|
|
|
| الكرمل : |
| بصفتك دبلوماسي مخضرم، شغلت منصبي سفير وقنصل في عدد من دول العالم. كيف تنظر اليوم إلى مكانة دولة إسرائيل في نظر العالم؟ |
| ألون ليئيل : |
| بصفتي دبلوماسيًا مخضرمًا، أستطيع القول إن مكانة إسرائيل في العالم كانت مستقرة قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول، رغم سنوات الاحتلال الطويلة. وكان السبب الأساسي في ذلك يعود إلى الرئيس دونالد ترامب واتفاقيات أبراهام. كنت مقتنعًا منذ سنوات طويلة بأن استمرار الاحتلال، ولا سيما بوصفه احتلالًا قاسيًا على أرض الواقع، سيؤدي إلى تدهور مكانة إسرائيل في العالم. لكن اتفاقيات أبراهام غيّرت الصورة، خصوصًا في الشرق الأوسط، وإن لم يقتصر تأثيرها عليه. فعندما رأت الدول الأوروبية أن الإمارات والبحرين والسعودية تتعاون مع إسرائيل، انعكس ذلك أيضًا على مستوى انتقاداتها لإسرائيل. لكن كل شيء تغيّر بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. صحيح أن إسرائيل حظيت خلال الشهرين أو الأشهر الثلاثة الأولى التي أعقبت الهجوم بتعاطف دولي، بسبب وحشية هجوم السابع من أكتوبر، لكن تحوّلًا كبيرًا طرأ عندما أدرك العالم حجم الرد الإسرائيلي، ولا سيما شدة الهجمات في قطاع غزة، وأعداد الضحايا، واتساع رقعة الحرب واستمرارها. واليوم، ونحن نقترب من مرور ثلاثة أعوام على السابع من أكتوبر، أصبحت مكانة إسرائيل في العالم الأسوأ في تاريخها، وذلك من جوانب عدة: في علاقاتها الثنائية مع مختلف الدول، وفي المنظمات الدولية، وأمام المحاكم الدولية، وكذلك في الرأي العام العالمي. بمعنى آخر، فإن السابع من أكتوبر، إلى جانب الكارثة الإنسانية والمادية التي تسبب بها، وجّه أيضًا ضربة قاسية جدًا إلى علاقات إسرائيل الخارجية ومكانتها الدولية. |
| الكرمل : |
| مرّت سنوات منذ صدور كتابك «وَخِتِّتُو»، «فيطبعون سيوفهم سككًا». ولا سيما بعد أحداث السابع من أكتوبر. هل ما زلت تؤمن بإمكان تحقيق المصالحة والتوصل إلى تسوية تاريخية وإحلال سلام حقيقي بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟ |
| ألون ليئيل : |
| أعتقد أنه من دون ذلك لن تستطيع دولة إسرائيل الاستمرار في الوجود، إلى هذه الدرجة. وبالتأكيد لن تتمكن من البقاء بالصورة التي عرفناها حتى اليوم، لا بوصفها دولة ديمقراطية ولا جزءًا من العالم الليبرالي الغربي. قد تقوم هنا دولة أخرى، لكنها لن تكون دولة إسرائيل التي وُلدت ونشأت فيها. ما نراه حاليًا هو أن السابع من أكتوبر أحدث صدمة وفوضى عميقتين داخل الجمهور اليهودي، وأثار مشاعر انتقام واسعة انعكست في ممارسات إسرائيل وفي ردود فعل العالم عليها. لذلك، لا أؤمن كثيرًا بأن مبادرة السلام ستنبثق من داخل إسرائيل، وبالتأكيد ليس من داخل الجمهور اليهودي في الظروف الراهنة. نرى اليوم مواقف الجمهور اليهودي، ولا أعتقد أنه قادر على إنتاج منظومة سياسية جديدة تقوده نحو السلام. لكن إسرائيل بحاجة إلى السلام، وأعتقد أن الضغوط الدولية ستدفع الحكومة الإسرائيلية المقبلة إلى التحرك في هذا الاتجاه. نرى منذ الآن أن العالم أجبر نتنياهو على القيام بأمور لم يكن يريدها، مثل وقف الحرب في غزة، ووقف الحرب في لبنان، ووقف الحرب مع إيران. صحيح أنه ارتكب أخطاء ولم ينجح في كل خطواته، كما وافق على إجراءات قد تكلّفه سياسيًا ثمنًا باهظًا، لكنه أوقف هذه الحروب في نهاية المطاف. كان لترامب دور أساسي في ذلك، لكن الأمر لا يتعلق به وحده؛ فضغوطه على إسرائيل تحظى بتأييد جزء كبير من المجتمع الدولي، بما في ذلك أوروبا والمنظمات والمؤسسات الدولية. لذلك، أعتقد أن العودة إلى غرفة المفاوضات ما زالت ممكنة. لقد كنت داخل تلك الغرفة خلال تسعينيات القرن الماضي، وأرى أن السيناريو المرجح هو أن تأتي جهة خارجية، وتُجلس الطرفين في غرفة واحدة، وتبقى حاضرة معهما لضمان استمرار الحوار. وما زلت أؤمن بأن هذا السيناريو يمكن أن يتحقق. |
| الكرمل : |
| هل يمكنك أن تحدثنا عن هذا الكتاب، وعن الرسالة التي أردت إيصالها من خلاله؟ |
| ألون ليئيل : |
| صدر الكتاب في نهاية المطاف ثمرةَ صداقة وثيقة وتعاون بيني وبين الصحافي الراحل يهودا ليتاني. بدأت الفكرة عام 2008، عندما لاحظنا أن دولًا ومجتمعات عاشت صراعات شديدة التعقيد نجحت في وقف العنف، بينما واصلنا نحن قتل بعضنا بعضًا. قلنا: لِنروِ للجمهور الإسرائيلي قصصًا نعرفها عن قرب وشاهدناها بأنفسنا؛ أنا في جنوب أفريقيا وقبرص، ويهودا في إيرلندا. أردنا أن يتعرف الجمهور الإسرائيلي، على الأقل، إلى إمكانات أخرى لإنهاء الصراع، تبدأ بإلقاء السلاح ووقف العنف. لم تكن فكرتنا إجراء مقابلات مع أساتذة جامعات أو محللين، أو الاعتماد على كتب أخرى؛ بل التوجه إلى الناشطين والمقاتلين الذين كرّسوا حياتهم للنضال من كلا الطرفين، ثم أدركوا، في مرحلة معينة، ضرورة التوصل إلى تسوية، وأن العنف لن يقود إلى أي نتيجة. |
| الكرمل : |
| ما هي الدول التي زرتموها في أثناء إعداد الكتاب؟ |
| ألون ليئيل : |
| لم نكتفِ بزيارة تلك الدول؛ فقد خدمت سنوات طويلة دبلوماسيًا في جنوب أفريقيا، ثم سفيرًا لإسرائيل فيها. كما خدمت في تركيا وكنت مسؤولًا عن السفارة في أنقرة بصفتي قائمًا بالأعمال، إذ لم تكن العلاقات آنذاك على مستوى السفراء. كذلك تابعت الملف القبرصي. أما يهودا ليتاني، رحمه الله، فكان من أبرز الخبراء الإسرائيليين في الشأن الإيرلندي. لذلك، توجهنا إلى مجتمعات وصراعات نعرفها من الداخل، وكانت الأبواب مفتوحة أمامنا، فالتقينا من أردنا مقابلتهم. وحرصنا دائمًا على الاستماع إلى ناشطين ومقاتلين من كلا الطرفين، لفهم ما الذي دفعهم إلى القتال طوال عقود، ومن أين استمدوا دوافعهم، ثم ما الذي جعلهم يقررون التوقف عن استخدام العنف. لم ننتهِ من هذا المشروع بعد. أعمل حاليًا على دراسة الحالة الكردية؛ فقد ألقى الأكراد السلاح، في تركيا وسوريا أيضًا. وهذا تطور دراماتيكي، لأن الصراع في تركيا، منذ عام 1984، أوقع نحو 45 ألف قتيل. وقد توصل الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، من داخل السجن، إلى قناعة بأن العنف استنفد نفسه، ودعا الشعب الكردي إلى إلقاء السلاح. لا أعرف كيف ستنتهي هذه العملية، وما زال الكتاب قيد التأليف، لكنني أفترض أنها ستنتهي باتفاق. وحتى الآن، مرّت فترة طويلة من دون عنف، ويبدو الوضع مستقرًا. ومن خلال المقابلات التي أجريها، أرى أن وقف العنف يفتح آفاقًا جديدة، وهذا أمر مثير للاهتمام. أما القضية الأرمنية، فهي مختلفة؛ فالإبادة الأرمنية وقعت قبل أكثر من مئة عام، عام 1915. وظهرت لاحقًا موجة قصيرة من العنف خلال ثمانينيات القرن الماضي، لكن النضال كان سياسيًا في جوهره، وتركز على الاعتراف بما حدث بوصفه إبادة جماعية. اليوم، لم تعد هذه القضية موضع خلاف دولي واسع كما كانت في السابق. وأرمينيا دولة صغيرة تجاور تركيا الكبيرة، وهي تسعى حاليًا إلى تحقيق مصالحة مع الأتراك. |
| الكرمل : |
| كيف تنظر إلى العلاقات المتوترة بين إسرائيل وتركيا؟ وهل تعتقد أن تركيا تسعى إلى تشكيل تحالف إقليمي ضد إسرائيل؟ |
| ألون ليئيل : |
| في الوقت الراهن، لا نرى أن تركيا تعمل على إقامة تحالف إقليمي ضد إسرائيل. أنا من الدبلوماسيين الإسرائيليين القلائل الذين يعرفون رجب طيب أردوغان ومسيرته السياسية عن قرب. كتبت كتابًا تناولت فيه تجربته السياسية وعلاقته بإسرائيل، كما التقيت به شخصيًا وتناولت العشاء معه. لذلك، أتابع مسيرته منذ دخوله الحياة السياسية، في وقت يطلق فيه كثيرون داخل إسرائيل أحكامًا قاسية عليه من دون معرفة حقيقية به. شهدت علاقة أردوغان بإسرائيل فترات من الصعود والهبوط. فهو سياسي عنيد ويتمسك بمبادئ أساسية، لكن موقفه من إسرائيل يتأثر بعاملين رئيسيين: كيفية تعاملها مع الفلسطينيين، ومكانتها ودورها في المنطقة. بين عامي 2006 و2008، شارك أردوغان في الوساطة بين إسرائيل وسوريا، أولًا عبر قنوات دبلوماسية غير رسمية، ثم في إطار رسمي، بناءً على طلب رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك إيهود أولمرت. ولم يكن أمرًا بسيطًا أن تطلب إسرائيل من أردوغان التوسط بينها وبين الرئيس السوري بشار الأسد. ثم شهدت العلاقات تحسنًا آخر بعد اتفاقيات أبراهام. فعندما أدرك أردوغان أن إسرائيل تعزز مكانتها الإقليمية، لم يرغب في البقاء خارج المشهد. دعا الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ إلى زيارة تركيا، كما زارها يائير لبيد. وقبل السابع من أكتوبر بنحو عشرة أيام، التقى أردوغان بنيامين نتنياهو على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، ودعاه إلى زيارة تركيا، فيما دعاه نتنياهو إلى زيارة إسرائيل. إذًا، لم تسر العلاقات في خط متواصل من التدهور، بل شهدت مراحل شديدة الانخفاض تخللتها فترات من التحسن. وصلت العلاقات اليوم إلى مستوى متدنٍ للغاية. أردوغان يدعم حركة حماس، ولم يكن هذا الدعم أمرًا جديدًا، لكنه كان ينظر دائمًا إلى الصورة الإقليمية الأوسع. فعندما كانت هناك عملية سلام، تحسنت العلاقات؛ وخلال سنوات أوسلو في تسعينيات القرن الماضي، كانت إسرائيل وتركيا في حالة تحالف وثيق. لطالما أرادت تركيا رؤية تقدم في حل الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني، وأردوغان يريد ذلك أيضًا. أما اليوم، فقد أصبح خصمًا قويًا لإسرائيل، وتوجد بين الطرفين مشكلات كثيرة وعميقة، خصوصًا منذ السابع من أكتوبر. أتفهم أسباب الغضب الإسرائيلي منه؛ فبعد سنوات من العلاقات الوثيقة بين البلدين، يشعر كثير من الإسرائيليين بأن أردوغان خان تلك العلاقة. لكنني أعتقد، كما قلت بشأن عملية السلام، أنه إذا عادت إسرائيل إلى مسار التسوية والحوار مع الفلسطينيين، فإن علاقاتها مع تركيا ستتحسن أيضًا. |
| الكرمل : |
| عندما تنتقد دولة أو منظمة أو جهة ما في العالم سياسات الحكومة الإسرائيلية، ولا سيما بسبب الاحتلال والحروب، تُتَّهم في إسرائيل بمعاداة السامية، وتتّبع بعض وسائل الإعلام هذا النهج أيضًا. برأيك، هل تعبّر هذه الانتقادات عن كراهية لليهود وإسرائيل، أم أنها في جوهرها معارضة لسياسات الحكومات الإسرائيلية؟ |
| ألون ليئيل : |
| يجب التمييز بين نوعين مختلفين تمامًا. هناك معاداة السامية الكلاسيكية، وهي كراهية الإنسان اليهودي لمجرد كونه يهوديًا، بدوافع دينية أو عرقية أو اجتماعية. وهذا النوع من معاداة السامية ما زال موجودًا، وغالبًا ما يظهر في أوساط اليمين المتطرف والمحافظ. لكن معاداة السامية الكلاسيكية فقدت خلال العقود الأخيرة شرعيتها على المستوى الرسمي؛ فلا تكاد توجد دولة، وخصوصًا في العالم الغربي، تبررها علنًا. كما يؤكد معظم القادة السياسيين رفضهم الواضح لها. في المقابل، برزت خلال السنوات الأخيرة انتقادات سياسية شديدة لإسرائيل، ولا سيما في الأوساط الليبرالية واليسارية. وهنا لجأت إسرائيل إلى خطوة متعمدة: بما أن وصف شخص بأنه «معادٍ للسامية» يجرّده من شرعيته، فقد جرى توسيع هذا الوصف ليشمل أيضًا من ينتقد سياسات الحكومة الإسرائيلية، بهدف إسكاتهم ونزع الشرعية عنهم. وهكذا أصبح الخطاب الإسرائيلي يضع في سلة واحدة النازيين الجدد والمعادين للسامية في اليمين الأوروبي، إلى جانب الأوساط الليبرالية في جامعات مثل كامبريدج التي تنتقد سياسات إسرائيل. وهذا خلط خاطئ وخطير، تعمل الحكومة الإسرائيلية على توسيعه وتعزيزه. أعتقد أن على الإسرائيلي الذي يريد النظر إلى الأمور بموضوعية أن يميز بوضوح بين معاداة السامية الكلاسيكية وبين انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية، وألّا يضعهما تحت عنوان واحد. فهذا الخلط يضر أيضًا باليهود في أنحاء العالم؛ لأنه إذا وُصف اليمين المتطرف واليسار الليبرالي معًا بأنهما معاديان للسامية، فإن الجاليات اليهودية ستجد نفسها في وضع بالغ الصعوبة، وهو ما نراه بالفعل. معاداة السامية الكلاسيكية مرفوضة تمامًا ولا شرعية لها، أما انتقاد السياسات الخاطئة للحكومة الإسرائيلية فهو مشروع وضروري. فإذا تبنت حكومة ما سياسة خاطئة ولم تتعرض للنقد، فستواصل السير بها حتى تصطدم بالجدار. هناك مثل يقول: «إذا أخبرك شخصان بأنك ثمل، فمن الأفضل أن تذهب إلى النوم». وعلى إسرائيل أن تصغي عندما تقول لها جهات كثيرة في العالم: راجعي نفسك وسياساتك. يكفي النظر إلى مكانة إسرائيل الدولية اليوم. فإذا لم تراجع الدولة نفسها، وإذا لم يُجرِ الجمهور الإسرائيلي مراجعة حقيقية لمواقفه وسياساته، فإننا نسير نحو الاصطدام بالجدار. |
| الكرمل : |
| ما موقف حزبكم، «كل مواطنيها»، من الانتخابات المقبلة؟ وكيف تنظرون إلى إمكان التعاون وتشكيل تحالفات سياسية؟ |
| ألون ليئيل : |
| أسّسنا حزب «كل مواطنيها» لأننا رأينا، طوال سنوات، أن الشارع اليهودي يفتقر إلى معارضة أيديولوجية حقيقية لسياسات الحكومة الإسرائيلية. وحتى عندما تكون هذه المعارضة موجودة داخل المجتمع العربي، يصعب عليها ترجمة مواقفها إلى تأثير سياسي فعلي، لأسباب عديدة، من بينها التمييز. اعتقدنا أن قيام حزب عربي–يهودي يشكل معارضة أيديولوجية حقيقية، لا تقتصر على قضايا الديمقراطية أو الفساد، بل تتصدى أيضًا للاحتلال، يمكن أن يكون له تأثير سياسي مهم. لكن حزب «كل مواطنيها» لم يتمكن من تحقيق الانطلاقة التي كنا نطمح إليها، ونحن اليوم على بُعد نحو أربعة أشهر من الانتخابات. في المقابل، تأسس حزب «لكلنا مكان»، الذي يتبنى إلى حد كبير المبادئ التي آمنا بها. قررت الغالبية العظمى من أعضاء «كل مواطنيها» دعم حزب «لكلنا مكان» في الانتخابات المقبلة. صحيح أننا لم نحسم القرار رسميًا بعد، لكن معظمنا يعمل بالفعل إلى جانبه، ونأمل أن يحقق نجاحًا في الانتخابات. نرى في حزب «لكلنا مكان» امتدادًا أيديولوجيًا لحزب «كل مواطنيها»، سواء في إيمانه بالشراكة العربية–اليهودية، أو في موقفه المناهض للاحتلال، أو في التزامه بالمساواة الجندرية والتمثيل المتناوب بين النساء والرجال، وهو مبدأ أساسي كان يتبناه حزبنا أيضًا. وبما أن هذا الحزب يحمل توجهًا أيديولوجيًا قريبًا من توجهنا، ويتمتع بطاقات وحضور أكبر مما توفر لحزب «كل مواطنيها»، فإننا سنتجه إلى دعمه في الانتخابات المقبلة. |
| الكرمل : |
| يبدو اليوم أن الشراكة العربية–اليهودية الحقيقية والمتكافئة تتجسد أساسًا في حزبين، هما «لكلنا مكان» و«كل مواطنيها». فهل يكفي ذلك لاختراق جدار الشك والكراهية والعداء القائم بين غالبية اليهود وغالبية العرب في الدولة؟ |
| ألون ليئيل : |
| كما ذكرنا، دفعت أحداث السابع من أكتوبر الجمهور اليهودي أكثر نحو اليمين، وزادت مشاعر الكراهية والرغبة في الانتقام. وقد انعكس ذلك أيضًا على التطورات السياسية التي نشهدها اليوم، ومن بينها ظهور حزب «لكلنا مكان». «لكلنا مكان» حزب عربي–يهودي حقيقي، وليس حزبًا يهوديًا فقط أو عربيًا فقط. وأعتقد أن هذا النموذج يمثل أمرًا جديدًا بالنسبة إلى المجتمع العربي، ويختلف كثيرًا عن الأحزاب العربية القائمة، سواء في مفهومه للشراكة، أو في نضاله ضد الاحتلال، أو حضوره في الميدان، أو طاقاته الشابة، أو التمثيل الجندري، أو طابعه الليبرالي. يمكن لهذا الحزب أن يجذب قسمًا من الجمهور العربي الذي يجد صعوبة في التصويت للأحزاب العربية التقليدية، إلى جانب يهود خاب أملهم في الأحزاب الصهيونية بعد تخليها عن النضال ضد الاحتلال وعن طريق السلام. لا يزال داخل حزب «الديمقراطيين» بعض الأشخاص الذين يتمسكون بهذه المواقف، لكنهم قلة، كما أُبعد عدد من أبرز المناهضين للاحتلال عن المواقع المتقدمة في قائمته، ومن بينهم موسي راز وآخرون. اليهود الذين يدركون أن إسرائيل بحاجة إلى تغيير جذري، وليس مجرد تعديل محدود، حتى تتجنب الاصطدام بالجدار، يمكنهم التصويت لحزب «لكلنا مكان». |
| الكرمل : |
| جرت في السابق محاولة لتشكيل تعاون بين ثلاثة أحزاب، هي «كل مواطنيها» و«معًا ننجح» و«الحزب القومي العربي». أين تقف هذه المساعي اليوم، وما مستقبل التعاون بين هذه الأحزاب؟ |
| ألون ليئيل : |
| كنتُ في الواقع مَن عمل على جمع الأحزاب الثلاثة: «كل مواطنيها» و«معًا ننجح» و«الحزب القومي العربي». وقد تعاونت هذه الأحزاب بهدوء وبعيدًا عن الأضواء حتى ما قبل نحو شهرين. لكن تأسيس حزب «لكلنا مكان» وقراره خوض الانتخابات أدّيا إلى ظهور تباينات في المواقف بينها. فقد رحّب حزب «كل مواطنيها» بخوض «لكلنا مكان» الانتخابات، واتخذ حزب «معًا ننجح» موقفًا مماثلًا، بينما لم يؤيد «الحزب القومي العربي» هذه الخطوة. اليوم، تتفق الأحزاب الثلاثة «كل مواطنيها» و«معًا ننجح» و«الحزب القومي العربي» على دعم حزب «لكلنا مكان» والتعاون معه. أعتقد أن أمامنا فرصة لتحقيق نجاح كبير. لكن قد يواجه الحزب صعوبة في تجاوز نسبة الحسم بمفرده، ولذلك سيحتاج إلى إقامة تحالفات وضم شخصيات سياسية وعامة بارزة. وآمل أن نتمكن من رؤية قوة سياسية تمثل «لكلنا مكان» داخل الكنيست المقبل. |
| الكرمل : |
| كيف تنظر إلى مستقبل اليسار الإسرائيلي، بعدما اندمج حزب العمل مع «ميرتس»، ثم تبنّى لاحقًا، وفقًا لمنتقديه، نهجًا سياسيًا أقرب إلى أحزاب الوسط؟ |
| ألون ليئيل : |
| أعتقد أن اليسار اليهودي لم يعد موجودًا فعليًا في إسرائيل، رغم وجود شخصيات داخل حزب «الديمقراطيين»، مثل نَعَمه لازيمي وجلعاد كاريف، قد تعرّف نفسها بأنها يسارية. حزب «الديمقراطيين» لا يقدّم نفسه حزبًا يساريًا، بل حزب وسط، كما أن يائير غولان يرى نفسه أقرب إلى الوسط أو إلى وسط اليسار. عمليًا، لم يعد هناك يسار حقيقي داخل الأحزاب الصهيونية. هذا أحد الأسباب التي تمنعني من تأييد هذه الأحزاب. فالدافع الأساسي لنشاطي السياسي ليس الدفاع عن الديمقراطية فقط، رغم أهميته الكبيرة، ولا مجرد مكافحة الفساد؛ بل النضال ضد الاحتلال. أؤمن بأنه ما دام الاحتلال قائمًا، فسيستمر الفساد ولن تكون هناك ديمقراطية حقيقية. لذلك، تبقى مواجهة الاحتلال هي المعركة الأساسية بالنسبة إليّ. لا يوجد اليوم حزب صهيوني يضع في مقدمة برنامجه إنهاء الاحتلال، ومواجهة الاستيطان ووقف توسعه، والعمل على تطبيق حل الدولتين وتحقيق السلام. ولهذا لا أستطيع أن أرى في هذه الأحزاب إطارًا سياسيًا يمثلني. التحدي الأكبر أمامنا هو منح المجتمع العربي القوة والثقة اللازمتين لقيادة معارضة أيديولوجية حقيقية. فلا توجد في السياسة الإسرائيلية اليوم معارضة فكرية لنهج نتنياهو في قضية الاحتلال. يائير لبيد لا يتحدث ضده، وكذلك نفتالي بينيت وغادي آيزنكوت، وحتى يائير غولان لا يضع هذه القضية في صدارة خطابه. كما أظهرت الانتخابات التمهيدية في حزب «الديمقراطيين» أن شخصيات وسطية، مثل يائير «يايا» فينك وعمري رونين، حصلت على أصوات كثيرة مقارنة بالشخصيات المعروفة بمناهضتها للاحتلال. وهذا يؤكد غياب حزب يهودي يرفع راية إنهاء الاحتلال أو حتى راية السلام؛ فكلمة «السلام» نفسها أصبحت غير مرغوب فيها في الحملات الانتخابية للأحزاب اليهودية. تتمثل فكرة حزب «لكلنا مكان» في تمكين المجتمع العربي من التعبير سياسيًا عن هذا الموقف، ومنحه الثقة اللازمة لتنظيم صفوفه وقيادة معارضة أيديولوجية. فالمجتمع العربي هو، بلا شك، المعارضة الفكرية الحقيقية للاحتلال، ويؤمن بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، لكنه لا يمتلك دائمًا الثقة أو الجرأة الكافيتين لتحويل ذلك إلى قوة سياسية مؤثرة. إن انضمام شخصيات وناشطين يهود إلى هذا النضال يمكن أن يمنح المجتمع العربي دعمًا وثقة أكبر، ويؤهله لقيادة المعارضة الأيديولوجية داخل السياسة الإسرائيلية. قد يبدو ذلك صعبًا، لأن معظم الجمهور اليهودي يتحرك أكثر نحو اليمين، لكن لا خيار آخر؛ فعندما تغيب المعارضة السياسية لنهج خاطئ وخطير، يصبح من الضروري بناؤها من جديد حول رؤية فكرية واضحة. قرأت أخيرًا مقالات تحدثت عن إمكان قيام تحالف بين ثلاث قوى: معارضي الاحتلال داخل إسرائيل، والمجتمع الدولي، واليهود في أنحاء العالم الذين يرفضون الاحتلال. ويمكن لهذا المثلث أن يشكل قوة موازنة في مواجهة النزعة القومية–المسيحانية المتطرفة التي تزداد انتشارًا داخل المجتمع اليهودي في إسرائيل. |
| الكرمل : |
| ما رأيك في الطرح الشائع لدى بعض المثقفين والمفكرين في اليسار الإسرائيلي، والقائل بضرورة التصويت في الانتخابات المقبلة لحزب «الديمقراطيين» بدلًا من «القائمة المشتركة»، سواء بسبب الخلافات داخل «المشتركة»، أو رغبةً في تعزيز كتلة قادرة على استبدال حكم نتنياهو من دون الاعتماد على أحزاب اليمين، حتى وإن ظهرت اليوم بأثواب سياسية مختلفة؟ |
| ألون ليئيل : |
| أنا لست شخصًا يجهل نتنياهو؛ فقد عرفته في الماضي عن قرب. عندما كنت متحدثًا باسم وزارة الخارجية، كنا نلتقي صباحًا بصورة شبه يومية ونتناول القهوة، ثم نخطط للتحركات الدبلوماسية لذلك اليوم. كان يمتلك خبرة واسعة، ولا سيما في الشأن الأميركي، وتعلمنا منه الكثير. لكنني لا أعتقد أن إسقاط نتنياهو من الحكم يكفي، إذا استُبدلت حكومته بائتلاف آخر يواصل النهج السياسي ذاته. قد نخسر نتنياهو في الانتخابات، لكن إذا لم تتغير الخريطة السياسية والسياسات المتبعة، فلن نكون قد حققنا شيئًا. رأينا ذلك في حكومة بينيت–لبيد. من السهل على العالم معارضة نتنياهو وسموتريتش وبن غفير بسبب مواقفهم المتطرفة. لكن الخطر هو أن تأتي حكومة أخرى تواصل السياسات نفسها، وتحصل في البداية على ثقة دولية لأنها تبدو أكثر اعتدالًا. عندئذ قد يستمر المسار ذاته تحت واجهة سياسية مختلفة. لا نحتاج إلى تغيير محدود لا يتجاوز عشرة في المئة؛ لأن انحرافًا بسيطًا عن المسار الحالي لن يمنع الاصطدام بالجدار. نحن بحاجة إلى تغيير أعمق بكثير. لذلك، ما يهمني ليس تبديل الحاكم أو الائتلاف فحسب، بل تغيير السياسة نفسها. يقول البعض: «لنُسقط نتنياهو أولًا، ثم نعالج بقية القضايا». لكن ذلك غير كافٍ؛ فالضرر الذي أحدثته حكومته عميق جدًا. يجب أن نثبت للعالم أننا نبني إسرائيل مختلفة. أما إذا بقيت إسرائيل نفسها مع رئيس حكومة آخر، فلن تتعافى، وستواصل ارتكاب الأخطاء ذاتها، إلى أن نجد أنفسنا في دولة واحدة تحكمها منظومة فصل عنصري مكتملة. أنا لا أكتفي بمجرد استبدال الحكومة، بل أعتقد أن التغيير الحقيقي يتطلب العمل على ثلاثة محاور أساسية. أولًا، لا يمكن أن يأتي التغيير إلا من خلال اندماج أوسع وأكثر تأثيرًا للمجتمع العربي في السياسة الإسرائيلية، على أن تنضم إليه القوى اليهودية اليسارية التي ما زالت موجودة، فتمنحه مزيدًا من الشرعية والقوة والتأثير. ثانيًا، يجب إيصال رسالة واضحة إلى العالم مفادها أن هناك إسرائيليين يعارضون السياسات التي تنتهجها الحكومة حاليًا. من المهم أن يدرك المجتمع الدولي أن هذه المواقف لا تمثل جميع الإسرائيليين. كما ينبغي أن نقول للعالم بصراحة: نحن مواطنو هذه الدولة، لكننا لا نستطيع إحداث التغيير بمفردنا ونحتاج إلى دعمكم. المطلوب إذًا هو بناء يسار أيديولوجي عربي–يهودي جديد، أكثر شجاعة وتصميمًا وصدقًا، وعدم التردد في عرض هذا البديل أمام المجتمع الدولي. أما المحور الثالث، فهو يهود العالم. لقد أخفقت إسرائيل في إقناع قطاعات واسعة من اليهود في العالم بأنها تسير في الاتجاه الصحيح. ولديّ هنا رؤية خاصة اكتسبتها من خدمتي مرتين في الولايات المتحدة، ومن بينها عملي قنصلًا في أتلانتا، ومشاركتي في المواجهات السياسية بين الحكومات الإسرائيلية والإدارات الأميركية خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. في ثمانينيات القرن الماضي، خضنا مواجهة مع الإدارة الأميركية بشأن بيع طائرات الإنذار المبكر «أواكس» للسعودية، ثم جاءت في التسعينيات قضية ضمانات القروض الأميركية لإسرائيل. في تلك الفترات، كنا نجري اتصالات بالزعماء اليهود وأعضاء مجلس الشيوخ والحاخامات وأعضاء الكونغرس، وكانوا يقفون جميعًا إلى جانب إسرائيل. بل إننا أرسلنا، وأنا أشعر اليوم بالحرج من قول ذلك، مؤيدين يهودًا إلى الكونغرس للاحتجاج على سياسات الحكومة الأميركية. لكن تلك المرحلة انتهت. كان الاعتقاد السائد حتى ما قبل عشرة أو عشرين عامًا أن يهود العالم لا يملكون الحق في انتقاد إسرائيل؛ لأن الإسرائيليين يرسلون أبناءهم إلى الجيش ويتحملون المخاطر، بينما يعيش اليهود الأميركيون بأمان في نيويورك. هذا التصور لم يعد قائمًا. بدأ عدد متزايد من اليهود، منذ نحو 15 عامًا، يقول لإسرائيل بوضوح: أنتم تسيرون في الطريق الخطأ، ومن حقنا أن ننتقدكم وأن نتوقف عن دعم هذه السياسات. يبلغ عدد اليهود في العالم نحو 15 مليونًا، يعيش قرابة سبعة ملايين منهم في إسرائيل، بينما يعيش معظم الآخرين خارجها، ولا سيما في الولايات المتحدة. وأعتقد أن هناك اليوم ما لا يقل عن مليون ونصف مليون، وربما مليوني يهودي أميركي، يعارضون السياسات الإسرائيلية الحالية. وأرى في ذلك فرصة كبيرة لإسرائيل، لا تهديدًا لها. إذا فشل حل الدولتين وأصبحت إسرائيل دولة واحدة تفرض سيطرتها على الشعب الفلسطيني، فقد ينقسم العالم اليهودي فعليًا إلى كيانين: إسرائيل قومية ودينية ومتشددة من جهة، ومجتمعات يهودية ليبرالية وتعددية خارجها من جهة أخرى. وسيكون لذلك أثر عميق في المشروع الصهيوني نفسه. فالصهيونية قامت على حلم جمع اليهود في إسرائيل؛ لكن إذا أصبحت إسرائيل سببًا في ابتعاد اليهود عنها أو مغادرتهم لها، فإن الفكرة الصهيونية بأكملها ستتعرض للاهتزاز. نتنياهو بارع في تسويق سياساته القومية والمسيحانية، وفي توطيد تحالفه مع القوى الدينية. والخطر أن يأتي من بعده مَن يواصل النهج ذاته، ولكن بلغة أقل فجاجة وعنصرية، فينجح في تسويقه بصورة أفضل ويحصل على تأييد أوسع. ولهذا، لا يكفي تغيير الشخص؛ بل يجب تغيير السياسة والاتجاه برمتهما. |
| الكرمل : |
| ما الرسالة التي تودّ توجيهها إلى أنصار اليسار الإسرائيلي، من اليهود والعرب، الذين يترددون اليوم في اختيار المسار السياسي الذي ينبغي لهم اتباعه؟ |
| ألون ليئيل : |
| رسالتي هي أن الهدف لا ينبغي أن يقتصر على إسقاط الحكومة أو استبدال نتنياهو وإعادة النظام الديمقراطي. فإذا جاء، على سبيل المثال، نفتالي بينيت وواصل السياسات ذاتها، فلن نكون قد حققنا التغيير المطلوب. أعتقد أن على كل ناخب، يهوديًا كان أم عربيًا، أن يسأل نفسه قبل التصويت: هل نواصل الاندفاع نحو الاصطدام بالجدار، أم نختار قوة سياسية قادرة على تغيير الاتجاه؟ يجب أن يكون المعيار الأساسي هو مدى قدرة الحزب على إحداث تغيير كبير وجوهري في السياسات، بما يقود إلى وقف الحروب وإنهاء الاحتلال وفتح الطريق أمام السلام. ينبغي أن نختار وفق المواقف والبرامج السياسية، لا وفق أسماء الأشخاص أو الاعتبارات الشخصية. شكرًا جزيلًا لكم. |