|
|
|
| الكرمل : |
| قبل أن نبدأ حديثنا، من هي أمل مرقس؟ كيف تحبين أن يعرّفك الجمهور، بعيدًا عن الصورة التي يعرفك بها من خلال الفن والإعلام؟ |
| أمل مرقس : |
| أمل ليست واحدة؛ هي مجموعة من «الأملات» التي تنشط في مجالات فنية متعددة، لكنها تنبع جميعًا من مصدر واحد وتصبّ في مجرى واحد هو الفن. خضت تجارب في الغناء والمسرح والإذاعة والتلفزيون والسينما والتمثيل، ولم أشعر يومًا بأن هذه المجالات منفصلة بعضها عن بعض. لم أخطّط في طفولتي لأن أصبح فنانة أو مغنية. أعتقد أن الفن وُلد معي، ثم اكتشفه أهلي وشجعوني عليه، فكانوا يقولون لي دائمًا: «واصلي الغناء». ومع ذلك، لم تكن لدي آنذاك أحلام كبيرة؛ كنت أحب الكتب والورود، وأحلم أحيانًا بأن يكون لدي محل صغير لبيع الزهور. لكن المسرح كان حاضرًا بقوة في مخيلتي. عندما كنت أتعلم الرسم في المركز الثقافي بكفر ياسيف، كنت أرسم باستمرار خشبة المسرح والستائر والجمهور، وأرسم أم كلثوم وهي تقف أمام ميكروفونها الشهير ممسكة بمنديلها. كان أستاذ الرسم يضحك ويقول لي: «أنت ترسمين أحلامك»، لأنه أدرك أنني كنت مفتونة بالمسرح والغناء. وفي إحدى المرات أجلسني أمام زملائي وطلب منهم أن يرسموني. تعود بي ذاكرتي إلى سن الثالثة، حين كنت أقف على المسرح وأغني في السهرات. كنت أحفظ الأغاني من سماع الأسطوانات في البيت، من دون أن يعلّمني أحد الغناء بصورة منهجية. وحين لاحظ أهلي أن الناس يستمتعون بصوتي، راحوا يصطحبونني إلى المناسبات والاحتفالات. في نحو السابعة من عمري شاركت في احتفال عام، وما زلت أحتفظ بشهادة تقدير حصلت عليها في تلك المناسبة. بدأت حينها أدرك أن ما أقدمه يحبه الناس، وأن الجمهور صار يعرفني ويناديني باسمي. كنت أغني في أعراس الحارة والبلدة كلها، وأنتظر أحيانًا خلف الكواليس حتى وقت متأخر، رغم التعب والنعاس، لأشارك في الفقرة الختامية. بعد ذلك دعاني الفنان والأستاذ منير جبران إلى المشاركة مع فرقته في عمل مسرحي غنائي كبير. كنت الطفلة التي تؤدي الأغاني في المسرحية، وكنت أبيت أحيانًا في منزلهم لكي أتعلّم الأغاني وأشارك في التدريبات. هكذا دخلت تدريجيًا إلى عالم العمل الفني. وربما لم تكن البداية احترافية بالمفهوم المتعارف عليه اليوم، لكنها كانت جزءًا من حركة فنية وثقافية نشأت في ظروف صعبة. نحن نتحدث عن مرحلة كان فيها شعبنا الفلسطيني الباقي في وطنه يعمل بإمكانات محدودة وفي الظل، لكن بحب كبير للفن. كان النشاط الفني مرتبطًا بالحركة الوطنية والطلابية، وبالأندية والجمعيات والفعاليات الشعبية. ورغم شحّ الإمكانات، كانت الأعمال تُقدَّم بمستوى فني وثقافي رفيع. أتذكر نادي السلام في كفر ياسيف، الذي تحوّل موقعه لاحقًا إلى مجمع تجاري. هناك كنت أستمع إلى إميل حبيبي وهو يلقي محاضرة أو يتحدث في اجتماع شعبي. أثرت فيّ طريقته في الأداء، ولغته الجميلة، والصور والاستعارات التي كان يستخدمها، وقدرته على شرح الأفكار المعقدة للناس ببساطة ووضوح. تشبعت كثيرًا بهذا الأسلوب. كما شاهدت المسرح منذ سن مبكرة جدًا. كنت في الرابعة أو الخامسة تقريبًا عندما حضرت أحد العروض التي شارك فيها شبان وشابات من البلدة؛ أصبح بعضهم لاحقًا فنانين، فيما صار آخرون أطباء ومهندسين. وكانوا يروون لي أنني كنت أصعد إلى المسرح وأقول لهم: «خذوني لأمثل معكم». وشاهدت لاحقًا أعمالًا مسرحية مرتبطة بإميل حبيبي، من بينها «المتشائل». نشأت في بيت يتمتع ببيئة ثقافية وفنية جميلة، متصلة أيضًا بالثقافة الشعبية في البلدة والحارات والأعراس. كان والداي يحبان الفن والغناء، كما نشأت وسط المهرجانات والاجتماعات والمظاهرات؛ ولذلك اكتسبت أغنياتي منذ البداية بُعدًا اجتماعيًا وسياسيًا. كنا نذهب إلى مظاهرة في الأول من أيار، مثلًا، فنفتتحها أو نختتمها بأغنية «بلادي بلادي»، وكنت يومها لا أزال في العاشرة من عمري. هذا الحضور المبكر أمام جمهور كبير عزّز ثقتي بنفسي. وبدأت أستمع إلى التسجيلات والأشرطة، ولا سيما أغاني فيروز والأغاني الوطنية والشعبية الفلسطينية والأناشيد التي تربى عليها جيلنا. لم أتخذ قرارًا واعيًا بأن أتأثر بفنان بعينه؛ لقد وُلدت في ذلك الواقع، وتشربته وأحببته، فصار جزءًا من تكويني. لم تتوافر آنذاك الإمكانات لتعلّم الموسيقى بصورة منتظمة. كنا ست بنات، وكانت لدى الأسرة مسؤوليات كثيرة، كما لم يكن في البلدة مَن يستطيع أن يعلّمني الموسيقى على نحو مهني. لكن موهبتي تطورت من خلال المشاركة المستمرة والاستماع والاحتكاك بالفنانين والجمهور. ومن المحطات المهمة في حياتي مشاركتي، في سن العاشرة، في مهرجان أُقيم في طمرة. حصلت هناك على الجائزة الأولى، واختارتني لجنة التحكيم والجمهور لأفضل غناء وحضور وملابس. وقفت يومها أمام فرقة موسيقية كبيرة تضم التشيلو والكونترباص والكمان والناي. وعندما أُعلنت النتيجة، بكيت كثيرًا؛ فقد أدركت للمرة الأولى حجم التوتر والمسؤولية المرتبطين بالفن، وأن النجاح يستنزف الفنان عاطفيًا بقدر ما يسعده. شكّلت تلك اللحظة انطلاقة جديدة، وبدأ ظهوري يتسع في التلفزيون وفي الفعاليات المختلفة. صرت أتلقى دعوات متواصلة للغناء في الناصرة واللد والرملة، وفي لقاءات الطلاب العرب بجامعة تل أبيب، وفي مناسبات يوم الأرض، وأحيانًا قبل محاضرات إميل حبيبي أو بعدها. كنت لا أزال طفلة، لكنني كنت أتنقل مع فنانين ومثقفين أكبر مني سنًا، وكان أهلي يثقون بهم لأنهم أحاطوني بالرعاية وحرصوا عليّ. لذلك أستطيع القول إنني نشأت فنيًا بين الكبار، لا بين أبناء جيلي فقط، وإن هذه البيئة الثقافية والوطنية أسهمت بعمق في تشكيل شخصيتي ومسيرتي. |
| الكرمل : |
| هل ما زالت الأغنية الملتزمة سيدة الموقف، أم أن الأغاني قليلة المضمون هي سيدة الموقف في مجتمعنا؟ |
| أمل مرقس : |
| إعلاميًا وتجاريًا، وعلى منصات التواصل الاجتماعي وفي عالم «الترند»، الأغنية التجارية هي المسيطرة اليوم. وهذا أمر مفهوم، لأن وراءها أموالًا وشركات إنتاج وتسويق ضخمة. وكما أصبح كل شيء في حياتنا خاضعًا للتسويق، من الطعام والأعياد إلى رمضان وعيد الميلاد وعيد الأم وحتى الحب، دخلت الأغنية هي الأخرى في المنظومة التجارية ذاتها. في الماضي، كان المستثمرون يؤمنون بقدرات الفنان وأهمية بناء مشهد غنائي متكامل، فيستثمرون في الأغنية وفي الفنان على المدى البعيد. ولم يكن ذلك يعني بالضرورة أن الأغنية سياسية أو ملتزمة؛ فقد استُثمر في أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفيروز، لكن الأعمال التي قُدّمت كانت راقية وذات جودة فنية وموسيقية عالية، إلى درجة أنها لا تزال تلهمنا نحن الفنانين حتى اليوم. وبموازاة ذلك، كانت الأغنية الخفيفة أو التجارية موجودة دائمًا. لطالما سار الخطان جنبًا إلى جنب، لكن التحول الكبير، في رأيي، بدأ بعد تسعينيات القرن الماضي. وهذه ليست ظاهرة عربية فحسب، بل عالمية؛ إذ اتجهت صناعة الموسيقى نحو الأغنية السريعة المصممة لتتحول إلى «ترند»، ثم تذوب وتختفي سريعًا. تُصاغ بعض الأغاني اليوم بطريقة مدروسة تجعل لحنها يعلق في ذهن المستمع ويظل يتكرر في رأسه. وفي هذا النموذج لا تكون الكلمة أو قوة الصوت هما العنصرين الأهم، بل الإيقاع واللحن السريعان. وهذا يؤثر، بطبيعة الحال، في ذائقة الناس. أنا لا أستخدم وصف «تجارية» باعتباره شتيمة؛ فمن حق الفنان أن يعيش من فنه وأن يربح بكرامة. السؤال هو: إلى أي حد يكون مستعدًا للتنازل عن مستواه الفكري والفني وعن أسلوب أدائه من أجل الربح وحده؟ قد يربح الفنان العالم كله، لكنه يخسر نفسه. ورغم طغيان الأغنية التجارية، ما زالت الأغنية الوطنية قادرة على تحريك ضمائر الناس وقلوبهم. فهي تمنحهم سندًا معنويًا ومساحة للتعبير والتنفيس، وهذا دور بالغ الأهمية. لكننا لا نملك سوقًا واسعة لهذا اللون، كما أن كثيرين باتوا يخشون الاقتراب منه، ولا سيما بعد السابع من أكتوبر. وأشعر بأن الجمهور نفسه أصبح أحيانًا مترددًا في حضور حفلات تُؤدّى فيها أغنيات تعبّر بوضوح عن ثوابت وطنية معينة. لذلك نلجأ أحيانًا إلى الرمز والاستعارة، بحيث يفهم الجمهور المقصود من دون أن يُقال الكلام بصورة مباشرة. وهذا ليس غريبًا عن تراثنا؛ فشعرنا وأغانينا زاخران بالصور والاستعارات. وفي كل الأحوال، على الفنان أن يتحمل مسؤوليته تجاه جمهوره، ولا سيما إذا كان يطمح إلى الانتشار الواسع. النجاح التجاري مرتبط أيضًا بوجود صناعة كاملة تصنع الفنانين وتقدمهم وفق قوالب جاهزة. نرى اليوم نمطًا واحدًا يتكرر في أنحاء العالم؛ فقد تكون الفنانة من أصول فلسطينية، لكنها تنتج عملها في دبي أو الإمارات بالتعاون مع شركة تتبنى نموذجًا غربيًا شبيهًا ببيونسيه أو شاكيرا. تغني بالعربية، لكن طريقة النطق والحركة والأداء والإيقاع كلها مستعارة من قالب آخر، حتى يبدو أحيانًا أن الكلمات العربية فُرضت على اللحن فرضًا، وأن النص لم يعد العنصر الأساسي في الأغنية. في السابق، كانت فناناتنا يقتدين بأم كلثوم وفيروز وليلى مراد وشادية ووردة الجزائرية. أما اليوم، فنجد كثيرًا من المغنيات الفلسطينيات والعربيات الشابات أقرب في أدائهن إلى النمط السائد في الغرب. ويرتبط ذلك بهيمنة الثقافة الغربية، وبالأخص الثقافة الأميركية، على شركات الإنتاج ووسائل الإعلام والمنصات التي تدخل بيوتنا وتقرر إلى حد بعيد ما يصل إلى مسامعنا. منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، علّق كثير من أبنائنا وبناتنا صور نجوم غربيين، من مايكل جاكسون إلى ماريا كاري وغيرهما. لكن من النادر أن ترى شابًا أميركيًا أو ألمانيًا يعلّق صورة زياد الرحباني أو الشيخ إمام أو مارسيل خليفة أو كاظم الساهر أو شيرين. وهذا يكشف حجم الاختلال في تدفق الثقافة بيننا وبين الغرب. أنا لا أنتقد الموسيقى الغربية في ذاتها؛ على العكس، أحب فرقة «آبا» و«البيتلز» كثيرًا، وأستمتع أيضًا بـ«باكستريت بويز» ونات كينغ كول وإيتا جيمس ومغنيات الجاز الأصيلات. أستمع إلى أنواع كثيرة من الموسيقى الغربية، كما أحب الراب وإيقاعات شمال أفريقيا والموسيقى الهندية والصينية. الموسيقى في النهاية لغة عالمية، وحين تكون جميلة فإنها تجد طريقها إلى القلب، مهما تكن لغتها أو مصدرها. لكن المشكلة تكمن في سيطرة جهة واحدة تقريبًا على ما نسمعه، وفي ضعف وصول موسيقانا العربية المتنوعة إلينا. فنحن لم نكن نتعرف بما يكفي إلى الموسيقى التونسية أو المغربية أو الخليجية، بينما كانت الموسيقى المصرية واللبنانية أكثر حضورًا وانتشارًا. ولهذا أسباب تاريخية وإعلامية وتجارية عديدة تحتاج إلى دراسة متخصصة، لكن من يملك وسائل الإعلام والإنتاج هو، إلى حد كبير، مَن يقرر ما الذي سنسمعه. مع ذلك، تبقى لدى المستمع مسؤولية شخصية؛ إذ يستطيع أن يبحث عن الموسيقى المختلفة وألا يكتفي بما تفرضه عليه المنصات. فالموسيقى الجميلة تشبه الأنهار؛ تشق طريقها وتصل في النهاية إلى الوجدان. كنت أخيرًا في إقامة فنية بالولايات المتحدة مع فنانين من أجيال متعددة، كان معظمهم من الشباب. وفي إحدى السهرات قرب البحيرة، اكتشفوا أنني أحفظ مئات الأغاني باللغة الإنجليزية، من الموروث القديم حتى أغاني التسعينيات والألفية الجديدة. كلما طلبوا أغنية كنت أعرفها وأغنيها، لكن المثير أنهم كانوا يفضّلون أن يسمعوا مني الغناء بالعربية. وهذا يؤكد أن الموسيقى الصادقة تستطيع تجاوز الحدود، وأن خصوصيتنا ليست عبئًا ينبغي التخلص منه، بل مصدر قوة وجمال. ومن الجميل أيضًا أن الموسيقى الجيدة تعيش عبر الأجيال. فقد أحببت «آبا» منذ ظهرت في شبابي، واليوم أرى طفلًا في الثامنة من عمره يحب أغانيها ويحفظها. هذا يعني أن العمل الفني الجميل قادر على البقاء. ولنا نحن، بوصفنا أهلًا، دور أساسي في تشكيل ذائقة أبنائنا؛ فما نحب الاستماع إليه ونردده أمامهم ينتقل إليهم بصورة طبيعية. وإذا عرّفناهم إلى الأغنية الجميلة منذ الصغر، فسيحبونها ويتفاعلون معها، مهما كان زمنها أو أسلوبها. ولا يمكن تجاهل أننا نشأنا في واقع تهيمن عليه اللغة العبرية. فقد كان التلفزيون يدخل بيوتنا بلا انقطاع، بينما لم تكن البرامج العربية تحظى إلا بمساحة محدودة جدًا، قد لا تتجاوز نصف ساعة. ولم يقتصر هذا الإقصاء على اللغة والأغنية العربيتين، بل طال أيضًا الآلات الموسيقية العربية، التي غابت عن الشاشات زمنًا طويلًا، قبل أن يبدأ العود وغيره من الآلات الشرقية بالظهور مجددًا في البرامج التلفزيونية. وهذا كله يرتبط بالسؤال عن الذائقة الفنية؛ لأن ما تعرضه وسائل الإعلام باستمرار يتحول مع الوقت إلى المألوف والمهيمن، فيما يصبح الفن الذي يجري تهميشه أقل حضورًا في وعي الأجيال الجديدة. |
| الكرمل : |
| يقول البعض أنك لو خرجت إلى عالم الغناء خارج إسرائيل لكنت نجمة عربية وعالمية لامعة. لماذا لم تفعلي ذلك؟ |
| أمل مرقس : |
| أولًا، أشكركم على رؤيتي صوتًا وتجربة فنية تستحقان الوصول إلى العالم. وهذا يقول شيئًا عنكم أيضًا، لأنكم تنظرون إليّ بوصفـي فنانة من بلادكم، ما زالت تعيش وتغني وتنتج في وطنها، ولم تغادره بحثًا عن الشهرة. واجهتنا منذ البداية عقبات كثيرة. فنحن، الفنانين الفلسطينيين في الداخل، كنا محاصرين وغير قادرين على دخول العالم العربي. لم يكن أيٌّ منا يستطيع التنقل بحرية أو المشاركة في مهرجاناته. وبعد اتفاقية كامب ديفيد، التي عارضناها، كان وصول الفنان إلى مصر عبر مؤسسات إسرائيلية رسمية يُثير لدينا سؤال التطبيع؛ إذ لم أكن مستعدة للذهاب بصفتي ممثلةً لإسرائيل. كانت دار الأوبرا المصرية، مثلًا، تدعو أحيانًا فرقًا فنية من البلاد، بينها جوقات تحظى بتمويل وزارة الثقافة الإسرائيلية. أما بعد اتفاق أوسلو، فظهرت إمكانية حصول فنانين وسياسيين فلسطينيين من الداخل على وثيقة سفر فلسطينية مؤقتة تتيح لهم زيارة بعض الدول العربية. كان ذلك تحولًا جديدًا ومهمًا، لكنه لم ينهِ جميع القيود. وصلت أغنياتي إلى الجمهور العربي منذ ألبومي الأول في تسعينيات القرن الماضي. تلقيت ردود فعل من سوريا ولبنان وتونس والأردن، ولا يزال بعض أولئك المستمعين يتابعونني ويتواصلون معي حتى اليوم. وحققت أغنية «دنيا ألوان» المرتبة الأولى في إحدى الإذاعات الأردنية. في عام 2002 دُعيت إلى تونس، وقدّمت عرضين أمام قاعتين ممتلئتين في مسرح المدينة، ثم شاركت عام 2018 في مهرجان قرطاج الدولي. وغنيت أيضًا في الدار البيضاء وفي عمّان مرات عدة، وشاركت في مهرجانات عالمية كبرى، بينها مهرجان «ووماد»، ووقفت على مسارح استضافت في الفترة نفسها أسماء عربية كبيرة. لكن الناس هنا لا يرون دائمًا هذا الجانب من مسيرتي، لأنني لا أظهر على شاشة «روتانا»، ولا أشارك في حفلات الخليج. وهذا ليس ناجمًا عن غياب الدعوات وحده؛ فلديّ أيضًا خطوط حمراء. في هذه المرحلة أرفض الغناء في أماكن لم تنصف القضية الفلسطينية، ولم تجعلها جزءًا من بوصلتها الأخلاقية والسياسية. أتمنى، مثلًا، أن أغني في لبنان، فهذا حلم قديم، لكنني أعرف أن دخولي ممنوع لأسباب سياسية وأمنية مرتبطة بوثيقة السفر التي أحملها. وقد تقدمت أكثر من مرة ولم أحصل على التأشيرة، كما مُنع فنانون فلسطينيون آخرون من دخول لبنان والمشاركة في مهرجاناته. في المقابل، وصلت موسيقاي إلى جمهور واسع خارج العالم العربي. لديّ مستمعون في البرتغال وتركيا وإيطاليا والمكسيك والبرازيل والولايات المتحدة، ويمكنني رؤية ذلك من خلال التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي و«سبوتيفاي» و«يوتيوب». تصلني ردود من المكسيك والبرازيل، وقدّمت على مدى نحو عشر سنوات جولات فنية كبيرة في البرازيل، كما شاركت أخيرًا في قرابة ثمانية عروض بإيطاليا وسجلت هناك ألبومًا جديدًا. لذلك أستطيع القول إنني حققت حضورًا عالميًا، وإن لم يكن هذا الحضور مرئيًا بما يكفي في الإعلام المحلي والعربي. ثمة عقبات أخرى مرتبطة بكوني امرأة فلسطينية، وبانتمائي إلى الطائفة المسيحية أيضًا. أتذكر أن مسؤولًا ثقافيًا مصريًا شاهدني في مهرجان دولي، وأبدى إعجابًا كبيرًا بفني، وقال إنه يرغب في دعوتي إلى مصر، لكنه طلب مني تغيير اسم عائلتي، لأن اسم «مرقس»، على حد قوله، «لا يُباع». هذا يعكس نوعًا من التمييز الطائفي الذي قد يواجهه الفنان أحيانًا. كما أنني أحمل جواز سفر إسرائيليًا فُرض عليّ بحكم ولادتي وبقائي في وطني؛ لم يسألني أحد إن كنت أريده. وربما لو غادرت البلاد في سن مبكرة، واستقررت في أوروبا وحصلت على جواز سفر آخر، لكانت أموري أسهل. لكنني أنتمي إلى الجيل الثاني للنكبة، ونشأت على قناعة بأن عليّ البقاء في وطني والإنتاج والعمل فيه. أعدّ نفسي من رائدات التجربة الغنائية الفلسطينية الحديثة في الداخل، إلى جانب فنانات مثل كاميليا جبران وريم بنا، رحمها الله. بدأنا تقديم الحفلات أمام جمهور، وإصدار الألبومات في ظروف لم تكن فيها بنية فنية أو إنتاجية حقيقية. وكانت فرقة «صابرين» قد أصدرت تسجيلاتها على أشرطة الكاسيت، ثم أصدرت عام 1998 ألبومي «أمل» على قرص مدمج، وكان من أوائل الإصدارات الفلسطينية من هذا النوع. وقد احتضن جمهورنا وإعلامنا الألبوم بمحبة كبيرة، وأنا ممتنة لذلك. لكنني لم أكن أميل إلى خوض مسابقات الغناء، كما أنني بدأت مسيرتي قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، ثم واصلت العمل بعد انتشارها. وخلال هذه الفترة تغيّر السوق جذريًا؛ فأصبحت قوة الفنان تُقاس بعدد متابعيه، وقدرته على صناعة «الترند»، وحجم الأموال التي ينفقها على الترويج والأغنيات المصورة. هناك فنانون وفنانات يعملون بجد وينتجون أعمالًا عالية المستوى، ويستثمرون فيها فنيًا وماديًا، لكنها لا تحصل على المكانة التي تستحقها في قوائم الاستماع على «أنغامي» أو «سبوتيفاي». وفي المقابل، تُدفَع أعمال أخرى إلى الواجهة بفضل شركات التسويق والعلاقات والأموال. وإذا أراد الفنان تحويل أغنيته إلى عمل واسع الانتشار، فقد يُطلب منه دفع مبالغ كبيرة إلى جهات متخصصة في الترويج. وأنا لا أمتلك هذه الإمكانات، ولا أنتمي إلى شركة إنتاج ضخمة؛ فمنذ أكثر من ثلاثين عامًا أمول ألبوماتي وأعمالي من مالي الخاص. ومع ذلك، لا أعتقد أن وصول الأغنية يتوقف على «الترند». فقد كانت أغاني الشيخ إمام وقصائد أحمد فؤاد نجم تُسجَّل على أشرطة متواضعة، ثم ينقلها الطلاب سرًا، ومع ذلك وصلت إلينا وظلت حية. واليوم يعيد شباب وشابات في العشرينيات إحياء هذا الموروث وغناءه على المسارح. ربما لا يتحول إلى ظاهرة تجارية ضخمة كالحفلات التي تُقام لكبار نجوم الغناء، لكنه يستمر ويعبر من جيل إلى آخر. أنا مؤمنة بقوة الأغنية وقدرتها على الوصول. وأنا راضية وسعيدة ومقتنعة بما حققته، ولا تزال لديّ أحلام أؤمن بأنها ستتحقق. لكن هذا لا يلغي وجود إحباطات وتساؤلات مشروعة: لماذا يستطيع فنان معين أن يقدم جولات متواصلة في العالمين العربي والغربي؟ مَن دعمه وفتح أمامه الأبواب؟ ولماذا لا تتاح الفرص نفسها لي ولفنانات وفنانين آخرين يعملون بجد ويقدمون فنًا حقيقيًا؟ |
| الكرمل : |
| لديك إين فنان أيضاً . كيف اتجه فراس لإلي الفن وأين هو اليوم ؟ |
| أمل مرقس : |
| لديّ ابن وابنة، وكلاهما اختار الفن ودرسه منذ الصغر. ابنتي يارا زريق فنانة متعددة المواهب؛ فهي ممثلة ومغنية وعازفة، وقد بدأت مسيرتها قبل شقيقها فراس لأنها تكبره سنًا. تخرّجت في معهد «غودمان» للتمثيل وفنون الأداء المسرحي والسينمائي في بئر السبع، كما حصلت على اللقب الأول في الموسيقى من جامعة حيفا، ودرست الغناء والبيانو والجاز في معهد الموسيقى بكرميئيل. تشارك يارا حاليًا في أربعة عروض مسرحية، بينها أعمال في مسرح يافا ومسارح أخرى، وتستعد أيضًا لعمل مسرحي جديد. ولديها دور مهم في مسرح «هبيما» ضمن مسرحية «أفعال بسيطة»، وهي مسرحية تحمل بُعدًا سياسيًا واضحًا. كما تؤدي دورًا رئيسيًا في مسرحية «رامي وبسام: أبيروغون» في مسرح يافا، إلى جانب الفنان خليفة ناطور. والعمل مستوحى من رواية «أبيروغون» للكاتب كولوم ماكان، ويتناول قصة أب فلسطيني وآخر إسرائيلي فقد كل منهما ابنته، ثم حوّلا ألمهُما الشخصي إلى قوة تدفعهما نحو الحوار والمصالحة. شاركت يارا كذلك في أعمال مسرحية وتلفزيونية أخرى، وأدت دور «إيمان» في عمل كتبه سيد قشوع، كما ظهرت في برنامج تلفزيوني جمع بين الفن والسياسة. لكن البرنامج توقف بعد اندلاع الحرب، بسبب مضمونه ومساره السياسيين. يارا وفراس اختارا الفن عن قناعة، وبدآ دراسة الموسيقى في سن مبكرة. كانا يتعلمان في المدرسة الثانوية المواد الأكاديمية المعتادة، مثل الرياضيات والفيزياء واللغتين العربية والإنجليزية، وفي الوقت نفسه كانا يدرسان الموسيقى في معاهد متخصصة. هناك مسار تعليمي يتيح للطالب الذي يدرس الموسيقى أو الرقص أو الرياضة بصورة منتظمة مدة أربع سنوات أو أكثر أن يتقدم لامتحان «البجروت» بمستوى خمس وحدات في مجال تخصصه. وتُحتسب هذه الوحدات ضمن شهادته عند دخوله الجامعة، حتى لو اختار لاحقًا دراسة مجال أكاديمي مختلف. هذه الإمكانية موجودة في أنحاء البلاد، وهناك معاهد موسيقية جيدة في منطقة المثلث، بينها معاهد في باقة الغربية وقلنسوة وبلدات أخرى، إلى جانب مدارس بدأت تعتمد مسارات فنية مماثلة. لكن ليس كل معهد مخولًا تقديم الطلاب لهذا الامتحان؛ إذ ينبغي أن يكون معترفًا به ومستوفيًا للشروط المطلوبة. درس فراس في «بيت الموسيقى» في شفاعمرو، بينما درست يارا في معهد الموسيقى في كرميئيل، لأنها تكبره وسبقت تأسيس بعض البرامج التي استفاد منها لاحقًا. وقد حصل كل منهما على علامة مئة في امتحان «البجروت» للموسيقى. لم يكن الامتحان مجرد أداء عملي؛ فقد كان عليهما إعداد بحث مكتوب عن عمل موسيقي، وإنجاز وظيفة نظرية تشمل قراءة النوتة والمعرفة الموسيقية، إلى جانب امتحان الأداء. اختارت يارا الغناء مجالًا عمليًا، بينما اختار فراس العزف على القانون. تقدم فراس لاحقًا إلى امتحانات القبول في كلية بيركلي للموسيقى في بوسطن، وحصل على منحة دراسية كاملة مخصصة للطلاب المتفوقين. درس هناك تخصصين في الوقت نفسه: التأليف لموسيقى الجاز والأداء الموسيقي بوصفه عازفًا، وأُدرج اسمه على لائحة العميد ثماني مرات طوال سنوات دراسته. يعمل فراس اليوم ملحنًا وعازف قانون ومنتجًا موسيقيًا. وقد أصدر أخيرًا ألبومه الجديد «Tarabesque»، وهو عنوان يمزج بين «الطرب» و«الأرابيسك». يجمع الألبوم بين الطرب والمقامات والتأثيرات العربية والأندلسية، وبين الجاز المعاصر وأنماط موسيقية عالمية. جميع المقطوعات من ألحانه وتوزيعه، ويقدمها مع فرقته واضعًا آلة القانون في قلب التكوين الموسيقي، بوصفها آلة قادرة على قيادة العمل لا مجرد مرافقته. لدى فراس عروض متعددة في الولايات المتحدة، كما يتعاون مع الأوركسترا العربية في ميشيغان. وهو يلحن بعض أعمالي ويوزع أغنياتي؛ وقد أنجزنا أخيرًا عملًا مشتركًا، أنا من هنا وهو من هناك، ونعمل حاليًا على مجموعة جديدة من الأغنيات. أنا أسعد إنسانة لأن ابنيّ سعيدان، وأرى أن سعادتهما أهم من أي نجاح أو شهرة. يضحكان كثيرًا لأنهما ذهبا إلى المجال الذي يحبانه واختارا الطريق الذي يشبههما. سعيدة جدًا لأنهما اختارا الفن، رغم إدراكي مدى صعوبة أن يعيش الإنسان فنانًا. فالفن ليس مهنة فحسب، بل أداة للتعبير؛ يستطيع الإنسان من خلاله أن يحزن ويبكي ويشتاق ويغضب ويتمرد، وأن يحب ويحنّ ويرفض ويحتج. يمنحه الفن شرعية التعبير عن كل هذه المشاعر وتحويلها إلى صوت وصورة وموسيقى. وهذا أول ما يسعدني: أن ابنيّ يمتلكان هذه الأداة. في بيتنا، لا نحتاج إلى مناسبة كي نبدأ الغناء. يكفي أن يمسك فراس بالقانون أو العود، وأن تجلس يارا إلى البيانو، حتى ننطلق في بروفة قد تستمر خمسًا أو ست ساعات. نستمتع ولا نشعر بمرور الوقت. تجمعنا مشاعر ولغة مشتركتان؛ أفهمهما ويفهمانني، ويضيف كل واحد منا إلى الآخر. أما الصعوبة الكبرى فتظهر حين نتوقف نحن الثلاثة عن العمل في الوقت نفسه، كما حدث خلال جائحة كورونا، ثم بسبب حرب الإبادة. فجأة تُغلق المسارح، وتتوقف الحفلات والعروض، ويجد ثلاثة فنانين في البيت نفسه أنفسهم بلا عمل. لا تقتصر المعاناة في تلك الحالات على الجانب المادي، على الرغم من قسوته وأهميته؛ فالمعاناة المعنوية قد تكون أشد. حين يكون الفنان معتادًا على اعتلاء المسرح ومقابلة جمهوره، يشعر بأنه فقد جزءًا من حياته عندما يُحرم من ذلك. وسائل التواصل الاجتماعي لا تستطيع تعويض المسرح. يمكنك أن تظهر عبر الشاشة، وتتحدث إلى الناس وتغني لهم، وتتلقى ردود فعل جميلة وتشعر بمحبتهم واحتضانهم، لكن الأمر لا يشبه الوقوف أمام جمهور حي، ولا يمنحك الأجواء نفسها أو الأدرينالين الذي يتولد لحظة اعتلاء الخشبة. اختار فراس في الوقت الراهن الإقامة في الولايات المتحدة بسبب الظروف القائمة هنا، لكنني واثقة بأنه سيعود إلى البلاد، أو سيقيم يومًا في مكان قريب منها. وهو يزور وطنه باستمرار، ويقدم فيه أعمالًا ويحافظ على أصدقائه وعلاقاته العائلية الجميلة. كما حافظ فراس على لغة عربية سليمة، ويكتب الشعر والأغاني بالعربية. لم تقطعه إقامته في الخارج عن وطنه أو لغته أو عائلته؛ بل ما زال حاضرًا هنا ويمنح هذا المكان من موسيقاه وتجربته، حتى وهو يعمل ويبدع في الولايات المتحدة. |
| الكرمل : |
| من المعروف أن فنون الموسيقى والمسرح والرسم في مجتمعنا العربي ليست مصدراً جيداً لدخل الفنان ونجده يبحث أحياناً عن أعمال مكملة للدخل . كيف تنظرين إلى هذه الحالة؟ |
| أمل مرقس : |
| أصبحت هذه المشكلة أكثر وضوحًا بعد جائحة كورونا، التي رافقتها نقاشات كثيرة؛ بدءًا من التساؤل عن طبيعة ما حدث، وصولًا إلى نظريات اعتبرتها مخططًا واسعًا ضد البشر أو محاولة للتخلص من أعداد كبيرة منهم. وبغض النظر عن هذه النقاشات، أحدثت الجائحة تغييرًا جذريًا في حياة الفنانين وفي نظرتهم إلى مهنتهم. رأيت عشرات الأصدقاء والزملاء الموسيقيين الذين عملوا معي يبحثون فورًا عن مصدر دخل إضافي. لقد علّم «كوفيد» الفنانين درسًا قاسيًا: لا يمكنكم الاعتماد على الفن وحده؛ فقد كان القطاع الفني أول القطاعات التي أُغلقت، وآخرها عودةً إلى العمل. ومع ذلك، لم تبدأ المشكلة مع كورونا. حتى قبل الجائحة، لم يكن الفن مصدر دخل مستقرًا، وأنا لا أتحدث عن الغناء وحده، بل عن جميع المجالات الفنية. فمن الصعب جدًا أن يعتاش الفنان بصورة مستقلة من إبداعه وحده. علينا أيضًا التمييز بين الفنان والموسيقي أو المغني. هناك فنان صاحب مشروع ورؤية وإبداع، وهناك مَن يعزف أو يغني من دون أن يكون بالضرورة صاحب مشروع فني. وقد يرتبط عمل بعض الموسيقيين بموسم محدد، ولا سيما موسم الأعراس. هناك موسيقيون يقدمون نحو ثلاثمئة حفلة في السنة ويحققون دخلًا جيدًا. وهذا ليس أمرًا سلبيًا؛ فمن حقهم أن يعيشوا بكرامة، ويبنون منزلًا ويشترون أرضًا وسيارة ويعلّمون أبناءهم. لكن هل يعتمدون على الأعراس وحدها؟ ليس دائمًا. بعضهم يفتح في ساعات الصباح متجرًا أو مشروعًا لبيع الطعام، وبعضهم يدرّس الموسيقى في المعاهد، ثم يعمل في الأعراس مساءً. هذه هي حال الفنان الفلسطيني في الداخل؛ فالوضع الاقتصادي للفن صعب جدًا، وقد يمنع الفنان أحيانًا من ممارسة فنه كما يريد. يمكن لعازف موهوب أن يقدم «تقسيمة» رائعة في عرس، لكن الحاضرين يكونون منشغلين بالطعام والحديث ولا يصغون إليه. ومع الوقت، قد يصل إلى مرحلة يكره فيها تقديم العزف المنفرد، لأنه لا يجد مَن يستمع إليه. أقول ذلك بصراحة. يوجد على منصات الأعراس في بلادنا فنانون رائعون، تخرجوا في أكاديميات وحصلوا على ألقاب علمية متقدمة، وهم موهوبون ومرهفون ويتمتعون بقدرات فنية عالية. لكن الواقع الاقتصادي والمدني والسياسي الذي نعيشه، بوصفنا فلسطينيين في الداخل، والحدود المفروضة على تواصلنا مع العالم العربي، وصعوبة الحضور في الغرب، كلها عوامل تحدّ من فرصهم. كما أفرزت الحروب المتتالية في العالم العربي موجات واسعة من الهجرة واللجوء. هناك أعداد كبيرة من الفنانين السوريين الذين اضطروا إلى الهجرة ويبحثون عن عمل، وفنانون عراقيون هاجروا أو لجأوا أو نزحوا ويبحثون بدورهم عن فرص في الغرب. ومع استمرار الحروب ودمار البلدان العربية، ينتقل فنانون من مختلف أنحاء المنطقة إلى أوروبا وأميركا، والأسواق الفنية هناك لا تستطيع استيعاب الجميع. وإذا كان هذا هو واقع الفنان العربي عمومًا، فالله يعين الفنان الفلسطيني الذي يواجه قيودًا إضافية. أما الفنانون الذين بقوا في بلادهم، فقد أسس كثيرون منهم معاهد موسيقية، وهذا أمر رائع؛ لأنهم لا يؤمّنون لأنفسهم مصدر دخل فحسب، بل ينشرون الثقافة الموسيقية أيضًا. وقد ازداد وعي الأهالي بأهمية الموسيقى، وأصبحوا يرسلون أبناءهم وبناتهم إلى المعاهد لتعلّم العزف والغناء والنظرية الموسيقية. يستطيع الفنان الفلسطيني في الداخل أن يؤسس معهدًا، ويستعين بزملائه لتدريس العزف والغناء والنظريات الموسيقية. وهذا يؤدي إلى نشوء شريحة واسعة وكمّ كبير من الموسيقيين والموسيقيات. لكنه يثير أيضًا مسألة العرض والطلب؛ فكلما ازداد عدد الموسيقيين، احتجنا إلى مزيد من المسارح والفرق والمؤسسات وفرص العمل القادرة على استيعابهم. وتبقى الأعراس مصدر رزق أساسيًا لشريحة واسعة. ولا يقتصر اقتصاد العرس على العازفين والمغنين، بل يشمل العاملات في تصفيف الشعر والتجميل والأظافر، ومصممي الملابس وفساتين العروس، والمصورين، وأصحاب القاعات، ومنسقي الزينة والورود، ومؤجري الكراسي، وبائعي اللحوم والخضراوات ومكونات الطعام، وغيرهم. لذلك يمثل العرس، ولا سيما في المجتمع الفلسطيني في الداخل، حدثًا اجتماعيًا واقتصاديًا كبيرًا. فهو ليس مناسبة تفرح فيها العائلة بأبنائها فحسب، بل مصدر رزق لعدد كبير من الناس. وقد أصبح الفرح نفسه قطاعًا اقتصاديًا يرتبط بالكراسي البلاستيكية والزينة والورود والطعام والملابس والتصوير والقاعات. لهذا يصعب محاربة ظاهرة الأعراس أو المطالبة بإلغائها. يمكنني أن أنتقد المبالغة فيها، وأن أدعو إلى تقليص عدد أيام الاحتفال والحد من البذخ. ويمكنني أن أطلب من الناس احترام العازفين والمغنين والاستماع إليهم، بدل الاستمرار في الأكل والحديث وسط الضجيج، وأن أقول لهم: لا تدخنوا ولا تصرخوا قرب المغني، لأن ذلك يضر بصوته. لكنني أفهم في الوقت نفسه الأهمية الاقتصادية لهذه المناسبات. وبالعودة إلى السؤال: يستطيع الإنسان أن يعتاش من الفن إذا عمل بطريقة صحيحة، وثابر وبادر ونوّع مجالات عمله. لا أريد أن نربط الفن دائمًا بالفقر، أو أن نتصرف كما لو أن الفنان محكوم بالعجز عن بناء حياة كريمة. الأمر صعب، لكنه ليس مستحيلًا، ويحتاج إلى مبادرة وتنظيم وإمكانات ومؤسسات داعمة. تكون الصعوبة أشد أحيانًا بالنسبة إلى الفنان الرجل، لأن مجتمعنا يتوقع منه أن يكون معيلًا، وأن يشارك زوجته في تحمل نفقات الأسرة، وأن يوفر لها منزلًا وحياة محترمة. وقد تدفع هذه الضغوط بعض الفنانين إلى اتخاذ خيارات فنية لا تنسجم مع قناعاتهم. قد نجد، مثلًا، شابًا فلسطينيًا من أم الفحم يشارك في مسلسل «فوضى»، ثم يتعرض لهجوم شديد وتُغلق أمامه أبواب كثيرة في العالم العربي ويواجه المقاطعة. وقد يقول: «أنا أتقاضى أجرًا هناك، وعليّ دفع أقساط منزلي وسيارتي وإعالة أسرتي». وبعض الفنانين يهاجرون ويعملون في الخارج هربًا من هذه الإشكالية ومن الجدل الدائم حول التطبيع. وفي المقابل، يعتمد كثير من الشباب والصبايا، وخصوصًا النساء، على أنفسهم وينتجون أعمالهم ويقيمون حفلاتهم وعروضهم بإمكاناتهم الخاصة. أنا لا أرى أن المشكلة في مشاركة الفنان في «فوضى» تقتصر على اتهامه بالتطبيع. في رأيي، هذا ليس مسلسلًا فنيًا بريئًا، بل عمل تحريضي شديد السوء يسيء إلى شعبنا. لذلك ينبغي للفنان الفلسطيني، بل لكل فنان في العالم، أن يفحص المحتوى الذي يقدمه. الفنان ليس مجرد جسد يؤدي دورًا ويحصل في المقابل على المال. يجب أن يكون قادرًا على الوقوف خلف المشروع الذي يشارك فيه، وأن يتحمل مسؤوليته الأخلاقية والفنية تجاهه. أنا لا أوافق على مهاجمة الفنانين والتشهير بهم، لكنني أقول إن في إمكان الفنان الفلسطيني أن يقرأ النص قبل قبوله، وأن يسأل نفسه: ما الصورة التي يقدمها هذا العمل؟ وهل يستطيع أن يقف خلفها؟ إذا دُعيتُ، مثلًا، إلى أداء دور امرأة فلسطينية مبني على أفكار مسبقة، أو وجدت أن السيناريو يحرض على المجتمع الفلسطيني ويقدمه إلى المشاهد الإسرائيلي أو الغربي بصورة مشوهة وسيئة، فلن أشارك فيه. لن أستفيد من عمل يحولني إلى أداة لتكريس الصورة النمطية عن شعبي، حتى لو كان المقابل المادي مغريًا. لقد تعرضت أنا أيضًا للانتقاد لأنني غنيت في القدس أو على مسارح داخل البلاد، ووُصف ذلك أحيانًا بأنه تطبيع. لكن في بداياتي كانت الحدود مغلقة أمامنا، ولم تكن لدينا إمكانية الوصول إلى العالم العربي، ولم يكن هناك «يوتيوب» أو «فيسبوك» أو غيرهما من المنصات التي تسمح لنا بإيصال أعمالنا إلى الخارج. عندما بدأت التفكير في إنتاج ألبوماتي، طرقت أبواب عدد كبير من رجال الأعمال الفلسطينيين، وحاولت إقناعهم بدعم إنتاج الألبومات واستمرار الحفلات، لكنهم رفضوا جميعًا. لم تكن لديّ مؤسسة تسندني أو وسيلة تساعدني على الصمود. إنتاج الألبوم والحفلة يحتاج إلى أموال؛ إذ ينبغي جمع فرقة موسيقية، وإجراء ست أو سبع أو عشر بروفات، ودفع أجور الموسيقيين وتكاليف التسجيل والإنتاج. لذلك أنتجت أعمالي من مالي الخاص، وغنيت هنا، في المكان الذي أعيش فيه. كنت أُدعى إلى مناسبات وأطر مختلفة، وأغني الأغاني الشعبية وأعمال فيروز وأغنياتي الخاصة. ومع ذلك، كان مجرد غنائي في القدس يُعد لدى بعضهم تطبيعًا. وأنا أقول: أنا لا أطبّع مع نفسي؛ أنا أسكن هنا، فأين يُفترض أن أغني؟ وإلى أين أذهب؟ وهل يجب أن أعيش في رام الله حتى أحصل على شرعية الغناء؟ ثم إن السلطة الوطنية الفلسطينية نفسها وقّعت اتفاقية أوسلو مع إسرائيل. فلماذا لا يهاجم المنتقدون السلطة على الاتفاق الذي أبرمته، بينما يعتبرون الأمر مقبولًا إذا مررت عبر حاجز عسكري، وأبرزت هويتي أمام جندي إسرائيلي كي أصل إلى رام الله وأغني هناك؟ الغناء في رام الله بعد المرور عبر حاجز لا يجعلني بالضرورة أكثر فلسطينية، كما أن الغناء في القدس لا يجعلني أقل فلسطينية أو أكثر قبولًا بالاحتلال. قد أكون أكثر عداءً للجيش والاحتلال والفاشية والعنصرية والنازية الجديدة والإرهاب اليهودي الجديد من كثيرين ممن يطلقون هذه الأحكام. أنا أحافظ على ثقافتي الفلسطينية وهويتي وجذوري بوضوح شديد، وأحمل هويتي بثقة كبيرة؛ ولذلك لا أخشى هوية الآخر، ولا أشعر بأن وجوده يلغي وجودي. هذه هي الظروف التي أتيح لي أن أعمل فيها، وهذا ما استطعت إنجازه هنا حتى الآن، ولا يزال أمامي طريق أريد أن أتابعه. لكنني أرى اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن على الفنان الفلسطيني أن يسأل نفسه بجدية: لمن يمنح صوته؟ وأين يقف؟ وعلى أي منصة يظهر؟ وما الجهة التي تستضيفه؟ وما المشروع والرواية اللذان يسهم في خدمتهما؟ كما ينبغي له ألا يخضع لما يمكن تسميته «صناعة السلام» حين تتحول إلى سوق تستخدم الفنان لتجميل الواقع وتقديم صورة زائفة عن التعايش، من دون مواجهة الاحتلال والتمييز والظلم وانعدام المساواة. فكما توجد صناعة للحرب، توجد أيضًا صناعة للسلام، وكلتاهما تستخدم الفن والفنانين. لذلك لا يكفي أن يرفع مشروع ما شعار «السلام» حتى يصبح عادلًا أو جديرًا بالمشاركة. قد يكون السلام المعروض مجرد غطاء لمحو القضية وتبييض الواقع. على الفنان أن يفحص المضمون والسياق والجهات التي تقف خلف العمل، وأن يتأكد من أن صوته لا يُستخدم لتبرير الحرب أو تغطية الاحتلال، ولا لتسويق «سلام» يتجاهل حقوق شعبه. فالمعيار ليس اسم المدينة أو المسرح وحده، بل المحتوى والرواية والعلاقة التي يقيمها العمل مع العدالة والحرية وحقوق الإنسان. |
| الكرمل : |
| كيف تنظرين إلى اهتمام، أو بالأحرى عدم اهتمام سلطاتنا المحلية ومؤسساتنا التربوية بالفن بشكل عام؟ |
| أمل مرقس : |
| حدّث ولا حرج عن تعامل سلطاتنا المحلية مع الفن والثقافة. صحيح أننا نصادف أحيانًا رئيس سلطة محلية رائعًا، يحمل فكرة ورؤية ثقافية حقيقية، ويدرك بوضوح أن الثقافة ليست ترفًا، بل عنصر أساسي لا غنى عنه في حياة المجتمع. لكن الغالبية العظمى من السلطات المحلية تضع الفن والثقافة في مرتبة متأخرة من سلم أولوياتها. ولا يختلف الوضع كثيرًا لدى لجنة المتابعة العليا والقيادات السياسية وممثلي الجماهير. يحتاجون إلى الفنانين عندما يريدون حشد الناس وتشجيعهم على التصويت، لكن عندما نطرح مشكلاتنا المهنية والمعيشية يقولون لنا: «أقيموا اتحادًا للفنانين، فهذه ليست مسؤوليتنا». لا أعتقد أن سلطاتنا المحلية تضع الفن والثقافة في سلم أولوياتها؛ بل يحدث العكس في أحيان كثيرة. وحتى في جهاز التعليم، عندما يريدون إجراء تقليصات في الميزانيات، تكون حصص الفنون من أول المواد التي تُمسّ. كما أن أعداد الطلاب الذين يتجهون إلى دراسة التخصصات الفنية في الجامعات لا تزال محدودة. ومع ذلك، يبقى الفن كامنًا في داخل الإنسان، ثم يتفجر ويبحث عن وسيلة للتعبير والعمل. والفن ليس حكرًا على مَن درسه في الأكاديميات أو حصل على شهادة جامعية فيه. أمهاتنا اللواتي يطبخن ويطرّزن ويحيكن فنانات أيضًا، والمرأة التي تعدّ طبقًا جميلًا وتزيّنه بذوق تمارس نوعًا من الفن. وأذكر أنني رأيت في السوق بائعًا يرتب الزعتر والحمص والسماق على هيئة هرم يخطف الأنظار؛ كان ما صنعه تحفة فنية حقيقية. وكذلك مَن ينسق العطور والبهارات، ومَن يصنع الحلويات، ومصفف الشعر وخبيرة التجميل. الفن موجود في تفاصيل حياتنا كلها؛ لأن في طبيعة الإنسان جانبًا فنيًا ومبدعًا. وبدل أن نقمع هذا الإبداع، علينا أن نحبه ونمنحه مساحة للنمو. لكن السلطة المحلية تتحول أحيانًا إلى جهاز جاف يعمل وفق المصالح الانتخابية. يصل أشخاص إلى مواقع المسؤولية ثم يوزعون الوظائف والخدمات والعطاءات على الذين انتخبوهم: يَعِد هذا بالتعيين، وذاك بإنجاز معاملة، وآخر بزيادة أو منفعة، حتى تُستنزف الميزانيات ولا يبقى شيء جدي للفن والثقافة. وحتى عندما تنظم السلطة المحلية مهرجانًا ثقافيًا كبيرًا، أو «سوق الميلاد»، أو سوقًا شعبيًا، أو حفلات وأمسيات في رمضان، سرعان ما يبدأ الحديث عن العجز المالي، ويقولون مستنكرين: «لماذا ندفع للمغني هذا المبلغ كله؟». هم لا يفهمون أن المغني لا يأتي وحده، بل يأتي مع فرقة موسيقية وأجهزة صوت وإضاءة وفنيين، وأن وراء ظهوره سنوات من الدراسة والتدريب والعمل. الفنان درس في الجامعة، وبذل جهدًا كبيرًا حتى بنى اسمه وطوّر قدراته. أنا درست في الجامعة ولم يمول أحد دراستي. وعندما أنتجت ألبومًا لم يدفع أحد تكاليفه. وأنا التي اشتريت ملابس العرض، ودفعت تكاليف التجميل والتحضير، وأمضيت ساعات طويلة في العمل والتفكير والعصف الذهني والبروفات. لكل هذا الجهد قيمة وكلفة، ومن حق الفنان أن يحصل على مقابل عادل عنه. لكن التعامل السائد يوحي أحيانًا بأنه لا يوجد احترام حقيقي للفن، وكأن الفن لا يُعدّ عملًا. تأتي عاملة التنظيف إلى المسرح فتحصل على أجرها، ويأتي فني الإضاءة فيتقاضى أجره، وكذلك الكهربائي وفني الصوت وسائر العاملين. وحين يصل الدور إلى الفنان، يقولون له: «تعال من باب التطوع». لماذا يُطلب من الفنان وحده أن يعمل مجانًا؟ يمكنني بالطبع أن أتطوع من أجل نشاط خيري أو إنساني، أو لمصلحة أبناء الشهداء والأسرى والمرضى، أو في فعالية ضد هدم البيوت، أو دعمًا لقضية وطنية عادلة. ليس لدي اعتراض على ذلك، بل أعدّه واجبًا في حالات كثيرة. لكن لا يجوز أن يصبح التطوع قاعدة ثابتة في التعامل مع الفنان. من غير المعقول أن يتقاضى الجميع أجورهم، ثم يبقى النقاش كله منصبًا على المبلغ الذي سيحصل عليه الفنان، وكأن أجره هو سبب العجز المالي. المشكلة أنهم لا يريدون تخصيص المال للفنان أو الاعتراف بأن عمله يستحق المقابل. ثم إن دعم الفن لا يتطلب دائمًا مهرجانات ضخمة وباذخة. يمكن إقامة سوق فنية جميلة تحت قنطرة أو في ساحة عامة، وجمع الفنانين ودعوتهم إلى عرض أعمالهم. ويمكن للسلطة المحلية أن تشتري لوحات الرسامين وتعرضها في المدارس والمباني العامة، فتدعم الفنان وتحوّل البلدة إلى مساحة فنية في الوقت نفسه. لقد نشأت في بيت كان ينظر إلى الثقافة بهذه الطريقة. كان والدي، نمر مرقس، رئيسًا لمجلس كفر ياسيف المحلي مدة عشرين عامًا، ومن أوائل ما عمل عليه تنظيم دورة للرسم بإشراف الفنان عبد عابدي، ودعم تأسيس جمعية «إبداع» للفنون. كما اشترى المجلس بيتًا قديمًا وحوّله إلى متحف وفضاء للمعارض. وأسس والدي دورات للباليه، وعزز مختلف مجالات الفن والثقافة، ودعم عددًا كبيرًا من الفنانين والمثقفين. وكان يرعى الأمسيات الفنية و«مهرجان الربيع»، الذي كنا نشارك فيه ونحن أطفال بالغناء والعروض، كما دعم فرق الدبكة والمسرح الغنائي. كانت لديه ثقافة ورؤية واضحتان، وكان يؤمن بأن الفن جزء أساسي من بناء البلدة والإنسان. واهتم أيضًا بإدخال الفن إلى الحيز العام، فاستدعى الفنان حسن خاطر من الجولان لإنجاز عمل نحتي في البلدة، وكلف فنانًا بتصميم تماثيل لنساء كفر ياسيف وهن يحملن الجرار، لتكون نصبًا تذكاريًا عند عين الماء، يستحضر النساء اللواتي كن يقصدنها ويحملن منها الماء. لكن مجلسًا جاء لاحقًا ونقل التمثال من موقعه ووضعه داخل ساحة إحدى المدارس، بدل أن يبقى في ساحة العين التي صُمم من أجلها. لم تُحترم علاقة العمل الفني بالمكان والذاكرة التي يجسدها. كما أنشأ والدي مركزًا ثقافيًا، واستعان بمهندس متخصص لتصميم أرضية خشبية وإطار صوتي ملائم للمسرح، كي تكون القاعة صالحة للعروض من الناحية الفنية. وبعد نحو عشرين عامًا، جاء رئيس مجلس آخر، فنزع خشب المسرح واستبدل به البلاط. هذا يعكس خللًا غير طبيعي وغيابًا للاستثمار والفهم الثقافي؛ فما بُني برؤية فنية يمكن أن يُهدم لاحقًا بقرار يفتقر إلى الحس والمعرفة. وهذا يعيدني إلى طريقة تلقينا للفن. ففي أعراسنا، نجلس أحيانًا والفنان يعزف أو يغني كأنه مجرد خلفية للطعام والحديث والضجيج، لا بوصفه جوهر المناسبة. بينما كان الجمهور في مصر، بدءًا من الملك فاروق ثم في عهد جمال عبد الناصر، يجلس ليصغي إلى أم كلثوم. كانت المغنية الأولى في مصر، ولا تزال تحتفظ بهذه المكانة الرمزية حتى اليوم. أما عندنا، فلا نمنح الفنان المحلي المكانة نفسها، ولا نتعامل معه بوصفه شخصية مهمة في حياة المجتمع. لا أعرف إن كان هذا خللًا بنيويًا في ثقافتنا أو نتيجة ظروف تاريخية وسياسية، لكنه واقع واضح. وفي المقابل، نرى ظاهرة ملتبسة أخرى؛ فقد أصبحت أبيات الشعر وكلمات الأغاني تُطبع على فناجين القهوة والصحون واللوحات والقمصان، ونرى عبارات من قصائدنا وأغاني أم كلثوم تدخل كل بيت. من جانب، يمكن القول إن هذا جميل، لأن القصيدة أصبحت جزءًا من الحياة اليومية ووصلت إلى الناس. ومن جانب آخر، قد يكون ذلك نوعًا من تسليع الشعر والفن وتحويلهما إلى منتجات تجارية. لهذا تبدو علاقتنا بالفن غريبة ومتناقضة: يوجد حب للفن وإعجاب به، لكن يوجد في الوقت نفسه تهميش وإجحاف بحق الفنان المحلي. يُستهان به ويُنتقص من حقه، وإذا كانت الفنانة امرأة يصبح التهميش أشد. وإذا كانت صاحبة موقف أو أجندة اجتماعية وسياسية، فقد تُمنع من الغناء وتُحارب وتُغلق أمامها الأبواب. وأقول أحيانًا مخاطبة وطني: «يا وطني، أنا أحبك كثيرًا، لكن هل تحبني أنت؟». |
| الكرمل : |
| إلى أي مدى ترين أن الأغنية الفلسطينية ما زالت قادرة على حمل الذاكرة الوطنية إلى الأجيال الجديدة؟ |
| أمل مرقس : |
| الأغنية الفلسطينية قادرة على ذلك بقوة كبيرة، وهي أحد أهم الأعمدة التي تحمي ذاكرتنا الوطنية، وتحمل القضية الفلسطينية وصوت الإنسان الفلسطيني إلى الأجيال الجديدة وإلى العالم. ومنذ السابع من أكتوبر وحرب الإبادة وما رافقهما من تصعيد مخيف، أرى اهتمامًا أكبر باستعادة الذاكرة الفلسطينية: البيت، والأرض، والقرية، والجدة، والبيئة، والسناسل، وكل التفاصيل التي تشكل علاقتنا بالمكان. خذ، مثلًا، مقطوعة فراس «سناسل»، التي تتناول السلسلة الحجرية الفلسطينية بوصفها جزءًا من الأرض والذاكرة. هذه التفاصيل الصغيرة ظاهريًا تحمل في داخلها موروثًا كاملًا، وأنا كلما تقدمت في العمر أدركت أكثر حجم هذا الموروث وأهميته. أرى اليوم انتشارًا واسعًا لهذا التوجه. أستطيع أن أعدد نحو عشرين مغنية شابة من البلاد أصبحن يغنين عن فلسطين، ويرتدين الثوب الفلسطيني، ويقدمن التراث والأغنية الوطنية. وحتى الفنانات والفنانون الذين غادروا البلاد يحمل كثيرون منهم الثقافة والفن الفلسطينيين إلى أماكن إقامتهم ويسهمون في إحياء الذاكرة. قد يمتلك بعض هؤلاء الفنانين معرفة ثقافية عميقة، وقد يحتاج بعضهم الآخر إلى تطوير معرفته ووعيه، لكن وجود هذا الحراك مهم في حد ذاته. وإذا كان هناك ضعف في الجانب الثقافي، فعلينا أن نعالجه بالمعرفة والبحث والتعلم، لا بإغلاق الأبواب أمام التجارب الجديدة. استمرار الثقافة لا يتوقف دائمًا على المؤسسات الرسمية. عكا، مثلًا، مدينة تديرها بلدية إسرائيلية، لكن شبابها يستطيعون بمبادراتهم الذاتية ترميم مكان قديم في الميناء وإعادة الثقافة العربية الفلسطينية إليه. يستطيعون تنظيم معرض فني أو معرض كتاب أو عرض فيلم أو لقاء مع كاتب أو أمسية موسيقية. هناك فضاءات ثقافية في عكا تعمل منذ سنوات بمبادرات مستقلة، من دون دعم فعلي من المجلس أو البلدية. وهذا يدل على وجود طاقة ذاتية واقتصاد ثقافي مستقل؛ فهناك شباب وصبايا يبادرون ويخلقون بأنفسهم المساحات التي يحتاجون إليها. كما منحتنا المنصات الرقمية فرصًا جديدة، وأسهمت في زيادة حضور الأغنية الفلسطينية وانتشارها. لذلك لا أرى أن الذاكرة تتراجع؛ على العكس، أرى أن الأغنية الفلسطينية تبرز بقوة أكبر، وأن أجيالًا جديدة تتمسك بها وتعيد تقديمها بلغتها وأدواتها. انظروا، مثلًا، إلى مقدار الاحتفاء الذي حظي به زياد الرحباني. أغانيه تُعد من الأغاني الملتزمة؛ فهي تتناول حياة الناس وهمومهم، وقضايا المرأة ومساواتها، والأرض والوطن والعمال، وتسخر من الحكومات والقيادات والزعماء. وقد ظل هذا الموروث حيًا، وعاد إلى الواجهة بكثافة كبيرة. هناك إذن وعي متجدد، رغم أن المرء أصبح أحيانًا يخشى استخدام كلمة «وعي» لكثرة ما استُهلكت أو أسيء فهمها. لكننا نشهد فعلًا إحياءً مكثفًا للموروث الفني، حتى إن أسماء فنانين ومبدعين حوربوا في حياتهم باتت تُكرّم اليوم وتُطلق على شوارع وأماكن عامة. هذه مفارقة، لكنها تؤكد أن الفن الحقيقي يبقى ويتجاوز مَن حاولوا محاصرته. وفي المقابل، هناك فنانون فلسطينيون يحققون انتشارًا تجاريًا واسعًا من دون أن يقدموا بالضرورة أغنية فلسطينية من حيث النص واللحن والأسلوب. نرى أسماء شابة مثل سان ليفانت وإليانا وزين، وهم فنانون ناجحون يشتغلون ضمن أنماط عالمية وتجارية حديثة. قد يتصرف هؤلاء ويؤدون بأسلوب غربي، لكنهم يقدمون أنفسهم بوصفهم فلسطينيين. سان ليفانت، مثلًا، يعلن انتماءه إلى غزة وفلسطين، وإليانا، ابنة الناصرة التي عاشت في تشيلي، تغني بالعربية بأسلوب عالمي قد يذكّر المستمع بشاكيرا أكثر مما يذكّره بالأغنية الفلسطينية التقليدية، لكنها تُقدَّم في النهاية بوصفها مغنية فلسطينية. هذا نجاح مهم من زاوية الحضور والهوية، لكنني لا أقول بالضرورة إن جميع هذه التجارب تحمل الذاكرة الفلسطينية أو تعمل على إحيائها. أحيانًا يستفيد بعض الفنانين أو العاملين في الصناعة الفنية من رواج القضية الفلسطينية، ويركبون موجتها لأنها تمنحهم انتشارًا واهتمامًا. وأنا لا أوافق على ركوب موجة القضية الفلسطينية من أجل الشهرة؛ فهذا أمر معيب. وفي الوقت نفسه، لا أريد أن أحوّل الفنان الفلسطيني إلى منشور سياسي دائم. يجب أن تكون له الحرية في أن يكون فنانًا وإنسانًا أولًا، وأن يختار لغته الفنية. فالهوية الثقافية ينبغي أن تنبع من تجربته بصدق، لا أن تُفرض عليه بوصفها شرطًا لقبوله أو تسويقه. لا أريد أن تُوجَّه إليّ الدعوات فقط لأن الحرب اندلعت أو لأن المؤسسات الغربية أصبحت تبحث عن «فنانة فلسطينية». صحيح أن عددًا من الدعوات والعروض في الخارج يرتبط بموقفي السياسي وبمَن أكون، لكن هذا يحمل تناقضًا واضحًا: يدعونني لأنني فلسطينية، ثم يخشون أن أقف على المسرح وأتحدث عن فلسطين. دعيت مرة إلى مهرجان فلسطيني مهم، وطُلب مني ألا أغني أغنيات سياسية أو وطنية واضحة. قالوا لي إن الجهات المسؤولة قد تغلق المسرح إذا فعلت ذلك. وأنا أتفهم خوف المنظمين، لكن السؤال يبقى: لماذا يُغلق المسرح أصلًا لمجرد أن فنانة فلسطينية تغني عن فلسطين؟ أعرف أيضًا فنانة فلسطينية شابة وناجحة جدًا على وسائل التواصل الاجتماعي، من منطقة المثلث، كانت تتلقى دعوات لإحياء عروض في بلدات مختلفة. وكلما أعلنت بلدية أو جهة محلية استضافتها، تدخلت جهات وضغوط سياسية وطالبت بإلغاء الحفلة، حتى وجدت نفسها بلا عروض. قلت لها: «احملي مشروعك وتعالي إلى الناصرة، أو اذهبي إلى مسرح واستأجري القاعة بنفسك، وادفعي تكاليف الصوت والإضاءة وقدّمي حفلتك كما أفعل أنا». فالعمل المستقل يحتاج إلى مبادرة ذاتية، وعلى الفنان ألا ينتظر دائمًا أن تفتح له المؤسسات أبوابها؛ إذ قد يضطر إلى خلق مساحته بنفسه كي يواصل تطوير تجربته. نحن نعيش وضعًا بالغ السوء والصعوبة، في ظل العنصرية والملاحقة والتدهور السياسي. كما نواجه اتهامات التطبيع بأشكال متعددة، فيما نخوض في الحقيقة معركة وجودية: هل نعيش أم نموت؟ هل نُقتل أم ننجو؟ نواجه عنف الشرطة والجيش، والعنف والجريمة في مجتمعنا، وهما أيضًا مرتبطان بالسياسات العامة. ويختلف شكل الخطر إذا كنت في غزة أو الضفة الغربية أو الريف أو المدن، لكنه في النهاية جزء من معركة وجودية واحدة وقاسية. وفي المقابل، تظهر في حياتنا تناقضات مخيفة. نرى أعراسًا شديدة البذخ، وموائد ومناسبات تتجاوز كل الحدود، ونرى رغبة متزايدة في السفر والاحتفال والاستهلاك، كأن الناس يريدون انتزاع أكبر قدر ممكن من المتعة قبل أن يحدث شيء آخر. نحن هنا لم نعش القصف والجحيم نفسيهما اللذين عاشهما الإنسان في غزة، ولا يجوز مساواة التجربتين، لكننا تأثرنا نفسيًا بما حدث. قد تكون المبالغة في الإنفاق والاحتفال نوعًا من التعويض عن الخوف والفقدان؛ فالناس تشعر بأن الحياة أصبحت رخيصة، وأن كل شيء قد ينتهي في يوم واحد، فتقول لنفسها: «دعنا نفرح الآن». ربما نعوض بذلك عن خسارات كثيرة: فقدنا بيوتًا وأماكن وأشياء عزيزة، ونعيش شعورًا مستمرًا بعدم الأمان. لكنني فنانة ولست باحثة في علم الإنسان أو الأنثروبولوجيا، ولذلك لا أدّعي امتلاك تفسير علمي كامل لهذه الظواهر؛ إنما أتحدث عما أراه وأشعر به. ومع كل هذا الواقع الصعب، أنا لست محبطة ولن أسمح لنفسي بأن أكون كذلك. لا أدّعي أنني متفائلة بكل شيء؛ فأنا أرى الأخطاء والمآسي والصعوبات بوضوح. لكن لدي فلسفة في الحياة تقول إن السعادة تأتي من الأمور الصغيرة. أن أجلس معكم في مكان ثقافي جميل ونجري هذا الحوار هو مصدر سعادة لي. وأن أرى مبنى أثريًا في ميناء عكا، عمره ربما خمسمئة سنة أو أكثر، وقد رُمم وتحول إلى فضاء نابض بالثقافة، فهذا يمنحني السعادة والأمل. وبجوارنا بائع سمك، لكنه لم يعد قادرًا على الصيد كما كان، بسبب القيود الإسرائيلية المفروضة على الصيادين وعلى حركة الصيد، كما فُرضت القيود على السوق الشعبي وعلى جوانب أخرى من حياتنا. هذا تناقض واضح: جمال البحر والمكان من جهة، والقيود المفروضة على الإنسان الذي يعيش منهما من جهة أخرى. لكن وسط هذا التناقض يوجد حراك ثقافي حقيقي: يوم السبت معرض كتب، ويوم الجمعة عرض أفلام، ثم حوارات مع كتّاب وأدباء، إلى جانب الحفلات والأمسيات. وأنا سعيدة جدًا لأن هذه الأنشطة تعيد الحياة إلى المكان. يكفيني أيضًا أن أنظر إلى بحر عكا وأراه جميلًا. لدي مصادر كثيرة للسعادة، وأهمها أنني ما زلت أمتلك الدافع والرغبة في الإنتاج والعمل والغناء، وأن لدي طموحات ومشروعات جديدة. كتبت بداية مسرحية غنائية، وأنتجت عرضًا جديدًا بعنوان «اشتقنا»، وقدّمته في حيفا في الرابع من حزيران/يونيو. كما أستعد لجولة عروض جديدة، وأعمل على مشروع يضم أغاني البحر والبحارة والموانئ من فلسطين ومختلف أنحاء العالم العربي. أريد أن أمزج هذه الأغاني في عمل مسرحي غنائي يحمل البحر والذاكرة والناس والموانئ التي ربطت مدننا وثقافاتنا بعضها ببعض. ما دمت قادرة على أن أحلم وأنتج وأغني، فإن الذاكرة الفلسطينية ستبقى حية، وستجد دائمًا مَن يحملها إلى الجيل التالي. |
| الكرمل : |
| يرتبط اسمك لدى الأجيال المخضرمة باسمي والديك نمر ونبيهة مرقس . حدثينا عنهما . |
| أمل مرقس : |
| أطال الله عمر والدتي نبيهة دلة مرقس، ورحم والدي نمر مرقس. أنا فخورة جدًا بأهلي، وكان مهمًا بالنسبة إليّ أن يشعروا هم أيضًا بالفخر بي. أول ما زرعاه في داخلي كان حب الوطن والأرض، لا بوصفهما شعارًا أو رمزًا مجردًا، بل بمعنى الارتباط الحقيقي بالمكان. علّماني أن أثبّت قدميّ على الأرض، وألا أعيش في عالم خيالي، وأن أعرف من أين أتيت وإلى أين أريد الذهاب. وفي محطات كثيرة من حياتي، كان هذا الوضوح بفضلهما. أحاطا طفولتي بالجمال؛ فقد كانت في بيتنا تماثيل صغيرة لراقصات الباليه، وصور وآلات موسيقية، وكتب كثيرة. وكان البيت مفتوحًا أمام الأدباء والفنانين والشخصيات الثقافية والسياسية المعروفة. كنت أرى توفيق زياد يدخل بيتنا، ويخلع حذاءه ويجلس قرب المدفأة، كما استقبل البيت جمال موسى وسميح القاسم، رحمه الله، وشكيب جهشان، إلى جانب عدد كبير من الأدباء والفنانين. لم تكن الثقافة عندنا فكرة نظرية، بل كانت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. كان والدي يهدينا الكتب في أعياد ميلادنا، ويصطحبنا معه إلى قطف الزيتون. قد تبدو هذه أمورًا بسيطة، لكنها كانت جميلة وعميقة الأثر؛ لأنها ربطت بين الكتاب والأرض، وبين الثقافة والحياة. وكان لوالديّ، في الأساس، مشروع ورسالة. كانا يستيقظان صباحًا وهما يحملان همّ بناء المؤسسات الفلسطينية في الداخل، وتعزيز صمودنا وبقائنا، ومساندة الفئات المستضعفة. كانت والدتي تعمل إلى جانب العاملات في مصنع «غيبور»، وتطالب بحقوقهن، وترافقهن إلى وزارة العمل. لم يكن دعم العمال والنساء عندها مجرد شعار سياسي، بل ممارسة يومية ومواجهة فعلية مع المؤسسات. أما والدي، فكان يعيش فلسطين بقدميه. لم تكن لديه سيارة في بداياته، ومع ذلك كان يتنقل في مختلف أنحاء الوطن، ويصل إلى القرى والمدارس العربية ويعلّم طلابها. درّس في دير الأسد والبعنة والجش وبلدات أخرى، قبل أن يبلغ الخمسين، وأسهم في تعليم أجيال أصبح عدد من أبنائها لاحقًا أصحاب مواقع أكاديمية ومهنية مهمة. هذا الموروث علّمني الكثير. أتذكر أنني كنت أرافق والدي إلى مطبعة صحيفة «الاتحاد»، وأراه يرتب أحرف الطباعة المعدنية في صفوفها. هناك تعرّفت إلى الحروف، ومن خلاله تعلمت اللغة العربية وأحببتها. كان والدي صاحب لغة عربية رفيعة، وكان يكتب المقالة والقصة القصيرة، وأصدر عددًا من النصوص والكتب، إلى جانب سيرته الذاتية. وتناوله بعض مَن كتبوا عن أدب المقاومة في الداخل، مشيرين إلى موهبته الأدبية وإلى قصصه ومقالاته في الفن والأدب. ومن المقالات التي تركت أثرًا عميقًا فيّ مقالة كتبها بعنوان «غويا، الرسام الثائر». فمن خلالها تعرفت إلى الفنان الإسباني فرانثيسكو غويا، الذي عمل رسامًا لدى البلاط الملكي، لكنه حين شهد قتل الفلاحين والمدنيين، وجّه الضوء في لوحاته إلى الضحايا الذين تسقطهم رصاصات الجيش، لا إلى بطولات الملك. تعلمت من والدي أن الرسام الثائر كان، بصورة ما، صحفيًا قبل ظهور الصحافة المرئية الحديثة؛ فقد وثّق الجريمة بلوحته، ووضع الحقيقة أمام الناس. وكان والدي يقص المقالات والصور من الصحف والمجلات ويعلّقها في مكتبه. ومن خلال تلك القصاصات تعرفت إلى غويا ورينوار وبيكاسو ولوركا، وإلى أنجيلا ديفيس، المناضلة والمفكرة الأفروأميركية التي ما زالت حاضرة حتى اليوم. لقد كان مكتبه نافذة واسعة أطللت منها على الفن والأدب والسياسة والعالم. وفي البيت أيضًا كنت أسمع والدتي وهي تدرب فتيات الشبيبة الشيوعية على الدبكة والأغاني الشعبية الفلسطينية. لذلك تداخل الفن والسياسة والتراث في تكويني منذ طفولتي، ولم تكن بينها حدود مصطنعة. كان والداي شيوعيين وتقدميين، وكانا يؤمنان بحقوق المرأة، لكن هذا الإيمان لم يبقَ في مستوى الشعارات. فقد منحاني دعمًا حقيقيًا لأكون امرأة فلسطينية واثقة في مجتمع تقليدي. كانت الرسالة التي تصلني منهما واضحة: أنت قادرة على الوقوف على قدميك، والاستقلال اقتصاديًا، والدراسة والعمل والتقدم. نحن نثق بك ونؤمن بقدرتك، ويمكنك أن تتعلمي وتخرجي إلى العالم وتواجهيه. هذا لا يعني أنه لم تكن في بيتنا حدود أو نقاشات أو أصوات مرتفعة. كان هناك توجيه وتأديب، وكانت والدتي، المولودة عام 1939، لا تقبل كل شيء بسهولة. لديها قواعدها وقيودها، وكانت تتدخل وتناقشني باستمرار. لكن الحوار بيننا كان بنّاءً. أنا أحب أن أناقش أمي، وأن نختلف ثم نعود ونتفاهم. علاقتنا لم تكن علاقة أم تقليدية تقول لابنتها دائمًا: «الله يرضى عليك يا حبيبتي»، وتنتهي المسألة. كانت أمي تقول رأيها بوضوح، وتضع الحدود، ونتجادل ونتعلم بعضنا من بعض. وفي الوقت نفسه، جمعتنا لحظات جميلة كثيرة من الضحك والعمل والبرامج المشتركة والحوارات الطويلة. كانت قوة العائلة والدعم العائلي عنصرين أساسيين في تكويني وفي قدرتي على مواصلة مسيرتي. كما تأثرت حياتنا بملاحقة أجهزة الأمن لوالدي، وبالإقامة الجبرية والاعتقالات التي تعرض لها في بدايات نشاطه السياسي، ثم بمسؤولياته حين أصبح رئيسًا للمجلس المحلي. كبرت وأنا أعرف شوارع كفر ياسيف وبيوتها وأهلها. كنت أوزع صحيفتي «الغد الجديد» و«الاتحاد»، وأجمع التبرعات للضفة الغربية ولحملات الإغاثة، وأدخل بيوت الناس وأتعرف إليهم عن قرب. لم أتعامل مع أهل البلدة يومًا بفوقية لأنني ابنة رئيس المجلس، ولا لاحقًا لأنني أصبحت فنانة معروفة. بقيت أرى نفسي بنت البلد، واحدة من ناسها. وأنا ممتنة لوالديّ لأنهما جعلا حب كفر ياسيف والوطن جزءًا أساسيًا من شخصيتي. لكنني لا أعرف دائمًا إلى أي مدى تبادلني البلدة هذا الحب. أعرف أن كثيرًا من الناس يحبونني ويقدّرون والدي، لكنني لست واثقة من أن المؤسسات السياسية والحزبية في البلدة تريد الحفاظ على اسم نمر مرقس وإرثه كما ينبغي. مرّت نحو ثلاثة عشر عامًا على رحيله، وحتى اليوم لم أجد أن اسمه أُطلق بما يليق على مؤسسة أو مكان عام، ولم تُعلّق صورته في القاعة التي ارتبطت بجزء كبير من عمله وعطائه. لذلك أشعر أحيانًا بمرارة؛ ليس لأنني أبحث عن تكريم شخصي لوالدي، بل لأن حفظ إرثه يعني حفظ مرحلة كاملة من العمل الثقافي والسياسي والجماهيري في كفر ياسيف. فمَن يبني المؤسسات، ويدعم العمال والنساء والفنانين، ويزرع الكتب والفن وحب الأرض في الأجيال، يستحق ألا يُمحى اسمه من ذاكرة المكان. |
| الكرمل : |
| في واقع يزداد فيه الخوف والاستقطاب بين العرب واليهود، هل ما زلتِ تؤمنين بأن الفن قادر على بناء مساحة مشتركة؟ |
| أمل مرقس : |
| لا. أريد أن أكون صريحة جدًا: لا أعتقد أن الفن قادر، في حد ذاته، على بناء مساحة مشتركة حقيقية ما دام الاحتلال قائمًا، والاستيطان يتوسع، والنظام الفاشي يزداد قوة. قد يسهم الفن في تقريب أشخاص بعضهم من بعض، ويفتح نافذة للحوار أو يصنع لحظة إنسانية جميلة، لكنه لا يستطيع وحده تغيير البنية السياسية القائمة. أشعر بأن الفلسطيني في الداخل، سواء أكان فنانًا أم سياسيًا أم عاملًا اجتماعيًا أم طبيبًا، بذل جهدًا كبيرًا جدًا للتعرف إلى المجتمع اليهودي والتعامل معه. نتعلم اللغة العبرية منذ سن السابعة، ونتحدث مع اليهود بلغتهم، وندرس أدبهم وثقافتهم وفنونهم وعلومهم، ونتعلم في جامعاتهم باللغة العبرية. نركب الحافلة والقطار إلى جانب جنود يحملون السلاح، ونتعامل معهم كأشخاص عاديين يشكلون جزءًا من واقعنا اليومي. زرت بلدانًا كثيرة في العالم، ولم أرَ حضور الجنود المسلحين في الأماكن المدنية بالصورة التي نراها هنا. ومع ذلك، اعتدنا وجودهم وتعايشنا معه بوصفه جزءًا من حياتنا المفروضة. الفلسطيني المهجّر الذي يعيش في أبو سنان أو غيرها من البلدات يستطيع أن يرى قريته وبيته الذي حُرم منه، ومع ذلك لم يذهب منذ عام 1948 ليرشق المستوطنة المقامة على أرضه بحجر، ولم يعتدِ على سكانها. يعيش اللاجئون على مرأى من قراهم وبيوتهم، ويحملون هذه الذاكرة من دون أن يحولوها إلى اعتداء على المدنيين. وفي كفر ياسيف مقبرة يهودية قديمة. هل أحرقها أحد يومًا أو اعتدى عليها أو نبش قبورها؟ لم يحدث ذلك. في المقابل، تُنتهك مقابرنا وتُعتدى عليها في أماكن كثيرة. كل هذا خلق لديّ عتبًا وغضبًا كبيرين تجاه الأغلبية الإسرائيلية، بل جعلني أتخلى إلى حد ما عن محاولة إقناعها. لا أريد أن أمضي حياتي في إقناع أحد بإنسانيتي وحقوقي. أعتقد أنني بذلت جهدًا كافيًا للتعرف إلى ثقافتهم وحياتهم، وتعلمت لغتهم ودرست في جامعاتهم، لكنني لا أرى أن الأغلبية بذلت جهدًا مشابهًا للتعرف إلينا. على العكس، نشهد اليوم قمعًا متزايدًا للغة العربية، ومحاولات لمنع حضورها وتقليص وجودنا عمومًا، وتضييق الحيز المتاح لنا أكثر فأكثر. أما إذا كان الحديث عن مساحة صغيرة تضم مجموعات من اليساريين الراديكاليين أو التقدميين اليهود، فهؤلاء شركاء بالتأكيد. إنهم الأشخاص الذين يرفعون القضية الفلسطينية بجرأة، ولا يتحدثون باسم الفلسطينيين، بل يقولون: «هذه الجرائم تُرتكب باسمنا، ونحن نرفضها». مع هؤلاء أستطيع أن أعمل وأتعاون. لكن إذا كان السؤال هو: هل يستطيع عمل فني عربي–يهودي في المرحلة الحالية أن يغير الواقع؟ فجوابي هو: لا، لا أعتقد ذلك. توجد بالطبع تجارب وأعمال مشتركة، لكنني لا أرى أنها قادرة الآن على إحداث التحول السياسي والاجتماعي المطلوب. وكما قلت سابقًا، لا ينبغي للفنان أن يركب موجة القضية الفلسطينية ويكتب عن الشهداء والأسرى والسجناء لكي يحقق الربح والشهرة؛ فهذا أمر معيب. عليه أولًا أن يصنع فنًا حقيقيًا، ثم إذا استطاع من خلال فنه أن يتحدث عن الناس والمستضعفين والمقاومة، وأن يحوّل عمله إلى جزء من ذاكرة شعبه، فهذا أمر مهم وجميل. والأمر نفسه ينطبق على موجة «التعايش». ليس مقبولًا أن يستغل الفنان الحرب ليقدم فجأة مشروعًا عربيًا–يهوديًا، ويحصل بسببه على الأموال والدعوات إلى المهرجانات المحلية والدولية، لمجرد أن صورة العربي واليهودي معًا أصبحت قابلة للتسويق. أنا ضد هذا النوع من الاستغلال. أما إذا جاء فنان يهودي وقال بوضوح: «أنا ضد الاحتلال، وضد الجرائم التي تُرتكب باسمي، وأريد أن أقف إلى جانبكم»، ثم شاركني المظاهرة، وطالب بحقوقي، وانحاز بصورة واضحة إلى العدالة، واعترف بالانتهاكات التي يتعرض لها أبناء شعبي؛ فهذا أمر مختلف، ومعه يمكن أن تنشأ شراكة حقيقية هناك أيضًا شبان يهود يتعلمون العود ويغنون الموسيقى العربية، وهذا جميل على المستوى الإنساني والفني. لكنني، في المرحلة الحالية، لا أؤمن كثيرًا بأن هذا وحده يغيّر الواقع. ولو كان قادرًا على تغييره لكان قد فعل ذلك منذ زمن. أنا أعرف جيدًا ما يغنيه الإسرائيليون، لأنني نشأت هنا وأعرف ثقافتهم الموسيقية. وربما يكون الإسرائيليون من أكثر الشعوب إنتاجًا لأغاني السلام، لكن واقعهم السياسي أصبح أكثر عنفًا وحربًا وعنصرية. وفي المقابل، نحن لا نمتلك العدد نفسه من أغاني السلام، بل تضم بعض أغانينا الشعبية والوطنية لغة قتالية وحماسية، مثل الحديث عن الهجوم وضرب الحناجر، لكننا لسنا الطرف الذي بنى منظومة الاحتلال والاستيطان. ظهرت أعمال فنية كثيرة تناولت العلاقات العربية–اليهودية بصورة جميلة. قدّمت أعمال سيد قشوع، مثل «شغل عرب» و«المدرسة»، معالجة ساخرة وإنسانية لهذا الواقع، وعرضت تناقضات الهوية والحياة المشتركة اليومية. وتحضر هذه المسألة أيضًا في رواية «قناع بلون السماء» للأسير باسم خندقجي، التي كتبها في السجن. تتناول الرواية شابًا فلسطينيًا يعثر على هوية إسرائيلية، فيدخل من خلالها إلى فضاء إسرائيلي ويبحث في الوقت نفسه عن جذوره وتاريخه. وتظهر فيها علاقة مع امرأة إسرائيلية، في مقابل ارتباطه بهويته الفلسطينية وبالمرأة العربية التي تشاركه قضيته ونضاله. كما تناول غسان كنفاني هذه المسألة في «عائد إلى حيفا»، من خلال الطفل الفلسطيني خلدون الذي فُقد في حيفا عام 1948، وتبنّته عائلة يهودية وربّته وأطلقت عليه اسم دوف، قبل أن يصبح جنديًا إسرائيليًا. وتظهر الفكرة أيضًا في رواية سوزان أبو الهوى «بينما ينام العالم»، من خلال الطفل الفلسطيني إسماعيل الذي يُختطف من عين حوض، ويأخذه جندي إسرائيلي إلى زوجته التي لم تكن قادرة على الإنجاب، فينشأ باسم وهوية جديدين داخل عائلة يهودية. هذه العلاقة الملتبسة بين الفلسطيني واليهودي، وبين الذاكرة والهوية والاقتلاع، حاضرة باستمرار في الثقافة الفلسطينية. فاليهودي يظهر في أدبنا وفننا، لكن وجوده ليس ثابتًا أو بسيطًا؛ إنه مرتبط دائمًا بالسؤال عن الاحتلال والبيت والهوية والعدالة. وفي الولايات المتحدة استُخدم الفن والتلفزيون أيضًا لجمع السود والبيض وعرض حياة الأميركيين الأفارقة وقضاياهم. أتابع، مثلًا، مسلسلًا شهيرًا بعنوان «مدرسة أبوت الابتدائية»، يتناول حياة معلمين ومعلمات سود، وظروف عملهم والتحديات التي يواجهونها بسبب ضعف الميزانيات في المدارس الأميركية. هذه الأعمال مهمة وجميلة، وتتيح للناس رؤية حياة الآخر ومشكلاته. لكن لو كانت مسلسلات التعايش والبرامج الفنية المشتركة قادرة وحدها على صنع واقع أفضل، لكان هذا الواقع قد تحقق منذ زمن. هي تمنحنا لحظة جميلة، وتذكّرنا بأن لدى الناس جانبًا إنسانيًا آخر، وقد تترك وثيقة فنية مهمة تبقى للمستقبل. ولا أقول إن صانعيها أساؤوا بمجرد تقديمها؛ على العكس، قد تكون أعمالًا رائعة وضرورية من الناحية الفنية والتوثيقية. لكنها على أرض الواقع لم تغيّر اتجاه المجتمع الإسرائيلي، ولم تؤثر بما يكفي في رأيه العام. بل نرى أن العنصرية تزداد عامًا بعد عام، فيما بقيت أغلبية إسرائيلية صامتة لم تتصدَّ بجدية لما حدث خلال العقود الثلاثة الأخيرة ولم تقاومه. وستكون الانتخابات المقبلة اختبارًا جديدًا: هل ستخرج هذه الأغلبية لتغير المسار، أم ستواصل الصمت وتسمح باستمرار الواقع نفسه؟ لذلك لا أعتقد أن الفن العربي–اليهودي، في صيغته الراهنة، قادر على بناء المساحة المشتركة التي نتحدث عنها. قد يطيّب الخاطر، ويرفع المعنويات، ويصنع لحظة إنسانية جميلة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الموقف السياسي أو أن ينهي الاحتلال والاستيطان والعنصرية. ومن دون عدالة ومساواة واعتراف بالحقوق، تظل المساحة المشتركة مشهدًا فنيًا مؤقتًا، لا واقعًا حقيقيًا. |
| الكرمل : |
| لو أُعطيتِ فرصة لإيصال رسالة واحدة فقط، من خلال أغنية أو كلمة، إلى الجيل الفلسطيني والعربي الشاب الذي يعيش هذه المرحلة الصعبة، ماذا تريدين أن تقولي له؟ |
| أمل مرقس : |
| سأختار أغنية «تعالوا أيها الشعراء»، التي تدعو العمال والأطفال والشعراء إلى الاجتماع والحلم بالغد الآتي، وإلى إعادة النبض والنور والنضارة إلى عالمنا العجوز، لأن هذا الكون، بكل جماله وثرواته وأسراره، هو ميراث الأجيال الجديدة. تقول الأغنية: «تعالوا أيها العمال، أيها الأطفال، أيها الشعراء». وأنا أحب هذا الجمع؛ فالفنان والشاعر هما صاحبا الحلم، لكنهما لا يقفان وحدهما. معهما الأطفال والعمال والأطباء والمحامون وسائقو سيارات الأجرة والعاملات في التجميل، وكل إنسان يعمل ويحلم. نحن جميعًا جزء من هذا العالم، وعلينا أن نبنيه معًا. ما زلت أرى في العالم أشياء جميلة؛ فأنا أسافر وأتنقل وأشاهد أماكن وثقافات مختلفة، وأرى فلسطين أيضًا جميلة. وفي الوقت نفسه أرى القبح والوساخة والعنف والإرهاب ونكران الجميل. أرى كل ذلك بوضوح، لكنني أختار أن أبحث عن الجميل وأبرزه. إنه اختيار واعٍ أقوم به لكي أواصل الحياة. وأحيانًا أختار أن أعيش في عالم موازٍ اسمه الفن. الفن ليس العالم الواقعي، لكنه عالم جميل يحميني ويمنحني القدرة على الاستمرار، من دون أن يعميني عن الواقع أو يجعلني أنكر قسوته. لدي اليوم مشروعات فنية جديدة تمنحني هذا الدافع. أعددت ألبومًا جديدًا بعنوان «تنفّس»، بالتعاون مع الفنان وعازف البيانو الإيطالي أليساندرو سغوبيو. كما أشارك في عروض ومهرجانات جديدة، وأواصل عملي في مجالات الغناء والمسرح والتعليم الفني. وقد تسلمت أخيرًا مهمة إدارية تربوية جديدة في كلية متخصصة بالمسرح، إلى جانب عملي محاضِرة فيها. هذا التطور يسعدني، لأنه يمنحني فرصة لنقل تجربتي إلى جيل جديد من الفنانين، ومساعدتهم على بناء أدواتهم الفنية والفكرية. لكن رسالتي إلى الجيل الجديد لا تنفصل عن مسؤوليتي الأخلاقية بوصفـي فنانة. فقد أصبحت أكثر حذرًا تجاه المشروعات التي تُقدَّم تحت عنوان «السلام»، لأن السلام نفسه قد يتحول إلى صناعة يعيش منها بعض الفنانين والمؤسسات. الفنان الذي يكرّس مسيرته لموضوع السلام، ويتلقى الدعوات والتمويل بسببه، يجب أن يتعامل معه بوصفه موقفًا أخلاقيًا، لا مجرد مادة فنية مربحة. يستطيع أن يغني أعماله الأخرى ويطور تجربته بحرية، لكن عليه ألا يستخدم خطاب السلام وسيلةً للتقدم المهني فقط. وإذا أراد دعم السلام، فليقدّم له عملًا صادقًا ويتطوع من أجله، لا أن يحوّله إلى سوق. شاركتُ في مهرجان للسلام بإيطاليا مع فنانة يهودية، وكانت التجربة في بدايتها جميلة. لكنني فوجئت لاحقًا بأنها طلبت جمع تبرعات لمصلحة القاعدة العسكرية التي تخدم فيها ابنتها. بالنسبة إليّ، كان ذلك خطًا أحمر. كيف يمكنني أن أغني عن السلام مع فنانة تطلب، في الوقت نفسه، دعم قاعدة عسكرية شاركت قواتها في القتال داخل لبنان، وفي هدم البيوت وقتل الناس؟ لا أستطيع أن أمنح صوتي لهذا التناقض، ولا أن أشارك في جمع المال لمؤسسة عسكرية أرفض ما تقوم به. لم أهاجمها شخصيًا، وكان بإمكاني أن أدخل معها في مواجهة علنية، لكنني لم أفعل. اكتفيت برفض المشاركة، وعبّرت عن موقفي في رسالة واضحة؛ لأنني لا أريد أن أكون جزءًا من هذا الاستخدام لفكرة السلام. هذه مسألة حساسة، لأن عددًا كبيرًا من اليهود الذين يعملون في أطر الشراكة العربية–اليهودية، أو يدعمون بعض مطالبنا، يخدم أبناؤهم وبناتهم في الجيش. وبعضهم ناشط وصادق في مواقفه، لكن الخدمة العسكرية ما زالت بالنسبة إليهم جزءًا طبيعيًا من الثقافة والتربية والحياة. أتفهم أن هذا الموضوع يسبب أزمات نفسية داخل بعض العائلات؛ فقد عرفت أمهات عانين الاكتئاب والخوف بسبب خدمة أبنائهن العسكرية. لكنني أعتقد أيضًا أن التربية قادرة على فتح خيارات أخرى، وأن في إمكان الأهل تشجيع أبنائهم على رفض المشاركة في منظومة الاحتلال والحرب، بدل التعامل مع الخدمة العسكرية كأنها قدر لا يمكن تغييره. أنا لا أطلب من الآخرين ما لا أطلبه من نفسي وأبنائي. ابني لا يحمل السلاح، وكذلك ابنتي. لذلك لا أستطيع أن أقف على مسرح وأغني عن السلام، ثم أشارك في جمع التبرعات لقاعدة عسكرية أو لمؤسسة شاركت في قتل الناس وهدم بيوتهم. رسالتي إلى الجيل الجديد، إذن، هي أن يحلم ويتمسك بالجمال والفن، لكن من دون أن يفصل الحلم عن المسؤولية. علينا أن نزرع النور في هذا العالم، وأن نرى جماله، لكن علينا أيضًا أن نعرف أين نقف، ولمن نعطي أصواتنا، وألا نسمح بتحويل الفن أو السلام إلى غطاء للحرب. |