التقينا بالمحامية حنان الصانع في مكتبها بمدينة تل أبيب، وأجرينا معها حوارًا تناول أبرز القضايا
أبرز النقاط في مقابلة المحامية حنان الصانع:
• التكامل بين عملها محاميةً لحقوق الإنسان ونشاطها المجتمعي، ودورها في إيصال أصوات المواطنين إلى القضاء ومؤسسات الدولة وصنّاع القرار.
• ضرورة ملاءمة القوانين والسياسات مع واقع المجتمع العربي، ولا سيما في قضايا السكن، والتأمين الوطني، والمساعدات الاجتماعية.
• نشاط جمعية «إيتاخ–معكِ» في تمكين النساء، وبناء القيادات النسائية، وإدماج المنظور الجندري في خطط السلطات المحلية وميزانياتها.
• تأثير تقليص الميزانيات الحكومية في الجمعيات النسائية والسلطات المحلية، وارتفاع عدد النساء المتضررات واللواتي يحتجن إلى مساعدة قانونية.
• أهمية مشاركة النساء في مفاوضات السلام وصنع القرارات الأمنية، وطرح مفهوم شامل للأمن يتضمن الأمن الاجتماعي والاقتصادي والنفسي والغذائي.
• ضعف تمثيل النساء العربيات، وخصوصًا البدويات، في السلطات المحلية والأحزاب ومواقع صنع القرار، رغم نجاحهن في التعليم والعمل ومختلف المجالات المهنية.
• دعوتها إلى اعتماد تمثيل متساوٍ بنسبة 50:50 في القوائم الانتخابية، وترتيبها بالتناوب بين امرأة ورجل.
• تأكيدها أنها لا تعلن دعم حزب بعينه بسبب عملها مع نساء من مختلف الأحزاب، وأن معاييرها السياسية الأساسية هي المساواة، والديمقراطية، والتمثيل النسائي، والشراكة العربية–اليهودية.
• دعوتها إلى شراكة سياسية حقيقية بين العرب واليهود، تتجاوز المشاريع الاجتماعية المؤقتة وتنعكس في الحكومة والقوانين والسياسات ومراكز صنع القرار.
• وجود قضايا مشتركة تجمع النساء العربيات واليهوديات، وفي مقدمتها مواجهة الإقصاء والهيمنة الذكورية وضعف التمثيل السياسي، رغم اختلاف احتياجات كل مجتمع.
• التعامل مع تعدد الزوجات من منظور حقوق المرأة والأطفال، ومعالجة أسبابه الاقتصادية والاجتماعية، مثل الفقر والبطالة وأزمة السكن وغياب الاستقلال الاقتصادي للمرأة.
• ضرورة مواجهة جرائم الثأر والقتل بذريعة «شرف العائلة» اجتماعيًا وتربويًا، إلى جانب الدور القانوني والأمني، مع تحميل الأسرة والمدرسة والمؤسسات ورجال الدين مسؤولية مكافحة ثقافة العنف.
• رفض الفصل بين الطلاب والطالبات في المؤسسات الأكاديمية، باعتباره مساسًا بالمساواة وتكريسًا للهيمنة الذكورية، مع تأكيد ضرورة الفصل بين الدين والدولة.
• المطالبة بتشريع واضح يمنع التمييز ضد الأشخاص ذوي الإعاقة في العمل والخدمات، ويُلزم الجهات المخالفة بالتعويض والمساءلة القانونية.
• دعوتها في ختام اللقاء إلى تغيير الحكومة الحالية، وتنظيم العمل السياسي المشترك، وضمان مشاركة المجتمع العربي في الحكومة المقبلة، ومنع الأحزاب المتطرفة من العودة إلى الحكم.
الكرمل :
أنتِ تجمعين بين العمل الحقوقي والنشاط المجتمعي. أين ينتهي دور المحامية، وأين يبدأ دور الناشطة؟
حنان الصانع :
بصفتي محامية متخصصة في حقوق الإنسان، يتركز عملي على تغيير السياسات والتأثير في عملية صنع القرار، إلى جانب العمل على ملاءمة قوانين الدولة وسياساتها مع احتياجات مجتمعنا وظروف حياة المواطنين والمواطنات.
في البداية، حاولت الفصل بين عملي المهني كمحامية وبين نشاطي المجتمعي، لكنني أدركت أن ذلك صعب للغاية؛ فالمسار الذي اخترته في المحاماة يقوم أساسًا على إيصال أصوات المواطنين والمواطنات إلى صنّاع القرار، وتمثيلهم أمام القضاء ومؤسسات الدولة. لذلك، يتكامل العمل القانوني مع العمل الاجتماعي ولا يمكن الفصل بينهما بسهولة، لأن كليهما يهدف إلى تعزيز مكانة الإنسان والمجتمع والدفاع عن الحقوق.
نحن في جمعية «إيتاخ–معكِ» نعمل بصورة أساسية على تغيير السياسات، ومن الأمثلة على ذلك عملنا في قضايا السكن والمساعدات التي تقدمها مؤسسة التأمين الوطني أو شركة «عميدار». فقد كانت هناك شروط تحرم المرأة من الحصول على مساعدة في إيجار المسكن إذا لم تقدّم عقد إيجار، أو إذا كان العقد موقّعًا مع أحد أقاربها.
هذا الشرط قد يبدو عاديًا، لكنه لا يراعي طبيعة المجتمع العربي، وخصوصًا المجتمع البدوي، الذي يقوم في كثير من البلدات والأحياء على الروابط العائلية والعشائرية. فقد تضطر المرأة إلى استئجار منزل من شقيقها أو قريبها أو أحد أبناء عشيرتها، لا سيما في ظل العادات والتقاليد التي قد تجعل انتقالها إلى حي بعيد أو بلدة أخرى أمرًا صعبًا. ومع ذلك، كانت المؤسسة تتعامل مع مثل هذا العقد بعين الشك، وتطالب المرأة العربية بإثباتات إضافية لا تُطلب بالقدر نفسه من المرأة اليهودية.
توجّهنا إلى الجهات المختصة وطالبنا بتعديل هذا الشرط وملاءمته مع واقع النساء العربيات. وعندما لا تستجيب المؤسسة أو تقدم جوابًا سلبيًا، نلجأ إلى القضاء لإثبات أن هذا الإجراء ينطوي على تمييز وانتهاك لحقوق المواطنين العرب. وقد جرى بالفعل تعديل هذا الشرط وملاءمته بصورة أفضل مع احتياجات النساء.
لكن أزمة السكن في المجتمع العربي ما زالت كبيرة. فقوانين وسياسات الإسكان قد تكون جيدة نظريًا، لكنها صيغت في الأساس وفق احتياجات المجتمع اليهودي ونمط حياته، ولا تتلاءم بالقدر الكافي مع واقع المجتمع العربي. كثير من البلدات العربية تعاني غياب التخطيط، كما أن سوق الإيجارات فيها محدود أو غير متوافر، بخلاف البلدات اليهودية.
من هنا يتمثل دوري، بصفتي محامية لحقوق الإنسان، في العمل على تغيير السياسات وجعل القوانين أكثر عدلًا وملاءمة لواقع المواطنين العرب، سواء من خلال التوجه المباشر إلى مؤسسات الدولة أو بواسطة القضاء. وهذا يوضح أن دوري كمحامية ونشاطي المجتمعي يسيران معًا ويكمل أحدهما الآخر.
الكرمل :
في ظل تقليص الميزانيات المخصصة للمجتمع المدني، كيف تحافظون على استقلالية الجمعية واستمرار تأثيرها؟
حنان الصانع :
جمعية «إيتاخ–معكِ: حقوقيات من أجل العدالة الاجتماعية»، كما يدل اسمها بالعربية والعبرية، تعمل على إسماع أصوات النساء ونقل احتياجاتهن إلى صنّاع القرار. كما تعمل على تمكين النساء وتدريبهن وبناء قيادات نسائية، بما يؤهلهن للمشاركة الفعلية في مواقع صنع القرار.
يتركز عملنا في ثلاثة مجالات أساسية: العمل مع السلطات المحلية، والدفاع عن حقوق النساء البدويات في النقب، وتعزيز مشاركة النساء في قضايا الأمن والسلام.
في مجال الأمن والسلام، نعمل على إعداد كوادر نسائية مؤهلة للمشاركة في المفاوضات والمسارات الدبلوماسية. كثيرًا ما نسمع الادعاء بأنه لا توجد نساء يمتلكن الخبرة اللازمة للمشاركة في القرارات المتعلقة بالأمن والسلام، ولذلك نعمل على تدريب النساء وتأهيلهن لإثبات عكس ذلك.
نحن ندرك أن كثيرًا من القرارات والسياسات التي تتخذها الدولة تجاهنا، بصفتنا أقلية، ترتبط تاريخيًا بالصراع الإسرائيلي–الفلسطيني. ومن أجل تحقيق الأمن الحقيقي داخل مجتمعنا، لا بد من إحلال السلام في المنطقة والتوصل إلى حل عادل للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
منذ السابع من أكتوبر، أشارك شخصيًا ضمن طاقم إسرائيلي في مسار مفاوضات غير رسمي، بالتوازي مع طاقم فلسطيني. نلتقي بصورة دورية، مرة كل شهر تقريبًا، لبحث البرامج والتصورات المطروحة. وهذه اجتماعات مغلقة وسرية، لذلك تُترك الهواتف خارج قاعة الاجتماع.
نطرح في هذه اللقاءات مفهومًا مختلفًا وشاملًا للأمن.
فالأمن بالنسبة إلينا لا يقتصر على القوة العسكرية والدبابات؛ بل يشمل الأمن الاجتماعي والاقتصادي والنفسي والغذائي،
وأن يمتلك الإنسان بيتًا آمنًا وطعامًا على مائدته. مهمتنا هي نقل احتياجات النساء وهذه المفاهيم إلى طاولة المفاوضات.
أما المجال الآخر، فهو العمل مع السلطات المحلية ومستشارات النهوض بمكانة المرأة، بهدف إدماج احتياجات النساء في الخطط والميزانيات المحلية. فعندما تضع السلطة المحلية برامج للصحة أو التربية والتعليم أو الرفاه الاجتماعي،
غالبًا ما تُبنى هذه البرامج وفق احتياجات الأطفال والشباب والرجال، من دون مراعاة كافية لاحتياجات النساء.
لذلك، نعمل على إدخال منظور جندري إلى عملية التخطيط وصنع القرار، حتى تصبح سياسات السلطات المحلية وخدماتها أكثر عدلًا واستجابة لاحتياجات النساء في البلدات العربية.
تشمل هذه البرامج أيضًا حياة النساء واحتياجاتهن ورؤيتهن للخدمات الصحية. لذلك، تتمثل مهمتنا في إدخال المنظور الجندري والفكر النسوي إلى برامج السلطات المحلية، بالتعاون مع مستشارات النهوض بمكانة المرأة في المجالس والبلديات.
بطبيعة الحال، تؤثر تقليصات الميزانيات مباشرة في عمل المستشارات وفي النساء اللواتي نتعامل معهن داخل السلطات المحلية، كما تؤثر فينا بوصفنا مؤسسة نسائية. وفي ظل الحكومة الحالية، نواجه صعوبات مادية كبيرة، إذ أصبح تجنيد الموارد ومصادر التمويل أكثر تعقيدًا،
خصوصًا مع استمرار خفض الميزانيات. وتعتمد الجمعية في معظم تمويلها على مصادر خارجية.
لم يقتصر تأثير التقليصات علينا، بل أدى أيضًا إلى ارتفاع كبير في عدد التوجهات التي نتلقاها. لدينا خط طوارئ يقدم المساعدة في قضايا التأمين الوطني والسكن وحقوق العمل.
وقد وصلتنا، على سبيل المثال، قضية فصل أكثر من 35 امرأة من النقب كنّ يعملن في مجال رعاية الأطفال داخل عدد من الكيبوتسات، وذلك عقب تقليص الميزانيات وإلغاء برامج حكومية.
تلجأ هؤلاء النساء إلينا لتمثيلهن أمام الوزارات والمؤسسات الرسمية والقضاء. لذلك،
ازداد الضغط على طواقمنا، بالتزامن مع اتساع دائرة النساء المتضررات من القرارات الحكومية، سواء من فقدن وظائفهن أو من يحتجن إلى خدمات السلطات المحلية.
نحن لا ننظر إلى الدفاع عن حقوق المرأة باعتباره قضية تخص النساء وحدهن؛ فالمرأة ليست نصف المجتمع فحسب، بل تؤدي دورًا أساسيًا في تنشئة النصف الآخر ودعمه. عندما يشعر الشاب بالتعب أو الضيق، فإلى مَن يلجأ غالبًا؟ إلى والدته، لأنها الأقرب إلى مشاعره والأقدر على احتوائه.
لذلك، يجب أن تتمتع الأم بالقوة النفسية والمعنوية وبالأدوات التي تمكّنها من احتضان أبنائها وبناتها وحمايتهم، قبل أن تحتضنهم الشوارع أو تستغلهم جهات قد تلحق الضرر بهم.
عندما أدافع عن حقوق النساء، فأنا في الحقيقة أدافع عن حقوق مجتمعي كله من خلال المرأة. فالاستثمار في المرأة هو استثمار في الأسرة، وفي الأجيال المقبلة، وفي بناء مجتمع أكثر قوة وتماسكًا.
الكرمل :
انت شخصياً، أين أنت من المعركة الانتخابية؟ هل تدعمين حزباً معيناً؟
حنان الصانع :
منذ عام 2013، أعمل على رفع نسبة التصويت بين النساء العربيات، وعلى دمج النساء والصبايا الناشطات في العمل السياسي وداخل الأحزاب. لذلك، أفضل ألّا أعلن رسميًا أو علنًا تأييدي لحزب بعينه، لأن طبيعة عملي تتطلب أن أحافظ على علاقة مهنية مع مختلف الأحزاب، وأن تشعر كل امرأة أرافقها بأنني أدعمها بصرف النظر عن انتمائها الحزبي.
عملت مع نساء اخترن أحزابًا لا تمثل بالضرورة أفكاري ومبادئي الشخصية، ومع ذلك دعمتهن وساعدتهن على الاندماج داخل أحزابهن، وما زلت أرافق بعضهن حتى اليوم. رسالتي لهن هي: أنا هنا من أجل تعزيز صوت المرأة وحضورها السياسي، لا لفرض انتماء حزبي معين عليها.
أما على المستوى الشخصي، فقد منحت صوتي لفترة طويلة للجبهة، لأنها كانت تمثل المبادئ التي أؤمن بها: المساواة، والتمثيل النسائي، والديمقراطية، والشراكة العربية–اليهودية. هذه المبادئ الأربعة أساسية بالنسبة إليّ، وإذا لم تتوافر في أي حزب، فلن أصوّت له.
لكنني اتخذت موقفًا من الجبهة بسبب تراجع تمثيل النساء فيها؛ فتمثيل النساء بالنسبة إليّ خط أحمر، وغيابه يعني السير في اتجاه يناقض المساواة ويكرّس الإقصاء. كما أن الشراكة العربية–اليهودية داخل الجبهة لم تعد، برأيي، بالمستوى الذي كانت عليه سابقًا.
مع ذلك، أواصل دعم النساء الناشطات في مختلف الأحزاب ومرافقتهن، من خلال التدريب والإرشاد الشخصي، ومساعدتهن على التأثير في آليات العمل داخل أحزابهن. أما النساء القريبات مني سياسيًا، فيعرفن بطبيعة الحال أي الأحزاب يمثّل أفكاري ومبادئي بصورة أكبر.
لهذا السبب، انضممت أيضًا إلى مبادرة «50:50» لتعزيز التمثيل المتساوي للنساء والرجال في السياسة. نحن نملك خبرة طويلة في قراءة الخريطة السياسية داخل المجتمع العربي، وقد لاحظنا مبكرًا أن المؤشرات تتجه نحو غياب النساء عن المراكز العشرة الأولى في القوائم العربية، رغم الحروب وتصاعد الجريمة والعنف والقتل، وهي قضايا تتحمل النساء جانبًا كبيرًا من تداعياتها.
اجتمعت مجموعة من النساء، بمشاركة رجلين أيضًا،
وقررنا توجيه رسائل إلى الأحزاب العربية للتعبير عن استيائنا وقلقنا. وطالبنا بضمان تمثيل حقيقي للنساء في المواقع المتقدمة. وقد أخذ أحد الأحزاب مطلبنا بجدية ووضع امرأة في المرتبة الثالثة، وتعهد بالعمل على تعزيز التمثيل النسائي.
لذلك، لا أستطيع أن أعلن دعمي المطلق لحزب واحد، لأنني أعمل على دعم النساء والشباب والصبايا في الأحزاب العربية واليهودية. قد أكتب يومًا دعمًا لنساء في التجمع، وفي يوم آخر لنساء في حزب الديمقراطيين أو الجبهة، وأتمنى أن نشهد فيها تغييرًا إيجابيًا. كما دعمت الصورة النسائية الجميلة في حزب «لكلنا مكان».
موقفي واضح: أدعم كل خطوة تفتح المجال أمام النساء والشابات والشبان، وتمنحهم مكانًا حقيقيًا ومؤثرًا داخل الأحزاب ومراكز صنع القرار.
الكرمل :
ألم يحن الوقت للحركة النسوية أن تدخل الكنيست للمبادرة ولدعم القوانين المتعلقة بالمساواة وبحقوق المرأة ، لأن الأحزاب الليبرالية الموجودة تتكلم فقط ولا تقوم بهذا الواجب؟
حنان الصانع :
للأسف، أثبتت الانتخابات التمهيدية الأخيرة، في الأحزاب العربية واليهودية على حد سواء، أن المنظومة الحزبية ما زالت في معظمها قائمة على أسس ذكورية، ولا توفر للنساء فرصًا حقيقية أو متكافئة للوصول إلى المواقع المتقدمة في القوائم الانتخابية.
قد تقول الأحزاب إن الانتخابات التمهيدية كانت ديمقراطية، وإن النساء تمكّنّ من الترشح والتصويت، لكن هذا التفسير يتجاهل الفجوات القائمة منذ البداية. يجب أن نسأل: كم عدد النساء المنتسبات إلى الحزب مقارنة بالرجال؟ وما حجم الموارد والشبكات والعلاقات المتاحة للنساء مقارنة بتلك التي يمتلكها المرشحون الرجال؟ لا يمكن الحديث عن منافسة ديمقراطية عادلة عندما ينطلق الطرفان من ظروف غير متكافئة.
النموذج الصحيح، في رأيي، هو أن يتحمل الحزب نفسه مسؤولية بناء منظومة تضمن تكافؤ الفرص، مثل اعتماد تمثيل متساوٍ بنسبة 50:50، وترتيب القوائم بالتناوب: امرأة، رجل، امرأة، رجل، مع ضمان تمثيل الفئات والمجموعات التي تعاني الإقصاء.
أما بشأن إقامة حركة نسوية سياسية مستقلة، فأنا أؤمن بحقوق النساء وتمثيلهن، لكنني لا أعتقد أننا نستطيع إحداث التغيير من دون الرجال. الحركة التي أؤمن بها تقوم على شراكتين أساسيتين: شراكة النساء والرجال، والشراكة العربية–اليهودية.
هدفنا هو تعزيز التمثيل النسائي في جميع الأحزاب، لا في الأحزاب العربية وحدها، بل أيضًا في الأحزاب الحريدية والدينية وأحزاب اليسار والوسط واليمين. يجب أن تتمتع النساء بتمثيل عادل ومتساوٍ في مختلف التيارات؛ لأنهن جزء من المجتمع، ويحملن تجارب ورؤى وحلولًا مختلفة يجب أن تكون حاضرة على طاولة صنع القرار.
وسنواصل العمل على المستوى القانوني والقضائي من أجل سنّ تشريع يضمن تمثيل النساء داخل الأحزاب. ولا يكفي أن ينص القانون على التمثيل بصورة شكلية؛ بل يجب أن يُلزم الأحزاب بوضع آليات واستراتيجيات عملية تفتح الطريق أمام النساء للوصول إلى مواقع حقيقية ومضمونة في القوائم ومراكز اتخاذ القرار.
الكرمل :
تؤمنين بالشراكة العربية–اليهودية، كيف يجب أن تتجسد هذه الشراكة عملياً وسياسياً لخدمة المجتمعين؟
حنان الصانع :
في السابق، عملت داخل مجتمعنا العربي وحده، ولم أكن أؤمن كثيرًا بالشراكة العربية–اليهودية. كنت أعتقد أن لنا احتياجاتنا وخصوصيتنا وأدواتنا وأساليبنا في النضال، وأن علينا، بوصفنا مجتمعًا عربيًا، أن نخوض معركتنا بأنفسنا.
لكنني رأيت أن هدم البيوت يتواصل، وظروف الحياة تزداد صعوبة، والجريمة والعنف يتصاعدان، والحروب لا تتوقف. لذلك، توصلت خلال السنوات السبع الأخيرة إلى قناعة بأن الطريق الصحيح لإحداث تغيير حقيقي يمرّ عبر الشراكة العربية–اليهودية.
لكن هذه الشراكة لا تعني أن ينفذ العرب واليهود مشروعًا مشتركًا أو برنامجًا مؤقتًا، ثم يعلنوا أنهم حققوا الشراكة. الشراكة الحقيقية تعني أن نخوض معًا نضالًا مشتركًا لتغيير الواقع، مع الاعتراف الكامل باحتياجات كل مجتمع وخصوصيته.
أنا أعترف باحتياجاتك، وأنت تعترف باحتياجاتي، ثم نرسم معًا مسارًا للتغيير يراعي واقع المجتمع العربي وواقع المجتمع اليهودي. وعلى المستوى المجتمعي، يجب أن تقوم هذه الشراكة على المساواة والاحترام المتبادل والعمل المشترك.
لكن لا يجوز أن تقتصر الشراكة العربية–اليهودية على المشاريع الاجتماعية أو المبادرات الاقتصادية؛ فالشراكة الحقيقية يجب أن تكون سياسية أيضًا، وأن تنعكس في الحكم المحلي والسلطات المحلية، وكذلك على مستوى الحكومة ومؤسسات الدولة.
يجب أن تُترجم هذه الشراكة إلى قوانين وسياسات وقرارات رسمية، وأن يصبح المواطنون العرب شركاء فعليين في عملية صنع القرار، لا مجرد مشاركين في أنشطة اجتماعية محدودة. عندها فقط نستطيع الحديث عن شراكة عربية–يهودية حقيقية تُحدث تغييرًا ملموسًا وتخدم المجتمعين.
الكرمل :
من خلال عملكِ محاميةً وناشطةً في جمعية «إيتاخ–معكِ» من أجل حقوق النساء والمساواة والعدالة الاجتماعية، ما القضايا والتحديات المشتركة التي تجمع المرأة العربية والمرأة اليهودية؟
حنان الصانع :
نلاحظ في عملنا وجود فجوة كبيرة بين احتياجات النساء العربيات والقضايا التي تواجههن وبين احتياجات النساء اليهوديات. وفي كثير من الأحيان، يكون حل قضية المرأة اليهودية أسرع وأسهل، لأن القوانين والسياسات القائمة صُممت بصورة أكثر ملاءمة لواقعها ونمط حياتها، مقارنة بواقع المرأة العربية.
عندما أعمل مع النساء العربيات، وخصوصًا في النقب، أجد أن مطالبهن تبدأ أحيانًا من أبسط الحقوق. فقد تقول المرأة البدوية: «أريد بيتًا يحميني ويحمي أطفالي». إنها تطالب أولًا بوجود مسكن آمن، بينما يدور النقاش لدى المرأة اليهودية غالبًا حول استحقاقها للسكن العام، أو مدى اعتراف المؤسسات بحقها في الحصول عليه. وهنا تظهر الفجوة بوضوح: إحداهما تكافح من أجل وجود البيت نفسه، والأخرى تكافح من أجل الاعتراف بحقها القانوني في الاستفادة من منظومة سكن قائمة.
ومع ذلك، يجمع النساء العربيات واليهوديات نضال مشترك، وخصوصًا في قضية التمثيل السياسي. فالنساء اليهوديات أيضًا يواجهن الإقصاء وضعف التمثيل داخل الأحزاب، كما يصطدمن بمنظومات حزبية ومؤسسات يغلب عليها الطابع الذكوري، وهي المشكلة ذاتها التي تواجهها النساء العربيات داخل أحزابهن.
لذلك، فإن خوض النساء العربيات واليهوديات نضالًا مشتركًا من أجل التمثيل المتساوي، وتغيير السياسات واللجوء إلى القضاء، يمكن أن يزيد قدرتهن على التأثير ويساعدهن على تحقيق تغيير حقيقي. قد تختلف تفاصيل الألم والاحتياجات، لكن مواجهة التمييز والإقصاء والهيمنة الذكورية تشكّل أرضية مشتركة تجمع النساء في المجتمعين.
الكرمل :
كيف تتاعملون مع ظاهرة تعدد الزوجات ؟
حنان الصانع :
تعدد الزوجات من أكثر القضايا التي تستحوذ على اهتمام الحكومة الحالية عندما تتحدث عن النساء البدويات. لكن عندما نتوجه إليها بقضايا أساسية، مثل فرص العمل والبطالة المرتفعة والفقر والسكن والتعليم، لا نجد الاهتمام نفسه.
تقدم الحكومة اهتمامها بتعدد الزوجات وكأنه نابع من حرصها على النساء البدويات والمجتمع البدوي، لكنها تنظر إلى الظاهرة أساسًا من زاوية أمنية وديموغرافية؛ أي من منظور ارتفاع عدد السكان والأطفال، باعتباره تهديدًا ديموغرافيًا للدولة.
أما نحن، فننظر إلى تعدد الزوجات من منظور مختلف تمامًا: حياة المرأة والأطفال، وحقوقهم وكرامتهم وأمنهم. بل إن أضرار هذه الظاهرة باتت في بعض الحالات تطال الرجال أيضًا، إلى جانب النساء والأطفال.
لقد ازدادت الظاهرة وتغيّرت أنماطها مقارنة بالسنوات الماضية، لكن علينا ألّا نتعامل معها بمعزل عن الظروف التي تنتجها. لو تمتعت المرأة باستقلال اقتصادي، وتعليم جيد، وفرص عمل، ومسكن آمن، وضمان لمستقبل أطفالها، لما اضطرت إلى قبول أن تكون زوجة أولى في علاقة متعددة الزوجات، أو زوجة ثانية أو ثالثة.
أقول دائمًا في جلساتي مع ممثلي الحكومة: إذا كنتم حريصين فعلًا على حقوق النساء، فتعالوا أولًا واستمعوا إلى مشكلاتهن الحقيقية. المرأة تحتاج إلى بيت، وفرصة عمل، وطعام لأطفالها، وأمن اجتماعي واقتصادي، وضمان لمستقبل أبنائها.
عندما تعجز الدولة عن توفير هذه الحقوق والحماية، قد تجد المرأة نفسها مضطرة إلى القبول بالزواج من رجل متزوج، اعتقادًا منها بأنه سيوفر لها المسكن والأمان والاحتياجات الأساسية التي لم توفرها لها مؤسسات الدولة. لذلك، لا يمكن مواجهة تعدد الزوجات بالعقوبات والشعارات وحدها؛ بل يجب معالجة أسبابه الاجتماعية والاقتصادية، وتمكين النساء وضمان استقلالهن وحقوقهن الأساسية.
الكرمل :
هل ما زالت عادة الانتقام للدم والقتل بسبب شرف العائلة تشكل إحدى أسباب الجريمة في المجتمع العربي؟
حنان الصانع :
لم تعد جرائم القتل بذريعة «شرف العائلة» منتشرة كما كانت في الماضي، ولم تعد تشكّل الدافع الأساسي في معظم الحالات. ما نشهده اليوم يرتبط أكثر بالجريمة العامة والنزاعات الجنائية.
وفي بعض الحالات، يُقدَّم القتل على أنه مرتبط بـ«شرف العائلة»، بينما تكشف الوقائع أن الدافع الحقيقي قد يكون خلافًا على الميراث أو المال، أو الحسد أو نزاعًا عائليًا آخر. لذلك، يجب فحص كل حالة بدقة وعدم قبول هذه الذريعة من دون التحقق من الأسباب الحقيقية للجريمة.
الكرمل :
ألا تعتقدين أن التعامل مع جرائم الانتقام وشرف العائلة يجب أن يكون إجتماعياً ومحلياً أيضاً بالإضافة إلى القانون والشرطة ؟
حنان الصانع :
مواجهة الجريمة والعنف لا تقتصر على سنّ القوانين وتعزيز عمل الشرطة، بل تتطلب أيضًا تدخلًا اجتماعيًا وتربويًا جادًا داخل مجتمعنا.
علينا أن نتخلص من ثقافة الثأر والانتقام والقتل بذريعة «شرف العائلة»، وأن نخرجها من حياتنا وأفكارنا وموروثنا وعاداتنا وتقاليدنا. وهذه مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الأب والأم، ورجال الدين، والمساجد، والمؤسسات الاجتماعية والمدارس.
يجب أن نمتلك الشجاعة لنقول بوضوح: كفى، الانتقام ممنوع، والجريمة والعنف ليسا وسيلة لحل الخلافات؛ فهناك دائمًا وسائل أخرى للحوار والمعالجة
.
صحيح أن بن غفير وسياسات الحكومة والشرطة يتحملون مسؤولية كبيرة جدًا عن تفشي الجريمة وانعدام الأمن، لكن علينا أيضًا ألّا نتجاهل مسؤوليتنا المجتمعية. فالعنف الذي كان موجودًا داخل بعض البيوت انتقل إلى الشوارع واتسعت دائرته.
اليوم، قد تتحول خلافات على الميراث أو الأرض أو المنزل أو السيارة إلى جرائم قتل. لذلك، نحتاج إلى معالجة جذرية تبدأ من الأسرة والمدرسة والمجتمع، بالتوازي مع مطالبة الدولة والشرطة بتحمل مسؤولياتهما القانونية والأمنية.
الكرمل :
أقرّت الكنيست قانونًا يتيح الفصل بين الطلاب والطالبات في بعض الأطر الجامعية. بصفتك ناشطة في مجال حقوق المرأة والمساواة، هل ترين أن هذا القانون يشكل تراجعًا عن مبدأ المساواة بين الجنسين؟ وكيف توازنين بين احترام الخصوصية الدينية والثقافية وبين الحفاظ على الحقوق المدنية المتساوية للنساء؟
حنان الصانع :
لديّ صديقة باحثة كتبت مقالًا في صحيفة «هآرتس» تناولت فيه هذه القضية، بالتعاون مع ناشطات نسويات من المجتمع اليهودي المتدين. وحتى هؤلاء النساء يعارضن القانون.
يتعارض هذا التوجه مع المبادئ الديمقراطية، ويعزز سلطة الرجال داخل المجتمعات الدينية، بدلًا من مساعدة النساء على التحرر من القيود والتمييز المفروضين عليهن. وقد توصلت ناشطات متدينات أنفسهن إلى قناعة بأن الأمور تجاوزت حدودها، وأن معارضة مثل هذه الممارسات لا تعني معارضة الدين، لأن هذه الممارسات ليست بالضرورة جزءًا أصيلًا من جوهره.
أؤمن بضرورة الفصل الواضح بين الدين والدولة، انطلاقًا من مبدأ: **الدين لله والوطن للجميع.** فلا ينبغي للدولة أن تفرض قواعد دينية على شخص غير متدين، أو حتى على شخص ينتمي إلى مجتمع متدين لكنه لا يرغب في الالتزام بتلك القواعد. كما أنه ليس من العدل إجبار الناس على إعلان موقفهم الديني أو الكشف عن خياراتهم الشخصية لكي يتمكنوا من ممارسة حقوقهم.
احترام الخصوصية الدينية حق، لكن يجب أن يستند إلى حرية الاختيار، لا إلى الإكراه أو الانتقاص من حقوق النساء. فالقرارات التي تفرض الفصل تنتهك مبدأ المساواة، وتبعدنا عن الديمقراطية، وتكرّس استمرار الهيمنة الذكورية.
وعندما نُعلّم الفتاة، منذ المدرسة وحتى الجامعة، أن مكانها منفصل ومقيّد، فإننا نغرس فيها نفسيًا فكرة أن مكانها ليس في مواقع صنع القرار ولا في الحيز العام. وهكذا، لا يعود الفصل مجرد ترتيب تقني، بل يتحول إلى أداة تُضعف حضور النساء وتمثيلهن، وتحدّ من فرصهن المستقبلية.
الكرمل :
ما زالت النساء العربيات، وخاصة البدويات، الأقل تمثيلًا في مواقع صنع القرار, كيف تقيّمين مكانة المرأة العربية اليوم؟ وهل ترين أنها استطاعت أن تنال المكانة التي تستحقها على المستويين الاجتماعي والسياسي؟
حنان الصانع :
أؤمن بشدة بأن مجتمعنا يزخر بنساء مؤهلات وقادرات وناجحات ومتفوقات في مجالات كثيرة. خلال السنوات الأخيرة، أصبح حضور المرأة العربية واضحًا في الأكاديميا والإعلام والصحة وسوق العمل، وحتى في المهن التي كانت تُعدّ حكرًا على الرجال.
لكن السؤال الحقيقي هو: هل تجلس هؤلاء النساء إلى طاولة صنع القرار؟ وهل يحظين بتمثيل حقيقي داخل السلطات المحلية؟ هنا نجد أن حضورهن ما زال ضعيفًا جدًا؛ فالنساء العربيات يشكّلن نحو 2% فقط من عضوات وعضوي المجالس المحلية.
قد تتباهى بعض الجهات بوجود امرأة واحدة في القائمة، لكنها غالبًا تضعها في موقع غير مضمون. لا يكفي الحديث عن التمثيل بينما لا تتجاوز النسبة 2%؛ بل يجب العمل على زيادة عدد النساء في المجالس المحلية، وإشراكهن في إدارة الأقسام الأساسية والمؤثرة، لا حصرهن في الوظائف الاجتماعية التقليدية. ولدينا أيضًا نساء مؤهلات لرئاسة السلطات المحلية، وليس فقط لعضوية المجالس.
الكرمل :
"قانون ليرون" (חוק לרון) جاء أساسًا بهدف تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة، ولا سيما الأكاديميين وحملة الشهادات العليا، من الاندماج في سوق العمل. كما أن الدولة توفر حوافز واسعة لأرباب العمل، وتتحمل تكاليف ملاءمة بيئة العمل ووسائل الإتاحة المختلفة، بدءًا من تجهيزات مستخدمي الكراسي المتحركة ووصولًا إلى الوسائل المساعدة للمكفوفين وذوي الاحتياجات الخاصة الأخرى. ومع ذلك، ما زال كثير من أصحاب الكفاءات والمؤهلات يواجهون في الواقع أبوابًا مغلقه وفرصًا محدودة بسبب الأحكام المسبقة والتردد في تشغيلهم. بصفتك محاميه وناشطة بارزة في مجال حقوق الإنسان والعدالة ، ما هي المبادرة التشريعية التي تقترحيها للانتقال من سياسة التشجيع والحوافز إلى سياسة الإلزام والمساءلة القانونية، بما يضمن استيعاب الأشخاص ذوي الإعاقة في أماكن العمل على أساس الكفاءة والحق بالمساواة، لا باعتباره مبادرة قائمة على حسن نية أصحاب العمل فقط؟"
حنان الصانع :
لا بدّ من تدخل دولي وحكومي وقضائي وتشريعي يضمن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ويحميهم من التمييز. فكما يمنع قانون العمل رفض شخص بسبب آرائه السياسية أو لونه أو جنسه، يجب أن يحظر بوضوح رفضه أو حرمانه من خدمة بسبب إعاقته، وأن يُلزم الجهة أو صاحب العمل بتعويضه إذا ثبت تعرضه للتمييز.
يجب إدراج الإعاقة صراحة ضمن أسباب التمييز المحظورة قانونًا. فإذا لم يُقبل شخص في وظيفة بسبب إعاقته، ينبغي التعامل مع ذلك كما لو رُفض بسبب لونه أو بسبب كونه امرأة أو رجلًا.
ونحن مطالبون بتطبيق المبدأ نفسه داخل مؤسساتنا أيضًا. فلا يجوز لنا رفض رجل لمجرد كونه رجلًا، بل علينا تقييمه وفق كفاءته ومدى إيمانه بالمساواة والفكر النسوي. المعيار الحقيقي هو الموقف من العدالة والمساواة، لا الجنس أو اللون أو الإعاقة.