ثانية، انطلاقًا من إيماني بضرورة تداول المسؤولية وإعطاء الفرصة للأجيال الجديدة لتولي مواقع القيادة والعمل السياسي. الكرمل: في حال حصلتم على تمثيل برلماني في الانتخابات المقبلة، ما هي القضايا التي ستضعونها على رأس سلم الأولويات؟ وما هي الملفات التي تعتقدون أن المجتمع العربي لم يعد يحتمل تأجيل معالجتها؟ محمد حسن كنعان: إذا أردنا الحديث عن أولويات المجتمع العربي اليوم، فإن قضية العنف والجريمة المنظمة تتصدر المشهد بلا شك. فهذه الظاهرة أصبحت الخطر الأكبر الذي يهدد حياة المواطنين وأمنهم الشخصي، إلى درجة أن المواطن بات يشعر بأنه معرض للخطر في أي مكان، سواء في الشارع أو في منزله أو أثناء تنقله. ولذلك فإن مواجهة عصابات الإجرام يجب أن تكون أولوية وطنية وسياسية من الدرجة الأولى، من خلال سياسة حكومية حقيقية وأجهزة أمنية تتعامل مع هذه الظاهرة بالجدية المطلوبة. إلى جانب ذلك، تبرز أزمة السكن وهدم البيوت كواحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في المجتمع العربي. فاستمرار تجميد أو تأخير الخرائط الهيكلية وعدم توفير مساحات تطوير كافية للبلدات العربية يدفع آلاف العائلات إلى مواجهة خطر الهدم والملاحقات القانونية، في الوقت الذي تتوسع فيه بلدات ومشاريع استيطانية بصورة متسارعة. كما نرى أهمية خاصة لقضايا الشباب، وتطوير الأطر الجماهيرية والثقافية والرياضية، وتعزيز المؤسسات الشبابية التي تشكل رافعة أساسية لبناء المجتمع. فالشباب بحاجة إلى فرص وإلى مؤسسات قادرة على احتضان طاقاتهم وتطوير قدراتهم، وليس فقط إلى الشعارات والخطابات. وتبقى قضية الميزانيات عنصرًا مركزيًا في جميع هذه الملفات. فالمجتمع العربي يعاني منذ سنوات من نقص مزمن في الموارد والاستثمارات الحكومية، الأمر الذي ينعكس على السلطات المحلية، والمؤسسات التربوية والثقافية والاجتماعية، والبنية التحتية والخدمات العامة. ومن هنا فإن المطلوب ليس فقط تشخيص المشكلات، بل العمل على انتزاع الموارد والميزانيات اللازمة لمعالجتها. وقد أثبتت التجارب السابقة أن توجيه الاستثمارات والموارد نحو البلدات العربية يمكن أن يحدث تغييرًا ملموسًا في حياة المواطنين، ولذلك يجب أن يكون هذا الملف في صلب أي برنامج سياسي جاد يسعى لخدمة المجتمع العربي.

 

الكرمل :   الرئيس الأمريكي ترامب يتصرف بالشؤون الإسرائيلية على الصعيد الداخلي الإسرائيلي والخارجي أي الحرب مع ايران ولبنان وكانّه الأمر الناهي الي اي مدي هذا الأمر يضعف من قوه نتنياهو أمام الجمهور الإسرائيلي بشكل عام وبين أعضاء حزبه بشكل خاص؟


محمد كنعان : برأيي، يمكن وصف أداء حكومة بنيامين نتنياهو خلال السنوات الأخيرة بأنه فشل على أكثر من مستوى. فعلى صعيد الحرب في غزة، أعلنت الحكومة منذ البداية أن أهدافها الأساسية تتمثل في إعادة الأسرى والقضاء على حركة حماس، لكن بعد فترة طويلة من القتال لم يتحقق أي من هذين الهدفين بصورة كاملة، ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى السياسات التي اتبعتها الحكومة. أما على الجبهة اللبنانية، فقد رفعت الحكومة شعارات تتعلق بإضعاف حزب الله أو القضاء عليه، لكن الواقع الميداني أثبت أن هذه الأهداف لم تتحقق أيضًا. وعلى الجبهة الإيرانية ما زالت المواجهة مفتوحة، ولم تؤدِ السياسات المتبعة إلى تغيير جوهري في موازين القوى الإقليمية. وفي المقابل، دفعت المنطقة أثمانًا باهظة. فالحرب في غزة خلفت عشرات آلاف الضحايا والجرحى ودمارًا هائلًا في البنية التحتية، فيما استمرت حالة التوتر وعدم الاستقرار في أكثر من ساحة. كما أرى أن الحكومة فشلت سياسيًا وإقليميًا. فخلال هذه السنوات لم يتحقق أي اختراق سياسي حقيقي في علاقات إسرائيل مع محيطها، بل على العكس، شهدت العلاقات مع عدد من الدول العربية تراجعًا ملحوظًا، كما ازدادت عزلة إسرائيل على الساحة الدولية وتراجعت صورتها في قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي. وفي تقديري، تبقى الولايات المتحدة اللاعب الأكثر تأثيرًا في كل ما يتعلق بالصراع في المنطقة. فالإدارة الأمريكية تمتلك القدرة الأكبر على التأثير في القرارات الإسرائيلية وفي مسارات التسوية والحرب، فيما يعاني العالم العربي والإسلامي من حالة ضعف وانقسام تحد من قدرته على التأثير الفعلي في مجريات الأحداث. وفي نهاية المطاف، يبقى الشعب الفلسطيني، سواء في الداخل أو في الضفة الغربية أو القدس أو قطاع غزة، هو الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر لاستمرار هذا الصراع وغياب الحلول السياسية العادلة.